أصبح جنوب القوقاز في السنوات الأخيرة نموذجاً مصغّراً لتعدّد الأقطاب، حيث تتنافس روسيا وتركيا وإيران على النفوذ مُحاوِلةً الموازنة بين مزيجٍ هشٍّ من التعاون والتنافس. كان النظام الإقليمي بعد الحرب الباردة – الذي هيمنت عليه روسيا وصاغتهُ مواجهتُها مع الغرب – مبنياً على محورين رئيسيين: كتلة روسيا وأرمينيا وإيران، التي أبقت على الوضع الذي كان قائماً للهيمنة الروسية، ومحور أذربيجان وجورجيا وتركيا، الذي مال نحو الغرب، مع جورجيا التي دافعت عن الاندماج الأوروبي الأطلسي، وتركيا التي دعمت طموحاتها في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
أدّى غزو روسيا الشامل لأوكرانيا إلى تراجع هيمنتها التي كانت بلا منازع في جنوب القوقاز، مما أدى إلى ظهور نظام إقليمي أكثر انقساماً. ورغم أن الوضع لا يزال متقلباً، إلا أن ثلاث سمات رئيسية بدأت في الظهور، وهي تعدّد الأقطاب غير المتوازن، وأنماط التعاون والتنافس المتغيّرة، والترابط المتزايد بين جنوب القوقاز والشرق الأوسط. وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التحول، بما في ذلك اشتداد التنافس بين تركيا وإيران في كلا المنطقتين، والتنافس على مشاريع الربط الإستراتيجي، والتراجع المتزامن للنفوذَين الروسي والغربي.
تعدد الأقطاب غير المتوازن كنظام إقليمي جديد
لطالما كان جنوب القوقاز يقع ضمن نطاق نفوذ روسيا الذي ترسّخ في القرن التاسع عشر إِثرَ هزيمة خصومها الفُرس والعثمانيين، وضمِّ الدول القوقازية الثلاث – أرمينيا وأذربيجان وجورجيا – إلى الإمبراطورية الروسية، ومن ثم إلى الاتحاد السوفيتي لاحقاً. وفي فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، أعطت روسيا بقيادة فلاديمير بوتين الأولوية للسيطرة على القوقاز، مدفوعة بمخاوف بشأن الاستقرار الداخلي في شمال القوقاز المضطرب وبطموحات عالمية لإبراز قوتها في منطقة البحر الأسود الأوسع نطاقاً والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. لكن الحرب في أوكرانيا أنهكت قدرات روسيا الاستراتيجية، مما دفعها إلى إعادة تقييم أولوياتها الإقليمية، وقبولها على مضضٍ، النفوذ المتنامي لجهات إقليمية أخرى، لا سيما تركيا وإيران.
وقد أفضت التطورات الأخيرة في العلاقات بين روسيا وتركيا وإيران – إلى جانب تنامي نفوذ الصين، وبدرجة أقل إسرائيل – إلى ظهور نظام إقليمي يمكن وصفه بأنه نظام يتسّم بتعدد أقطابٍ غير متوازن. ورغم أن روسيا فقدت هيمنتها المطلقة، إلا أنها لا تزال القوة المهيمنة بفضل وجودها العسكري وثقلها الاقتصادي ونفوذها السياسي العميق. وهي لا تزال تحتفظ بقاعدة في غيومري بأرمينيا وقواتٍ في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما منطقتان في جورجيا تحتلهما فعلياً. كما استفادت موسكو من تحوّل جورجيا عن الغرب، بعد أن كانت في السابق قناة رئيسية لنفوذ أوروبا والأطلسي.
وفي المقابل، تراجع دعم روسيا التقليدي لأرمينيا، مع سعي يريفان المتزايد إلى توثيق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومع ذلك، تظل قدرة أرمينيا على إعادة التوازن الإستراتيجي محدودة. ويشير اجتماع وزيرَيْ الخارجية الأخير بين سيرغي لافروف وأرارات ميرزويان إلى أنّ حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان تبحث إعادة الانخراط مع موسكو. وقد يعزز نجاح روسيا المحتمل في أوكرانيا مكانتها في جنوب القوقاز، خاصة وأن الدول الصغيرة في المنطقة قد تشعر بضعف متزايد أمام روسيا الجديدة الإمبريالية والجريئة.
في الوقت الحاضر، يتمثل العائق الرئيسي أمام نفوذ روسيا في جنوب القوقاز في تعزيز محور أذربيجان وتركيا، إلى جانب أولوية موسكو في الحرب على أوكرانيا وحشد الدعم لحملتها في الجنوب العالمي. وقد أدى تنامي دور تركيا بدوره إلى زيادة انخراط إيران في المنطقة، مدعوماً بمنطق التنافس متعدد الأقطاب. ولئِن مالت موسكو نحو أذربيجان وتركيا، برزت إيران داعماً خارجيّاً رئيسيّاً لأرمينيا.
وقد أعيدَ ضبطُ موازين القوى التي كانت مائلة لصالح روسيا في السابق، ولكن لا ينبغي المبالغة في تقدير استعداد القوى الإقليمية وقدرتها على تحدّي نفوذ موسكو في القوقاز. ولا تزال الأوضاع متقلبة، متأثرة بالتطورات في أوكرانيا والشرق الأوسط. وفي حين خرجت تركيا أكثر قوّة من الصراع السوري، أضعف سقوط نظام الأسد وتآكل محور المقاومة الإيراني إيران بشكل كبير. ودفعت الضربات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة طهران إلى مزيد من التركيز على بقاء النظام، مما حد من قدرتها على بسط نفوذها في جنوب القوقاز، على الأقل في الوقت الحالي.
ويؤدي ضعف إيران بدوره إلى زيادة حافز أرمينيا لتطبيع علاقاتها مع تركيا وأذربيجان، مع توخّي الحذر في تعاملها مع روسيا. وتؤكد زيارة رئيس الوزراء باشينيان التاريخية إلى أنقرة على الانفراج الملموس في العلاقات بين أرمينيا وتركيا، مما قد يؤدي إلى تهميش كلّ من إيران وروسيا. ومع ذلك، عندما تجد موسكو الوقت للتركيز مجدداً على القوقاز، فسوف تسعى إلى استعادة بعض نفوذها المفقود في المنطقة، إن لم يكن كلّه، مما سيؤدي إلى توازن جديد مع تركيا وإيران، ويحدّ من الوجود الإقليمي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
مجالات التعاون والتنافس
شكل انهيار ناغورنو-كاراباخ في عام 2023، واستعادة أذربيجان سيطرتها على الأراضي بدعم من تركيا نقطة تحوّلِ استراتيجية في جنوب القوقاز، وأدى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة. وفي الوقت نفسه، زادت العقوبات الغربية على روسيا وإيران من أهمية المنطقة باعتبارها مركز عبور لكل من الدول الخاضعة للعقوبات وتلك التي تسعى إلى التحايل على القيود التجارية أو فرضها. وقد أدى ذلك إلى اندلاع ”منافسة الممرات“، مع مبادرات ربط متنافسة تدعمها مختلف الأطراف الفاعلة الإقليمية والعالمية.
وثمّة ثلاثة ممرات اتصال رئيسية آخذة في التبلور: الممر الأوسط (الذي يربط أذربيجان وجورجيا وتركيا متجاوزاً أرمينيا وروسيا وإيران)؛ والممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (الذي تدعمه روسيا وإيران)؛ والممر الذي تقترحه إيران بين الخليج الفارسي والبحر الأسود ويشمل أرمينيا وجورجيا وبلغاريا واليونان. ولإطلاق إمكاناتها في مجال النقل بالعبور، تحرص أرمينيا على التوصل إلى اتفاق سلام مع أذربيجان وتطبيع علاقاتها مع تركيا. كما سعت باكو وطهران إلى تسوية خلافاتهما لتحقيق مكاسب متبادلة، كما يتضح من زيارة الرئيس الإيراني إلى باكو في نيسان/ أبريل 2025.
كان الربطُ ودَورُ المنطقة في التجارة غير المباشرة من العوامل الرئيسية وراء تغيير روسيا لسياستها الطويلة الأمد المتمثلة في دعم أرمينيا واستغلال النزاعات العالقة لكسب النفوذ. ووسط تغيّر أولويات الحرب، أعادت موسكو تقييم نهجها، وخلصت إلى أن التحالف مع أذربيجان وتركيا – لا سيما لضمان الوصول إلى ممرات العبور الناشئة – له قيمة استراتيجية أكبر من استمرار دعم أرمينيا. وبدورها، وسّعت تركيا نفوذها، وأبرمت تحالفاً دفاعياً مع أذربيجان، وبنت على العلاقات القائمة في الإطار الثلاثي بين أذربيجان وجورجيا وتركيا. وتُجري الدول الثلاث مناورات عسكرية سنوية وتتعاون في مشاريع بنية تحتية كبرى، بما في ذلك خط السكك الحديدية باكو-تبليسي-كارس، وخط أنابيب النفط باكو-تبليسي-جيهان، وممر الغاز الجنوبي – وهو شبكة من خطوط الأنابيب لتصدير غاز أذربيجان إلى أوروبا.
إن نفوذ إيران في المنطقة محدود نسبياً لأنها تفتقر إلى قوة ناعمة كبيرة أو شبكة من الوكلاء. ومع ذلك، فإن لها مصالح أمنية كبيرة، من أهمها الحفاظ على حدودها مع أرمينيا، واحتواء النزعة الانفصالية بين أقلية الأذريين، وإدارة التعاون المتعمق بين أذربيجان وإسرائيل. وتشعر طهران بقلق خاص إزاء ممرّ زنغزور المقترح، الذي من شأنه أن يربط أذربيجان بجزيرة ناخيتشيفان التابعة لها في أرمينيا، ليشكل طريق عبور مربحاً آخر، مما يعزز نفوذ تركيا. وسوف يسير الممرُّ على طول الحدود الإيرانية مع أرمينيا، مما يثير خشية طهران من أن يقلل من القيمة الاستراتيجية لإيران في العبور بين الشرق والغرب، وأن يكون أداة احتواءٍ بيدِ تركيا وحلفائها – ويشير البعض إليه باسم” ممرّ توراني التابع لحلف شمال الأطلسي“. وبالإضافة إلى ذلك، أدى تزايد العلاقات العسكرية بين أذربيجان وإسرائيل إلى زيادةِ عزم طهران على الحفاظ على الوصول الاستراتيجي إلى ناخيتشيفان وكبحِ جماح باكو.
لقد استفادت إيران تاريخياً من الهيمنة الروسية في جنوب القوقاز، التي حدّت من نفوذ حلف شمال الأطلس وتركيا وإسرائيل. ومنذ الحرب في أوكرانيا، تعمّق التعاون بين روسيا وإيران، مع دعمٍ عسكري من طهران وشراكة استراتيجية ثنائية جديدة. ومع ذلك، لم تقدم روسيا سوى دعم خجول لإيران في صراعها مع إسرائيل، واكتفت بإدانات شفهية. وفي السابق، ظهرت توترات حول ممر زنغزور، إذ ترى روسيا فيه فرصة لإعادة تأكيد نفوذها من خلال نشر حرس الحدود، بينما ترى إيران فيه تهديداً لمكانتها الإقليمية. وقد اعترضت طهران علناً وحصلت على تأكيدات روسية بأن الوضع الراهن سيبقى على ما هو عليه – في الوقت الحالي. وفي الأشهر الأخيرة، دخلت إدارة ترامب على الساحة بمقترح لتعهيد إدارة الممر إلى شركة أمريكية خاصة – مما أدى فعلياً إلى تهميش كل من إيران وروسيا. وقد أدانت طهران الاقتراح باعتباره جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع نطاقاً لتطويق إيران وإضعافها، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن أيضاً في جنوب القوقاز.
الروابط الإقليمية بين جنوب القوقاز والشرق الأوسط
أدى تراجع الهيمنة الإقليمية لروسيا وتداعيات التنافس بين تركيا وإيران وإسرائيل إلى جنوب القوقاز إلى تعميق الروابط بين المنطقة والشرق الأوسط. وإنّ سقوط نظام الأسد، وتصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل، وتزايد التعاون العسكري بين أذربيجان وإسرائيل، كلُّها أمور لها آثار مباشرة وغير مباشرة على القوقاز. ومع تزايد الترابط بين المنطقتين، يتضاءل النفوذ الأوروبي الأطلسي. وقد أصبح التحوط والتوازن والتحالفات المتعددة هي الإستراتيجيات السائدة في السياسة الخارجية، حتى في جورجيا التي كانت في يوم من الأيام الحليف الأقوى للغرب.
وتُسلّط التداعيات المحتملة للمواجهات العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل مزيداً من الضوء على الترابط المتزايد بين جنوب القوقاز والشرق الأوسط. وتخشى أرمينيا من أن تستغلّ أذربيجان الأزمة الإقليمية وضعف إيران للاستيلاء على ممر زنغزور، في انتهاكٍ لسيادة أرمينيا. وفي حين أدى الاعتماد على إيران إلى توتير علاقات يريفان مع الغرب، فإن تراجع إيران يهدد بتضييق الخيارات الإستراتيجية لأرمينيا ودفعها نحو روسيا. وفي هذا السياق، أبدى رئيس الوزراء باشينيان انفتاحاً على تطبيع العلاقات مع تركيا، وإن كان التقدم في هذا الشأن لا يزال مرهوناً بموافقة باكو.
وإذا أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تعطيل البنية التحتية للطاقة، فسوف يزداد دور أذربيجان كمورد رئيسي للطاقة وطريق عبور موثوق. غير أن عدم الاستقرار في إيران – لا سيما في مقاطعة أذربيجان الشمالية – ينطوي على مخاطر امتداده خارج حدودها. إذ يشترك البلَدان في حدود طولها 800 كيلومتر وأقلية أذربيجانية عابرة للحدود، مما يزيد من احتمال تدفّق اللاجئين إلى أذربيجان وإثارة نقاشات حساسة في شأن الهوية الوطنية والدينية. وقد يؤثر الصراع أيضاً على علاقات باكو القوية مع إسرائيل، خاصة إذا واصلت تل أبيب جهودها لإضعاف النظام الإيراني من خلال تشجيع الانقسامات العرقية والطائفية، مما قد يؤجج الضغوط باتجاه التفكُّك في المنطقة.
الواقع متعدد الأقطاب وتراجُع النفوذ الغربي
يتشكل النظام الإقليمي الآخذ بالنشوء من خلال توازنِ قوى متقلّب بين روسيا وتركيا وإيران، ليحلّ محلّ الإطار السابق الذي كانت تهيمن عليه روسيا، والذي تبلور في سياق منافستها مع الغرب. ولئِن كان تراجُع روسيا مؤقتاً، فمن المرجح أن تستمر بعض الاتجاهات الأعمّ. وأولُّ هذه الاتجاهات تعمُّق الترابط بين جنوب القوقاز والشرق الأوسط، مما يطمس الخط الفاصل بين”الخارج القريب” لروسيا والجنوب العالمي الأوسع. وثانيها التآكل المستمر للنفوذ الغربي على الصعيدين القِيَميّ والجيوسياسي، مما يخلق مساحة للقوى الصاعدة – وخاصة الصين – لتوسيع وجودها. ومع تبنّي الفاعلين الإقليميين لنهج تعدُّد المحاور، ووسط تراجُع الديمقراطية، تزداد جاذبية اللاعبين غير الغربيين. ووسط هذا المشهد المتغير، يجب على الشركاء عبر الأطلسي أن يضعوا على وجه السرعة إستراتيجية إقليمية متماسكة، توضّح مصالحهم وكيفية تحقيقها. إذ ليست هنالك إستراتيجية كهذه حتى الآن.
هذا المقال جزء من سلسلة مقالات لنقاش السياسات في إطار مشروع “العلاقات التركية-الإيرانية الآخذة في التطور وانعكاساتها على إعادة ترتيب المنطقة” التابع لشبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS).
يتلقّى مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS) في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، تمويلاً من مؤسسة ميركاتور ووزارة الخارجية الاتحادية في ألمانيا. ويشرف مركز دراسات تركيا التطبيقية على شبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية، وهي شبكة دولية من مراكز الأبحاث والمؤسسات البحثية العاملة في الشأن التركي.




