معضلة الحكم في سوريا في ظل التنافس التركي-الإيراني

  • حايد حايد

    Consulting Fellow, Middle East and North Africa Programme, Chatham House

    زميل مشارك استشاري، برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تُمثّل المرحلة الانتقالية في سوريا في حقبة ما بعد الأسد منعطفا حاسماً، وهي مرحلة تطرح فرصاً هائلة وتحديات معقدة في آن معاً. ومن بين النقاشات الأكثر أهمية وإثارة للجدل مسألة نموذج الحُكم الذي سيرسم ملامح مستقبل سوريا. فهذه القضية محورية ليس فقط بسبب تأثيرها بعيد المدى على الحياة اليومية والخدمات والمؤسسات العامة، بل لأنها نقطة خلاف جوهريّ بين الأطراف المعنية الرئيسية – الداخلية والخارجية على حد سواء.

وقد أوضح الرئيس المؤقت أحمد الشرع تفضيله لنظامٍ شديد المركزية. بالنسبة إلى الشرع، فإن المركزية ليست مجرد مسألة سيطرة إدارية فحسب، بل هي ضرورة استراتيجية نابعةٌ من الانقسامات الداخلية والمصالح الجيوسياسية الإقليمية، لا سيّما مصالح تركيا وإيران. ومع ذلك، ترى الأطراف الفاعلة السورية الرئيسية – وخاصّةً الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد، وكذلك الطائفة الدرزية – أنّ اللامركزية ضرورية لتعاونها مع الحكومة الجديدة. وتدعم أنقرة، الحليف الرئيسي للشرع، المركزية للحدّ من الحكم الذاتي الكردي؛ وعلى النقيض من ذلك، قد تسعى طهران إلى استغلال التجزئة محلّياً للحفاظ على نفوذها.

ولئن كانت المركزية تَعِد بإدارةٍ فعّالة ووحدة وطنية، إلا أنها تجازف بتعميق المظالم المزمنة وتهميش المجتمعات المتنوعة في سوريا، وهي تحديات قد تهدد الاستقرار على المدى الطويل. قد يكون السبيل الأفضل للمضي قدماً هو اتّباع نهج أكثر توازناً، يجمع بين المؤسسات الوطنية القوية والحكم الذاتي للمناطق. ومن شأن هذا النموذج أن يحافظ على التلاحم الوطني مع تمكين السلطات المحلية من تلبية احتياجات المناطق، مما يعزز نظاماً سياسياً أكثر شمولاً واستدامة.

مشهد مُفتَّتٌ لإدارة البلاد

شهدت سوريا منذ عام 2011 تفتُّتاً في مشهد إدارتها. فقد احتفظ نظام الأسد بسلطته على مناطق مهمة، بما في ذلك دمشق، وفرض نظاماً مركزياً استبدادياً يحكم سيطرته على الحياة السياسية والسياسات العامة. وفي المقابل، طورت المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام نماذج حوكمة خاصة بها، حيث أعادت صياغة مؤسسات الدولة في ظل هياكل سياسية وأيديولوجية متنافسة.

في الشمال الغربي، أنشأت الفصائل المدعومة من تركيا إدارات محلية شبه مستقلة تحت إشراف أنقرة، وأصبحت هذه الإدارات مندمجة بشكل متزايد في الأنظمة الاقتصادية والبيروقراطية التركية. وفي إدلب، وطّدت حكومة الإنقاذ المدعومة من هيئة تحرير الشام سيطرتها على الإدارة والعمليات القضائية والشؤون الاقتصادية، واعتمدت هيكليات مركزية للدولة. أما في الشمال الشرقي، فقد طبَّقت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بقيادة الأكراد نموذج حُكم لامركزي يركز نظرياً على عملية صنع القرار من أسفل إلى أعلى، رغم أن الآليات التشاركية الرسمية لا تزال ضعيفة ويظل كثير من المواطنين غير مطَّلعين على القرارات السياسية حتى بعد صدورها.

وبعد سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سارعت هيئة تحرير الشام إلى بسط سيطرتها على المناطق التي يسيطر عليها النظام، مما جعل حكومة الإنقاذ التابعة لها بمثابة السلطة الانتقالية. ومع ذلك، لا يزال نظام الحكم في سوريا منقسماً، حيث تتنافس الأنظمة الإدارية المختلفة على الشرعية. وقد وقّع الشرع اتفاقات مع كل من الإدارة الذاتية والقيادة الدرزية في السويداء لإخضاعهما لإدارة الدولة السورية. ومع ذلك، فإن كلا الطرفين ينظر إلى اللامركزية على أنها أمر محوري في رؤيته للبلاد، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع أجندة الشرع وهيئة تحرير الشام في تحقيق المركزية. وكما قال الشرع: ”لن يكون هناك تقسيم لسوريا ولا فيدرالية بأيّ شكل من الأشكال“.

الحسابات الجيوسياسية

لطالما نظرت تركيا، إحدى أبرز حلفاء الشرع، إلى مسألة الحكم الذاتي الكردي السوري على أنها تهديد للأمن القومي، خشية أن يؤدي أيّ شكل من أشكال الحكم اللامركزي – خاصةً الذي يمنح المناطق الكردية درجة من الحكم الذاتي – إلى تشجيع الحركات الكردية داخل حدودها. ونتيجةً لذلك، تسعى تركيا إلى تفكيك هياكل الحكم الذاتي الكردية وضمان بقاء السلطات المحلية في شمال سوريا تحت سيطرة مركزية صارمة. ويعزز الوجود العسكري لأنقرة في شمال سوريا ونفوذها على جماعات المعارضة المسلحة قدرتها على رسم معالم الحكم في مرحلة ما بعد الصراع. وبحسب ما تفيد التقارير، فإن الشرع يرى أن الدعم التركي ضروري لتعزيز قيادته[[1]]، وهو ما يزيد من احتمال استمراره في الضغط من أجل المركزية، حتى لو كان ذلك على حساب المخاطرة بإبعاد شرائح سورية رئيسية.

وبعيداً عن النفوذ التركي، يمكن أيضاً النظر إلى حملة المركزية التي يقودها الشرع على أنها استراتيجية لمجابهة طموحات إيران الإقليمية. فعلى مدى سنوات، سعت إيران إلى توسيع نفوذها في سوريا، معتبرةً البلاد عنصراً حيوياً في استراتيجيتها الجيوسياسية الأوسع نطاقاً. ومع خروج نظام الأسد من السلطة، قد تحاول طهران إيجاد موطئ قدم لها من خلال التحالف مع المجتمعات المحلية المعارضة لحكم الشرع. ومن خلال توطيد السلطة داخل الحكومة المركزية، يبدو أن الشرع يهدف إلى الحد من قدرة إيران على استغلال هياكل الحكم المحلي وتوظيف الانقسامات المناطقية لصالحها[[2]]، وهذا القلق مهم بشكل خاص في المناطق الساحلية في سوريا، حيث اتهمت إيران مؤخراً من قبل العديد من الجهات الفاعلة بدعم الهجمات العنيفة ضد السلطات الانتقالية لإضعافها وتعزيز نفوذها.

من وجهة نظر هيئة تحرير الشام، يمكن أن يؤدي النظام اللامركزي إلى نزاعات داخلية بين السلطات المحلية ودمشق، ويخلق فرصاً جديدة لإيران لتعزيز نفوذها من خلال الجماعات المتحالفة معها. ومن خلال الإبقاء على حكومة مركزية قوية، يسعى الشرع إلى منع مثل هذا التفتت والحد من قدرة طهران على صوغ المشهد السياسي في سوريا.

وقد أدى اختلاف مواقف تركيا وإيران بشأن المرحلة الانتقالية في سوريا إلى توتر العلاقات بين البلدين. وتصاعدت التوترات مؤخراً عندما انتقد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استراتيجية إيران تجاه سوريا، محذراً من أي محاولات لزعزعة استقرار البلاد وملمحاً إلى أن الآخرين قد يردون بالمثل. وسرعان ما أعربت طهران عن استيائها، وحثّت أنقرة على تجنّب التصريحات التي يمكن أن تُلحق المزيد من الضرر بالعلاقات الثنائية. ورغم أن الجانبين عمِل منذ ذلك الحين على تهدئة الوضع، إلا أنه من المرجح أن تستمر العلاقات التركية الإيرانية في التأثر بردّ فعل إيران على المرحلة الانتقالية في سوريا، سواء في مجال الحوكمة أو خارجها.

وحتى الآن، يبدو أن طهران تبقي خياراتها مفتوحة، بما في ذلك إمكانية إقامة علاقات دبلوماسية مع السلطات السورية الجديدة. وإذا ما أعطت طهران الأولوية للتواصل وإعادة بناء العلاقات، فمن المرجح أن يكون دورها المزعزع للاستقرار محدوداً، مما يقلل من خطر الاحتكاك مع أنقرة. ومع ذلك، إذا قررت إيران التركيز على تأجيج عدم الاستقرار، فمن المتوقع أن تتصاعد التوترات مع تركيا، نظراً لمصلحة أنقرة الذاتية في الحفاظ على الاستقرار في البلد المجاور لها.

الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات

إن جدوى تطبيق نظام حكم مركزي أو لا مركزي في سوريا أمر محفوف بالتعقيدات. فكلّ نموذج منهما ينطوي على مزايا واضحة ويطرح تحديات هائلة، لا سيما في مرحلة ما بعد النزاع، حيث الهويات المتنوعة والمظالم الموروثة منذ فترة طويلة تقتضي الاعتراف بها واستيعابها.

تُبشِّر المركزية بحوكمة فعالة وانسيابية في صنع القرار وبسياسات وطنية متماسكة وموحدة. ولكن، في بلد برزت فيه هويات ومراكز قوى متعددة، فإنها تجازف بمفاقمة الانقسامات العرقية والطائفية والسياسية.

وقد يؤدي الإفراط في المركزية إلى خلق حالة من الاستياء، وتنفير بعض الفاعلين الرئيسيين، مثل الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد، ومجالس المعارضة المحلية، مما قد يؤدي إلى عودة عدم الاستقرار وشَلل الحكم، بل وحتى عودة الصراع. علاوة على ذلك، يثير الإرث الاستبدادي في سوريا مخاوف من أن يؤدي وجود هيكلية شديدة المركزية إلى إدامة أنماط الإقصاء والقمع نفسها التي ساهمت في اندلاع النزاع في المقام الأول.

وعلى العكس من ذلك، تطرح اللامركزية نموذج إدارة أكثر قابلية للتكيف بإمكانه تمكين المجتمعات المحلية وتعزيز التمثيل المناطقي ومواءمة تقديم الخدمات مع الاحتياجات المحلية. ويمكن أن تساعد في التخفيف من التوترات الطائفية والإثنية من خلال ضمان أن يكون للمجموعات المهمشة تاريخياً حصة في إدارة البلاد في المستقبل.

ومع ذلك، تنطوي اللامركزية أيضاً على صعوبات، لا سيما في ضمان اللُّحمة والحيلولة دون تفتيت الدولة، ومعالجة تأثير الأطراف الخارجية على السلطات المحلية. وتعتمد فعالية النموذج اللامركزي على وجود إطار قانوني متين، والتوزيع العادل للموارد، والضمانات الواقية من النزعات الانفصالية.

ويكمن التحدي الأساسي في تحقيق التوازن، أي إنشاء نموذج إدارة يعزز الوحدة الوطنية ويسمح في الوقت نفسه بالاستقلالية المحلية. وقد يؤدي الفشل في القيام بذلك إلى دولة إمّا أن تكون مركزية على نحو مفْرط، مما يعمق من نفور المكونات الرئيسية ويثير المزيد من الاضطرابات، أو مفتتة بإفراط وأكثر عرضة للانقسامات الداخلية والتلاعب الداخلي والخارجي على حد سواء.

وقد كان الإخفاق في معالجة مسألة الحكم من خلال تقديم تنازلات جادة خلال عمليتَيّ الحوار الوطني والإعلان الدستوري الأخيرتين فرصة ضائعة. ومع ذلك، لا يزال بإمكان الحكومة الانتقالية المعيّنة حديثاً معالجة هذه المسألة من خلال إطلاق عملية تشاورية شاملة – عملية تعكس تطلعات السوريين وتضع الأساس للدستور الجديد.

إرساء التوازن الصحيح

لكي تكون العملية الانتقالية في سوريا ناجحة ومستدامة على حد سواء، يجب على صانعي السياسات وأصحاب المصلحة إعطاء الأولوية لإطار حوكمة شامل يوازن بين الوحدة الوطنية والاستقلالية المناطقية. وينبغي أن يحافظ نظام الحكم الذي يتّسِم بالبنية الجيّدة على مؤسسات وطنية قوية ويمكّن السلطات المحلية في الوقت نفسه من معالجة هواجس مناطقها بفعالية. وبغضّ النظر عن نموذج الحوكمة المعتمد في نهاية المطاف، يجب تنفيذ الإصلاحات والتدابير الرئيسية لضمان الاستقرار والشمول على المدى الطويل:

  1. الإصلاحات المؤسسية: إن تعزيز الشفافية والمساءلة والمشاركة العامة أمر ضروري لتحقيق انتقال مستقر. ينبغي إنشاء آليات لتقاسم السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية لمنع التركيز المفرط للسلطة وضمان التمثيل العادل للمجموعات السياسية والإثنية المتنوعة في سوريا.
  2. الإطار القانوني والدستوري: ينبغي أن يحدد الإطار القانوني والدستوري الواضح أدوار كل من الحكومة الوطنية والإدارات المحلية ومسؤولياتها. كما أن وضع مبادئ توجيهية واضحة المعالم لتخصيص الموارد وإنفاذ القانون والسلطة القضائية أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار ومنع النزاعات بين الكيانات الحاكمة.
  3. لامركزية تقديم الخدمات: من الضروري تمكين هياكل الحكم المحلي لإدارة الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية. وسيساعد تعزيز تقديم الخدمات محلياً على إعادة بناء الثقة في المؤسسات الحكومية وضمان حصول المجتمعات المحلية على خدمات تتناسب مع احتياجاتها.
  4. آليات حل النزاعات: يجب إعطاء الأولوية لعملية مصالحة وطنية لمعالجة المظالم التاريخية ومنع المزيد من الانقسامات. وينبغي إنشاء هيئات وساطة مستقلة لحل النزاعات بين السلطات المحلية والمركزية، وتعزيز نموذج حُكم أكثر تماسكاً وتعاوناً.

يمكن أن يركّز الحلّ الوسط المحتمل بين الإدارة الجديدة والمجتمعات المحلية التي تدعو إلى نموذجٍ لامركزيٍّ على تضمين هذه المبادئ في أي نظام يُصار إلى اعتماده. ومن شأن هذه المقاربة أن تنقل النقاش إلى ما هو أبعد من مجرّد هياكل الحوكمة المتنازع عليها وتعزز بدلاً من ذلك التوافق على نظام يدعم القيم والمسؤوليات والحقوق الأساسية. ومن خلال ضمان أن تعكس إصلاحات الحوكمة تطلعات جميع الأطياف، يمكن لسوريا بناء نظام أكثر شمولاً واستقراراً – نظام يعزز المشاركة والفاعلية للمناطق مع الحفاظ على الوحدة الوطنية.

ولتجنُّب تكرار أخطاء الماضي، يجب على سوريا أن تبني نظاماً متجاوباً وشاملاً ومعبّراً عن مجتمعاتها المتنوّعة، وقادراً على التكيف مع التحديات المستقبلية. ولا يتطلب هذا الأمر إصلاحات قانونية ومؤسسية فحسب، بل يتطلّب أيضاً ثقافة سياسية تُعطي الأولوية للتعاون والتمثيل والاستقرار طويل الأمد على المكاسب السياسية قصيرة المدى.

وفي نهاية المطاف، تعتمد المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد على نموذج حُكم قابل للمواءمة والاستدامة في آن واحد. ومن غير المرجّح أن تنجح المقاربة الجامدة التي تُطبّق على الجميع. وبدلاً من ذلك، فإن النموذج البراغماتي والمرن – نموذج يحتضن الوئام الوطني، مع احترام التنوع المناطقي – يوفّر أفضل طريق لتعزيز المصالحة والاستقرار والازدهار.

وبدون ترتيب إدارة مقبول لدى الجميع، ستبقى سوريا نقطة ساخنة متقلبة للخصومات الإقليمية، لا سيّما بين تركيا وإيران. وقد يمتد عدم الاستقرار في سوريا إلى ما وراء حدودها، مما قد يُحدث هزات في جميع أنحاء الشرق الأوسط ويهدد بزعزعة استقرار المشهد الأمني الهش أصلاً في المنطقة.

 

[1] محادثة خاصة للكاتب مع مسؤولين سوريين، شباط/فبراير 2025، دمشق، سوريا.

[2] محادثات خاصة للكاتب مع مسؤولين سوريين، فبراير/شباط 2025، دمشق، سوريا.

 

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات لنقاش السياسات في إطار مشروع “العلاقات التركية-الإيرانية الآخذة في التطور وانعكاساتها على إعادة ترتيب المنطقة” التابع لشبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS).

يتلقّى مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS) في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، تمويلاً من مؤسسة ميركاتور ووزارة الخارجية الاتحادية في ألمانيا. ويشرف مركز دراسات تركيا التطبيقية على شبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية، وهي شبكة دولية من مراكز الأبحاث والمؤسسات البحثية العاملة في الشأن التركي.