يجب أن تنتقل استراتيجيات التحوُّل في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان من المشاركة الشكلية إلى الإشراك الفِعليّ للمواطنين

تعمل سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية على إدماج الشباب والمجتمع المدني في عملية الحوكمة، غير أنَّ هذا يجري إلى درجة كبيرة وفقاً لشروط الدولة. وتُدارُ هذه المحاولات بإحكام للحفاظ على الشرعية في خضمّ التحول الاقتصادي. وفي حين تعمل كلا الدولتين على تحقيق الشمول، فإن المساءلة الحقيقية لا تزال مقيَّدة بسيطرة النخبة والقيود المؤسسيّة. وقد أصبحت المملكة العربية السعودية، بعد إعادة هيكلة أنماط القيادة بين النخب التقليدية في إطار رؤية ٢٠٣٠، أكثر رشاقة في إعادة صياغة نموذج الدولة والمجتمع، وإن كان ذلك بطريقة شديدة المركزية والشكليّة. وعلى النقيض من ذلك، تُقدم عمان نهجاً أكثر تشاركية وتشاورية من خلال رؤية ٢٠٤٠، ولكن استمرار هيمنة النُّخب الأكبر سناً يحدّ من الاستجابة لتطلعات الشباب، إذ تُدار عملية التمكين بالتنسيق معهم.

في كلتا الحالتين، لا تكمن المسألة الأساسية في وجود المشاركة المجتمعية من عدمها، بل في مدى تأثير هذه المشاركة فعلياً على رسم سياسات الدولة، والأهم من ذلك، مدى خضوع المسؤولين الذين يقودون هذه العملية للمساءلة أمام آراء المواطنين. ويستخدم كلا البلدين إصلاحات التعليم واستراتيجيات التوظيف والرؤى الوطنية بهدف دمج المواطنين في رؤيتيهما المستقبليّتين. وفي الوقت الحالي، يُعدّ هذا الإدماج رمزياً إلى حد كبير. وهو ما يثير سؤالاً مهماً بشأن ما إذا كانت هذه النماذج ستتطور إلى أِطُر مساءلة أكثر مصداقية، أم ستظل أدوات تحكم من أعلى إلى أسفل؟ ففي نهاية المطاف، من المرجح أن يؤدي الفشل في إرساء المساءلة الحقيقية إلى تقويض استقرار كلا البلدين.

إشراك الشباب من خلال الرؤى الوطنية

تضمَّنت رؤيةُ عُمان ٢٠٤٠ مساهمات شعبية كبيرة، بما في ذلك التواصل الموجه للشباب والنساء. وقد يسَّرت المنتديات والمختبرات الوطنية الحوارَ المنظم مع المواطنين بدعم من آليات العلاقات العامة التي توسطت في المشاركة مع الحفاظ على سلطة الدولة. وخلقت هذه المنتديات توقعات بالاستجابة وشكَّلت ثقافة مشاركة متواضعة. وعلى الرغم من أن العملية كانت في النهاية من أعلى إلى أسفل، إلا أنها منحت المواطنين شعوراً بالمشاركة في الحكم، حتى لو ظل تأثيرهم على النتائج محدوداً.

في المملكة العربية السعودية، تعطي رؤية ٢٠٣٠ الأولوية للشباب باعتبارهم محرِّكين للتنويع الاقتصادي، لا سيما في ريادة الأعمال والصناعات الثقافية وقطاع التكنولوجيا. وقد سمحت الدولة بنمو الأنشطة المدنية غير السياسية، مثل العمل التطوعي ونوادي الشباب، مما أدى إلى توسيع المشاركة إلّا أنها قيَّدت الخطاب السياسي. كذلك خفَّف قانون المنظمات غير الحكومية لعام ٢٠١٦ من إجراءات تسجيل منظمات المجتمع المدني، لكنه أبقى على القيود المفروضة على الدعوة، مما عزز إطار عمل يساهم فيه المجتمع المدني في تقديم الخدمات أكثر من المساءلة السياسية.

ويواجه كلا البلدين ضغوطاً ديموغرافية كبيرة. ففي عُمان، أدت احتجاجات عام ٢٠١١ إلى إطلاق برامج توظيف ومزايا رعاية اجتماعية، لكن التحديات الهيكلية لا تزال قائمة: فمؤسسات التعليم العالي غير متوافقة مع احتياجات سوق العمل، ولا تزال وظائف القطاع العام مفضَّلة بسبب استقرارها. وبالمثل، في المملكة العربية السعودية، لم تَحُلَّ إصلاحات التعليم واستثمارات المنح الدراسية مشكلة بطالة الشباب، لا سيما بين النساء. وتتضمن رؤية ٢٠٣٠ إصلاحات سوق العمل والتدريب المهني، لكن استيعاب القطاع الخاص لا يزال متفاوتاً. وفي حين تُعرِب الشابات السعوديات عن تفاؤلهن، فإنهن يسعين أيضاً إلى مزيد من الشفافية والقابلية للتنبؤ، لا سيما في ما يتعلق بالوصول إلى فرص العمل والتخطيط طويل الأجل.

تمكين المرأة كمقياس للإصلاح

يحتل تمكين المرأة مكانة بارزة في أجندات الإصلاح التي تقودها الدولة في كل من عمان والمملكة العربية السعودية، على الرغم من أن التعامل معه يجري في المقام الأول ضمن إطار التنمية الاجتماعية والاقتصادية بدلاً من مقاربته من خلال منظور قائم على الحقوق.

في عُمان، تتضمن رؤية ٢٠٤٠ أهدافاً للمساواة بين الجنسين وتُشرك النساء في المشاورات الوطنية. ومع ذلك، لا يزال التمثيل السياسي منخفضاً والنشاط السياسي مقيّداً. وعلى الرغم من مختبرات السياسات التي تقودها الدولة لإصلاح الجمعيات النسائية، فإنها لا تزال بعيدة عن الدعوة وتواصل عملها إلى حد كبير بكونها أدوات للنسوية التي تقودها الدولة. وتنشط النساء في قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية، لكنهن نادراً ما يشغلن مناصب قيادية. وتشير المكاسب الأخيرة، مثل زيادة مشاركة النساء في انتخابات غرفة التجارة، إلى تحسُّن تدريجي في المشاركة المدنية. لكن هذه المشاركة تجري من خلال هياكل هرمية ذات مساحة محدودة للدعوة المستقلة. وتشكل النساء العمانيات قُرابة ٦٠٪ من الطلاب في التعليم العالي ونحو ٣٤.٩٪ من القوى العاملة الوطنية، مع حضورٍ بارز بشكل خاص في التدريس والإدارة العامة.

سعت المملكة العربية السعودية إلى إجراء إصلاحات أسرع وأكثر انفتاحاً على الجمهور. فقد ألغت رؤية ٢٠٣٠ القيود، مثل حظر قيادة السيارات ومتطلبات وصاية وليّ الأمر في سياق العمل. وتُمثّل النساء الآن أكثر من ٥٨٪ من خريجي الجامعات ونحو ٣٦٪ من القوى العاملة. وقد طُرِحت هذه الإصلاحات على أنها ضرورة اقتصادية وجزء من أجندة تحديث أوسع. وأدى تخصيص ٢٠٪ من مقاعد مجلس الشورى للنساء إلى تحسين مستوى حضورهنّ. ومع ذلك، لا يزال النشاط خارج نطاق المجالات المصرَّح بها مُجرَّماً. إلّا أنّ النساء يشاركن في المجالس الاستشارية وغرف التجارة والمنظمات غير الحكومية والمجالس العامة، مما يخلق مسارات غير رسمية للتأثير – وإن كان ذلك ضمن معايير خاضعة لرقابة صارمة. والجدير بالذكر أنّ المملكة قد حققت أدنى معدّل للبطالة بين النساء حتى الآن (٣.٣٪). ولدعم استيعاب القوى العاملة، استثمرت الحكومة بكثافة في ريادة الأعمال وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة كقنوات بديلة للإدماج.

في كلا البلدين، يُعتبر إدماج النساء أمراً استراتيجياً ومُوجَّهاً. ولئن كان بعض الإصلاحات ينبع من رؤية النخبة، فإن بعضها الآخر يأتي استجابةً لتطلّعات المجتمع. غير أنَّ المشاركة ما تزال موجّهة من خلال منصّاتٍ متوافقة مع الدولة، مما يحدّ من الاستقلالية. ولكن مع نمو المساهمات التعليمية والمهنية للمرأة، قد تعيد هذه الإصلاحات الموجَّهة تدريجياً ضبطَ توقعات الجمهور، مما يشكل تحدياً طويل الأمد لنموذج الحوكمة الحالي.

إدارة المساءلة: من التشاور إلى الرقابة

تُمثل رؤية ٢٠٤٠ تحوُّلَ عمان من الحوكمة التفاعلية إلى التخطيط الاستباقي طويل الأمد. تاريخياً، كانت صناعة السياسات تتشكل بناءً على الاهتمامات قصيرة الأجل ومفاوضات النخبة. واليوم، تُوفَّر منتديات مثلَ “معاً إلى الأمام” ومنصات رقمية مثل تَجاوُب سُبلاً للمواطنين لإبداء آرائهم. إذ تُولِّد هذه الأدوات لغة المساءلة، لكنها لا تمنح تأثيراً ملزماً. فمجلس الشورى المنتخب يتمتع بسلطة استشارية، ولكن له سلطة تشريعية محدودة، وتظل القرارات السياسية مركَّزة في أيدي النخب السياسية الأكبر سنّاً.

وينشط المجتمع المدني ضمن حدود شبه رسمية. إذ تُساهم مجموعات الشباب والجمعيات التطوعية في التماسك الاجتماعي والمبادرات المحلية، ولكنها تتجنَّب المجال السياسي الصريح. وتتسامح الدولة مع هذه الأنشطة وتستغلها أحياناً، مما يعزز روايات الانسجام المدني. ومع ذلك، فإن الإحباط بين الأجيال يتزايد بهدوء. يرى العديد من الشباب العمانيين عدم توافق بين الخطاب التشاركي والفرص السياسية، خاصة عندما تواصل النخبة التي كانت موجودة قبل عام ٢٠٢٠ هيمنتها على صنع القرار الوطني. وقد تعتمد مصداقية رؤية ٢٠٤٠ على المدى الطويل على حدوث تجديد حقيقيٍّ للأجيال.

في المقابل، جمعت المملكة العربية السعودية بين إعادة هيكلة النخبة ونموذج الشرعية القائم على الأداء. وأتاح صعود قيادة تكنوقراطية جديدة بقيادة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان للدولة متابعة إصلاحات سريعة من دون تغيير هيكلها المركزي. ولا ينصبُّ تركيز رؤية ٢٠٣٠ على التشاور بقدر ما ينصبُّ على التنفيذ. وتُوفّر منصات مثل بوابات التعليقات الرقمية وحملات وسائل التواصل الاجتماعي طُرقاً غير رسمية للتعبير عن عدم الرضا، وفي بعض الحالات، تحفِزُ استجابات الدولة. غير أنَّ الآليات الرسمية للاعتراض أو التأثير لا تزال مقيّدة.

ويُسمح للمنظمات غير الحكومية بالعمل في قطاعي الأعمال الخيرية والتنمية، لكن تُحظر عليها الدعوة. ولا تُشجَّع المشاركة المدنية إلا عندما تتماشى مع الأولويات التي تحددها الدولة. ولئن كان هذا يساعد في استقرار المنظومة، إلّآ أنه يحدُّ من قدرتها على توجيه المظالم الاجتماعية توجيهاً بنَّاءً. ومع ذلك، تساعد الإصلاحات الاستراتيجية، لا سيّما في مجالات الوظائف وإدماج المرأة والثقافة، على تلبية تطلعات الشعب.

ويثير هذا إشكالية أساسيّة: هل يمكن للإصلاح الاستراتيجي للدولة، عندما يخضع لرقابة صارمة، أن يخدم الاحتياجات المتطورة للسكان؟ لا تزال الإجابة غامضة في كلا البلدين. فغالباً ما تكون الإصلاحات طموحة ولكنها تُنفَّذ بشكل غير متسق، مما يزيد من خطر “إرهاق الإصلاح”. وبدون اتصالات شفافة ومسارات مشاركة موثوقة، قد تتسع الفجوة بين أداء الدولة وتوقعات الجمهور.

تطوّرٌ ضمن حدودٍ في العلاقات بين الدولة والمجتمع؟

بينما يعمل كلا البلدين على بلْوَرة سرديات عن الإدماج، تظلُّ المساءلة بعيدة المنال. وتعتمد استراتيجية عُمان بشكل كبير على المشاورات الإجرائية، لكنّ الركود بين الأجيال في النخبة السياسية يهدد بإقصاء الشباب. ولئن كانت الإصلاحات من أعلى إلى أسفل في المملكة العربية السعودية، التي مكنَّتها إعادة تشكيل النخبة، أكثر ديناميَّة، إلّا أنها تعتمد على شرعية الأداء بدلاً من الحوكمة المشتركة.

لم يتجاوز أيٌّ من النموذجين مرحلة المشاركة الموجَّهة حتى الآن. وإذا فشل التحرير الاقتصادي في تحقيق الحَراك الاجتماعي أو الوصول العادل إلى الفُرص، فإنَّ الطبيعة الرمزية للإصلاحات قد تُقوِّض شرعية النخب الحاكمة في أعين المواطنين الأحدث سناً والأكثر تعليماً الذين تزداد تطلعاتهم نحو المساءلة والشفافية. على أرض الواقع، قد يؤدي ذلك إلى خيبة أمل الجمهور في روايات الدولة عن الإدماج، خاصة إذا كانت التجارب المعيشية لا تتطابق مع وعود الإصلاح.

ولكي تتطور المشاركة المدنية تطوراً مُجدياً، يجب على كلا البلدين معالجة القيود الهيكلية. وهذا يعني التحول من الحوار الذي تُنظّمه الدولة إلى اعتماد آلياتٍ مؤسسية لإدماج آراء المواطنين، مثل تمكين الهيئات المنتخبة والجمعيات المستقلة، وتوسيع تمثيل الشباب. ويمكن للشركاء الدوليين دعم ذلك من خلال الاستثمار في التربية المدنية والتثقيف السياسي والمنصات الاستشارية التي تعمل خارج سيطرة الحكومة. ومن ثم، فإن الإدماج من دون مساءلة يظلُّ هشّاً. وسوف يعتمد الاستقرار طويل الأمد في كلٍّ من عمان والمملكة العربية السعودية ليس فقط على التنويع الاقتصادي، بل أيضاً على نماذج الحوكمة التي تعكس دور الأجيال الشابة.