أضرَّ التشرذم السياسي وعدم الاستقرار بقدرة ليبيا على إدارة مواردها الطبيعية والتخفيف من الآثار المتزايدة لتغيّر المناخ. في عام 2019، صنّف معهد الموارد العالمية ليبيا ضمن أكثر 25 دولة تعاني من نقص المياه في العالم، وهي تواجه تحديات بيئية متزايدة – من التصحر وارتفاع درجات الحرارة إلى الظواهر الجوية المتطرفة المتكررة، مثل عاصفة دانيال في عام 2023.
إن الفشل المستمر للحكومة المركزية في التصدي لمخاطر تغيّر المناخ يُعرّض حياة الناس للخطر ويهدّد بتفاقم الوضع الاقتصادي الهش أصلاً في البلاد. وبدون تحوُّلٍ في النهج، ستتأخر ليبيا أكثر في الاستجابة العالمية لتغيّر المناخ. ويوفّر تمكين الحكم المحليّ ومنظمات المجتمع المدنيّ والقطاع الخاص المسارَ الأكثر قابلية للتطبيق في سبيل المضيّ قدماً. وإذا ما نُفّذ هذا النهج على النحو الصحيح، فإنه قد يفتح الباب أمام الوصول إلى البرامج طويلة الأجل والتمويل المناخي اللازم لجعل التحول المناخي ممكناً.
المشاريع الضخمة والإهمال
يعود سوء الإدارة البيئية في ليبيا إلى عهد نظام القذافي، عندما كان هناك اعتماد على المشاريع الضخمة مثل النهر الصناعي العظيم ومشروع الكفرة الزراعي لمواجهة التحديات المناخية. واستمر سوء الإدارة والإهمال بعد عام 2011. وانصبَّ التركيز السياسي بعد الثورة على قيادة ليبيا نحو الانتخابات وحكومة موحدة؛ وفي الوقت نفسه، لم تحظ التحديات البيئية باهتمام يذكر.
وقد أعاق التشرذم السياسي ونقص التمويل ومحدودية الموارد تطوير سياسات ومبادرات التكيف مع تغيّر المناخ والتخفيف من آثاره. ونتيجة لذلك، لم تتمكن ليبيا من تقديم استجابة مركزية وناجعة لتغيّر المناخ، حتى مع اشتداد آثاره.
إدارة الأزمات وغياب التخطيط المناخي
في السياق العالمي لحوكمة المناخ، ما تزال ليبيا تواجه تحدّياً معقّداً، إذ تتشكل السياسات المناخية من خلال نهج إدارة الأزمات القائم على ردّ الفعل. ونتيجة للحكومات المتعاقبة والنزاع المسلح والحوكمة المجزّأة، ظلت التحديات البيئية غائبةً عن اهتمام صانعي السياسات، وتخلّفت ليبيا تدريجياً عن ركب التحول العالمي في مجال الطاقة والعمل المناخي. ويتجلّى ذلك في غياب ليبيا المتزايد عن المنتديات والمفاوضات الإقليمية والدولية المتعلقة بتغير المناخ أو مشاركتها المحدودة للغاية في هذه المنتديات والمفاوضات.
على الصعيد الوطني، لم تشهد المشاريع البيئية تطوّراً يُذكر من حيث تحقيق نتائج ملموسة على المدى الطويل. فقد تعاملت الحكومات المتعاقبة مع تخصيص الموارد المالية من منظور البقاء السياسي وليس كجانب من جوانب التخطيط الاستراتيجي. وجرى تجاهُل الإنفاق المتعلق بالمناخ. وفي عام 2023، خُصِّص مبلغ 4.34 مليار دينار (968.7 مليون دولار أميركي) و5.271 مليار دينار (1.17 مليار دولار) على التوالي لوزارة الدفاع والهيئات التابعة لها ووزارة الداخلية، في حين لم تحصل وزارة البيئة ووزارة المياه سوى على 693.89 مليون (154 مليون دولار) و64.97 مليون (14.5 مليون دولار) على التوالي.
وهذا التفاوت مُلفت للنظر بشكل خاص في ضوء كوارث مثل عاصفة دانيال، التي دمّرت درنة والمناطق المحيطة بها وأسفرت عن خسائر بشرية وخسائر جسيمة في البنية التحتية. وقد عكس حجم تأثير العاصفة عوامل مناخية وأخرى بشرية المنشأ – لا سيّما عدم وجود استراتيجية مناخية وطنية واضحة – وأظهر أنه بدون نظام لمعالجة المخاطر المناخية ومراقبتها، فإن المواطنين هم من يتكبّد العبء الأكبر من الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الأحداث المناخية.
ويزيد الافتقار الواضح للتنسيق بين السلطات المحلية من تفاقم المشكلة، إذ تأتي الاستجابات معزولة ومجزّأة. وعلى سبيل المثال، هناك العديد من السلطات المعنيّة بالمياه، مثل شركة المياه العامة، وشركة تحلية المياه العامة في ليبيا، وهيئة مشروع النهر الصناعي العظيم، من بين جهاتٍ أخرى. ولكن التواصل بينها ضعيف والتعاون غير موجود، مما يجعل الجهود المبذولة لمعالجة تحديات المياه غير فعالة.
ويعيق غيابُ التنسيق على المستوى المحلي تقاسم الموارد وأفضل الممارسات لمواجهة التحديات المترابطة، ويقلل من فرص التعاون مع المنظمات الإقليمية أو الدولية. ومع ذلك، وفي ظل الظروف الحالية، يمثّل العمل على المستوى المحلي النهج الأكثر واقعية وقدرةً على الصمود لتحقيق تقدُّم ملموس في العمل المُناخي.
سدُّ الفجوة: دور الجهات الفاعلة المحلية
تتمتع المجتمعات المحلية بفهمٍ عميق لتأثير تغيّر المُناخ على بيئتها المباشرة. ومن خلال بناء القدرات، يمكنها تطوير حلول ملائمة محلياً، مثل مبادرات التشجير باستخدام بذورٍ ملائمة محلياً، وإنشاء مساحة موثوقة تُشجّع الأطراف المعنية الأخرى على المشاركة.
علاوةً على ذلك، يمكن لليبيا الاستفادة من القنوات غير الحكومية للوصول إلى آليات التمويل الدولية المتعلقة بالمناخ، بما في ذلك صندوق المناخ الأخضر وصندوق الخسائر والأضرار. وفي حالة إعصار دانيال، ركزت المساعدة الدولية على الإغاثة الإنسانية، متجاهلةً الأسباب الجذرية للكارثة.
كذلك تتمتع المؤسسات الأكاديمية في ليبيا بإمكانات غير مستغَّلة. إذ تمتلك الجامعات والكيانات التقنية معارف ومهارات تقنية مهمة يمكنها بالتعاون مع البلديات ومنظمات المجتمع المدني أن تُيسّر التنفيذ الفعال وفي الوقت المناسب للحلول التقنية.
ويمكن للقطاع الخاص أيضاً أن يلعب دوراً حيوياً من خلال توفير الدعم المالي واللوجستي، بما في ذلك توفير المعدات لمبادرات التشجير، مثل أصدقاء الجبال، أو مشاريع إدارة النفايات، أو حلول المياه اللامركزية. ومن خلال إظهار المسؤولية الاجتماعية، يمكن للقطاع الخاص أن يكسب المزيد من ثقة الجمهور، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي بدوره إلى تفضيلٍ أكبر للحلول الخاصة.
كيفيّة البدء: الاستجابة الفعّالة هي استجابة عادلة
إنّ من شأن تعزيز دور منظمات المجتمع المدني والبلديات في التكيف مع المناخ أن يحسّن الوعي بالمناخ ويضمن أن تكون الحلول المناخية قائمة على المجتمع المحلي ومستدامة. ومن شأن تحسين القدرات التقنية لمنظمات المجتمع المدني المحلية والبلديات من خلال التدريب الذي تيسره الجهات الفاعلة المحلية والدولية على حد سواء أن يمكّن المحليات من تصميم وتنفيذ حلول مستدامة للتحديات البيئية المُلحّة، مثل ندرة المياه والتصحر.
ويمكن للسلطات المركزية في ليبيا أيضًا الاستفادة من الكفاءات الموجودة لتحسين التواصل مع الصناديق الدولية المعنية بالمناخ ووكالات التمويل، بما في ذلك البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، والوصول إليها. وقد يشمل ذلك فتح مكتب مخصص لتمويل المناخ داخل وزارة البيئة يتولى إدارة التعامل مع الصناديق الدولية ويضمن دعم الصناديق الوطنية للحلول المحلية المخصصة لمواجهة الحرارة الشديدة والتصحر والفيضانات.
لذا من الضروري فتح قنوات لتمويل المناخ بهدف الوصول إلى المنظمات غير الحكومية المحلية من خلال التنسيق مع وزارتَي التخطيط والبيئة، أو من خلال التنسيق مع جهات فاعلة خارجية. ومن خلال ذلك، يمكن لليبيا الحصول على تمويل للتكيف مع تغير المناخ والخسائر والأضرار لمعالجة قضايا حاسمة مثل ندرة المياه والتأهب للكوارث. وعلاوة على ذلك، ستستفيد منظمات المجتمع المدني المحلية من التدريب المكثف على إعداد مقترحات تمويل المُناخ التي تُلبّي المتطلبات الصارمة لصناديق المناخ الدولية.
وبالتوازي مع ذلك، يمكن للمنظمات البيئية المحلية والناشطين البيئيين إنشاء لجنة لتنظيم عمل مشترك بشأن تشكيل اتحادٍ مستقلّ. ومن شأن ذلك أن يعضد دور المنظمات البيئية المحلية ليس فقط على أرض الواقع، بل على المستوى السياسي أيضاً. ويمكن لهذه المنصة، التي يقودها متطوعون في البداية، أن تكتسب زخماً بمرور الوقت لتأمين الدعم الدولي – مما يمنح الاتحاد نفوذاً ملموساً مستقلاً عن الهيئات الحكومية الهشة.
تتطلب التحديات البيئية في ليبيا حلولاً تنشأ داخل المجتمع المحلي من أجل ضمان عدالة بيئية مُجدية. وإنّ تمكين الجهات الفاعلة المحلية مثل منظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والبلديات من أخذ زمام المبادرة هو مفتاح بناء استجابةٍ مُناخية أكثر استدامة وعدالة على المستوى المحلي.




