يستضيف الشرق الأوسط أكبر عدد من اللاجئين والنازحين في العالم بالمقارنة مع عدد السكان، ولعلّ ذلك يتجلى بأكثر صوره حِدّةً في لبنان. لكنّ أطر حماية اللاجئين في لبنان تتعرض لضغوط متزايدة، فقد تضاءل دعم المانحين الدوليين في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، وتواجه وكالات الأمم المتحدة مخاطر متصاعدة تتعلق بالتمويل، كما تواجه حقوق الإنسان تهديداً متزايداً بسبب الضغوط السياسية. وفي الوقت نفسه، يشهد لبنان وسوريا تحولاً دبلوماسياً في أعقاب انهيار نظام الأسد في أواخر عام 2024 وتشكيل حكومة إصلاحية في بيروت.
وقد تفاقم هذا الوضع الهشّ أصلاً مع استئناف الحرب بين إسرائيل وحزب الله في آذار/ مارس 2026، مما أدى إلى نزوح أكثر من مليون لبناني ووضع ضغوطاً شديدة على الحكومة الجديدة.
بالنسبة إلى أكثر من مليون لاجئ سوري لا يزالون في لبنان، فإن الظروف مزرية. إذ لا وضع قانونياً لهم، والعداء تجاههم يتزايد، وتتصاعد المطالبات بعودتهم من دون ضمانات كافية. وقد جادلت بعض الحكومات الأوروبية، ولا سيما قبرص والنمسا والدنمارك وهولندا، بأنّ لبنان “آمن بما يكفي” لطالبي اللجوء المرفوضين. ومع ذلك، رفضت الأحكام التاريخية الصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تصنيف لبنان على أنّه “بلد ثالث آمن”، وحذّرت من أنّ عمليات الإعادة تنطوي على خطر الإعادة القسرية غير المباشرة والمعاملة اللاإنسانية.
وغالباً ما دعت الأحزاب السياسية اللبنانية إلى عودة سريعة للاجئين، مع تحميلهم في كثير من الأحيان مسؤولية أزمات البلاد المتعددة. غير أنّ الفرصة الراهنة لإقامة علاقات مثمرةٍ وعلى أساس سيادي مع سوريا تتطلب ما هو أكثر من آليات ظرفية. فالمطلوب هو وضع خريطة طريق تنسيقية تقنية مُقنّنة بين بيروت ودمشق، تستند إلى وضوح قانوني وضمانات لحقوق الإنسان.
الدروس المستفادة من الإدارة غير الرسمية للاجئين في لبنان
لبنان ليس طرفاً في اتفاقية جنيف لعام 1951، ولم يعتمد قَطّ إطاراً وطنياً للُّجوء، بل اعتمد على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسجيل اللاجئين ومساعدتهم إلى أن جُمِّدت هذه العملية في 2015. وقد جعل هذه الطابع غير الرسمي المتعمَد حقوقَ اللاجئين عرضة للمساومات السياسية. ولا يُعترف رسمياً بأكثر من مليون سوري في لبنان كلاجئين، وهم يفتقرون إلى الحقوق الأساسية في العمل والتنقل. ونتيجة لتغيير قواعد الإقامة، أصبح الآن 80 في المئة من العائلات مِن دون وضع قانوني سارٍٍ، في حين جرى “تعطيل” وضع أكثر من 16,000 لاجئ لدى المفوضية بعد فترات عودة قصيرة إلى سوريا، مما يوضح فشل عمليات العودة غير الدائمة.
وهناك تشتُّت في إدارة شؤون اللاجئين بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية والبلديات ومئات البلديات الفردية. ويشير الانتقال نحو آلية يقودها مدنيون تحت إشراف وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، وإطلاق نائب رئيس الوزراء عملية دبلوماسية جديدة مع سوريا، إلى “عصر جديد”. ومع ذلك، يجب على الحكومتين منع خطر الترحيل التعسّفي من أن يتغير بين عشية وضحاها. في عام 2025، جاءت 67 في المئة من حالات العودة المؤكدة تحت الإكراه، وليس بسبب تحسُّن حقيقي في الظروف.
وفي الوقت نفسه، يتعرّض النموذج الإنساني الذي طالما عوَّض ضعف إدارة الدولة إلى ضغوط شديدة. إذ تعاني خطة الاستجابة اللبنانية لعام 2025 من نقص كبير في التمويل، وقد جرى تعليق الرعاية الصحية الثانوية لنحو 45,000 لاجئ. وتواجه المنظمات غير الحكومية التي طالما تحمّلت هذا العبء الآن تخفيضات هائلة في الميزانية. ونتيجة لذلك، نشأ فراغ في الحوكمة يترك اللاجئين والمجتمعات المضيفة في حالة من عدم الاستقرار المتزايد.
على المحك: هشاشات متداخلة ومستقبل محفوف بعدم اليقين
أفضى التعامل غير الرسمي مع ملف اللاجئين في لبنان إلى توليد أوجه هشاشةٍ متداخلة. فعدد الملتحقين بالتعليم الثانوي من الشباب السوريين لا يتجاوز 20 في المئة، في ظلّ عوائق تتمثل في الحواجز اللغوية، ومتطلبات الوثائق الثبوتية، واكتظاظ الصفوف، ما يحدّ من فرص الوصول ويوصد آفاق المستقبل. كما تواجه النساء الفارات من العنف الأسري، والأطفال عديمو الجنسية، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة مخاطر متزايدة، سواء في لبنان أو عند العودة إلى سوريا.
وتتفاقم أوجه الهشاشة هذه بفعل تدهور الأوضاع على جانبي الحدود. ففي سوريا، لم يفضِ الانتقال السياسي إلى تحقيق الأمن؛ إذ تشير تقارير رصد حقوق الإنسان إلى ارتفاع في عمليات القتل بدافع الثأر، والاعتقالات التعسفية، وأعمال الانتقام الممنهجة، في حين لم يكن يعمل سوى 57 في المئة من المستشفيات بحلول أواخر عام 2025. أما في لبنان، فتشهد الإجراءات بحق اللاجئين غير الموثقين تصعيداً متزايداً، إذ وسّعت البلديات نطاق حواجز التفتيش وحملات الدهم، وفي أيار/ مايو 2024 وحده، جرى ترحيل أكثر من 400 سوري على يد الجيش اللبناني، غالباً من دون إجراءات قانونية واجبة أو رقابة إنسانية.
ومع ذلك، يشهد المسار في سوريا تحولاً؛ إذ أسهم الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية خلال عام 2025، إلى جانب تزايد اهتمام الاستثمارات الخليجية والأوروبية، في خلق قدر من التفاؤل الحذر بشأن التعافي. وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد استهدفت عودة 1.5 مليون لاجئ خلال عام 2025، وهو هدف لم يتحقق بسبب فجوات التمويل. وبالنسبة إلى بعض اللاجئين، قد توفر سوريا في نهاية المطاف استقراراً أكبر من لبنان الذي يعاني من عدم الاستقرار بسبب تجدد الصراع، مما يجعل من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تتيح بيروت العودة الطوعية والكريمة.
بوادر أمل وسط سياق مقلق
يتّسم المشهد السياسي في لبنان بتناقض متزايد. إذ تعمل السلطات المركزية والبلديات على تسريع وتيرة العودة، وغالباً ما تُوصَف بأنها طوعية، من دون توفير ضمانات موثوقة، في حين تراجعت قدرة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الرصد نتيجة القيود المالية، ولا تزال الضمانات الوطنية ضعيفة أو غائبة. وفي الوقت ذاته، يتصاعد العداء الاجتماعي، إذ يواجه اللاجئون الإقصاء من الفضاءات العامة، والمضايقات، وتحميلهم مسؤولية الأزمات، بينما أسهمت أوامر الإخلاء والغرامات في بعض البلديات في خلق مناخ من الترهيب، تفاقم بفعل ضغوط النزاع الحالي بدلاً من أن يُخفَّف.
ورغم ذلك، لا تزال مظاهر القدرة على الصمود قائمة. إذ يواصل اللاجئون الاعتماد على التنقل عبر الحدود وعلى الشبكات غير الرسمية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، في دلالة على قدرة تكيّف لم تنجح السياسات الرسمية في مجاراتها. كما أن تبنّي الحكومة الجديدة خطاب الإصلاح، رغم طابعه الحذر، ورغم اختباره في ظلّ تجدد النزاع، يفتح نافذة ضيقة، لكنها حقيقية لحوار منظّم مع سوريا بشأن التنقل والعودة.
الحاجة إلى خريطة طريق
تُفضي اللارسمية إلى الإفلات من المساءلة؛ فعندما تغيب السياسات الواضحة، يسهل التهرب من المحاسبة. ويتيح الظرف السياسي الراهن فرصة لاستبدال الغموض بوضوح قانوني ومسؤولية مشتركة، من خلال إعداد خارطة طريق تنسيقية تقنية تضم وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الانتقالية السورية، ولجنة رباعية تشمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وممثلين عن اللاجئين. وقد برزت وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان بوصفها جهة تتبنى مقاربة قائمة على الحقوق تُركّز على الحماية؛ ويتعين على الحكومة البناء على هذا التوجه لترسيخ استجابة تقوم على الحماية للاجئين والمهاجرين والمواطنين على حد سواء في ظل الحرب الراهنة وتداعياتها.
وتشكّل قواعد إقامة واضحة وقابلة للتنبؤ، وإجراءات شفافة للتوثيق، وتسجيل مدني شامل، ركائز أساسية. كما ينبغي أن تستند أطر العودة إلى معايير السلامة والكرامة، لا إلى اعتبارات سياسية ظرفية، وأن تخضع لرقابة جهات قانونية مستقلة. ويمكن لاعتماد إطار رسمي لزيارات الاطِّلاع المسبق، على غرار التجربة التركية في عام 2025، أن يتيح للأسر تقييم أوضاع المعيشة والممتلكات في سوريا من دون فقدان وضع الحماية القانوني في لبنان. كذلك، يجب استبدال الممارسات الحالية القائمة على تجديدات مؤقتة وتقديرية لتدابير الحماية للاجئين غير الموثقين بأداة قانونية رسمية؛ فالحماية المؤقتة الدائمة لا تخدم أحداً. وقبل كل شيء، ينبغي أن تضع الإصلاحات تجارب اللاجئين المعيشية في صلبها، ذ إن السياسات التي لا تراعي الدوافع الاجتماعية للعودة لن تفعل سوى إعادة إنتاج الأضرار التي تسعى إلى معالجتها.
الخطوات التالية
يجب أن تكون إصلاحات حقوق اللاجئين منظّمة وواقعية، وأن تستند إلى تنوّع احتياجاتهم، لا أن تتعامل معهم ككتلة واحدة متجانسة. وينبغي للحوار السوري–اللبناني الناشئ، الذي تقوده الحكومة اللبنانية ونائب رئيس الوزراء، أن يستبدل “سياسة اللا سياسة” في بيروت، بإطار قائم على الوضوح القانوني والمسؤولية المؤسسية. وعلى لجنة من هذا النوع أن تضع قواعد إقامة قابلة للتنبؤ، وتنظّم التنقل عبر الحدود، وتوفّر ضمانات أمنية مدعومة بآليات رقابة مستقلة. كما يجب أن يتناول الحوار مسألة التنقل عبر الحدود بما يتيح الوصول الآمن إلى الخدمات الصحية والتعليمية، في ظل محدودية قدرة النظام الصحي في سوريا وارتفاع نسبة الشباب السوريين غير الملتحقين بالتعليم الثانوي.
ويظلّ الحوار المنظّم والمقصود بين بيروت ودمشق أمراً بالغ الأهمية. فهو يشكّل فرصة لبناء سياسة قائمة على الحقوق، تستبدل الغموض بإطار يرتكز على الكرامة والأمن والاستقرار طويل الأمد، ويشمل اللاجئين والمهاجرين والمواطنين على حد سواء.





