انتشرت الاحتجاجات التي قادها الشباب في المغرب في عدة مدن، ونُظّمت عبر منصات مثل تيك توك وديسكورد. وقد تطورت الاحتجاجات التي بدأت بحالة من الغضب إزاء تقارير تفيد بوفاة ثماني نساء أثناء الولادة في مستشفى عام في أغادير، إلى حركة أوسع نطاقاً تطالب بتحسين الرعاية الصحية والتعليم والوظائف. وقد اختصر أحد الهتافات المزاج العام بقوله: “الملاعب موجودة، لكن أين المستشفيات؟” وذلك في انتقاد للإنفاق الحكومي على البنية التحتية لكأس العالم، بينما تظل الخدمات الأساسية تعاني من نقص التمويل. وبالنسبة إلى المغرب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام، تسلط الاحتجاجات الضوء على محدودية نموذج الحوكمة الذي يقايض القيود على المشاركة السياسية بالاستقرار والتنمية الانتقائية.
نموذج المغرب: بين الوعود والضغوطات
لسنوات طويلة، حافظ المغرب على توازن دقيق بين التنمية والسيطرة السياسية. وقد استثمرت الدولة في البنية التحتية وبرامج الحماية الاجتماعية ومشاريع الطاقة المتجددة، مما ساعد في الإبقاء على شعور بالتقدم والاستقرار. ويسجّل البنك الدولي “تقدماً ملحوظاً في البنية التحتية والحد من الفقر”، ولكنه يشير أيضاً إلى “تحديات متواصلة في خلق فرص العمل، وعدم المساواة، وجودة الخدمات العامة”. غير أنَّ هذه الإنجازات لم تقترن بانفتاح سياسي. كذلك تُواصِل منظمة فريدوم هاوس تصنيف المغرب على أنه “حُر جزئياً”، مشيرة إلى القيود المفروضة على المساحة المدنية وحرية التعبير والمشاركة السياسية.
إنَّ العقد الاجتماعي في المغرب – وفي معظم أنحاء المنطقة – غير رسمي؛ حيث يقبل المواطنون بمشاركة سياسية ومدنية محدودة مقابل الاستقرار والتنمية التدريجية. وقد اختُبر هذا العقد خلال الانتفاضات العربية في عامي 2011 و2019، عندما اجتاحت مطالب الإصلاح والمساءلة المنطقة. وقد نجحت الدولة المغربية في تجاوز تلك الظروف من خلال استثمارات واضحة وانفتاح مدروس، وحافظت على نموذج ظل لسنوات مثالاً إقليمياً للاستقرار الموجَّه. لكن مع ارتفاع سقف التوقعات وتباطؤ الإنجازات، إذ أعطت الدولة الأولوية لاستثمارات استعراضية، مثل الملاعب، في ظلّ تفاقم عدم المساواة، أصبح هذا الترتيب موضع اختبار مرة أخرى. ويشكك المواطنون في التزام الدولة بجانبها من الاتفاق. ولا تعكس الاحتجاجات الحاليةُ الغضبَ من مسألة المستشفيات والملاعب فحسب، بل تشير أيضاً إلى تآكلٍ أوسع نطاقاً للثقة في كيفية استجابة الدولة للاحتياجات الاجتماعية. والعبرة جليّة هنا، وهي أنّ العقد الاجتماعي يُعدُّ عملية تفاوض مستمرة؛ فعندما تضعف القدرة على تحقيق النتائج المرجوة، تعاود الإحباطات الظهور.
تطوّر أشكال الاحتجاج
تندرج الأحداث الجارية في المغرب في إطار نمط إقليمي أوسع. فمنذ الانتفاضات العربية في عام 2011، ومرَّة أخرى في عام 2019، تطوّرت السياسة الاحتجاجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأصبح من الصعب مواصلة الاحتجاجات الواسعة النطاق في ظلّ انحسار المساحة المدنية وتشديد الرقابة الحكومية، لكن الفاعلين المدنيين والاجتماعيين تأقلموا مع الوضع. ومع تضاؤل قنوات المشاركة الرسمية، يتجه المواطنون إلى مجالات جديدة للمشاركة، مثل حماية البيئة والحقوق الرقمية والخدمات المجتمعية. فهذه الأشكال من المقاومة الأقل تنازعاً، تُبقي النشطاء منخرطين في العمل رغم القمع ومحدودية الموارد.
وقد برزت الأنشطة البيئية وحقوق الأراضي باعتبارها من السبل القليلة المتبقية لمساءلة السلطات في العراق واليمن. ففي العراق، تحشد الجماعات المحلية في البصرة وذي قار حول قضايا تلوُّث الأنهار وتقلُّص الأراضي الزراعية وتَملُّح شط العرب، وهي تُصوّر الأضرار البيئية على أنها مسائل سياسية وقضائية وليست مجرد مسائل فنية. ويربط النشطاء بين ندرة المياه والتلوُّث والفساد وسوء الإدارة والتوزيع غير العادل للموارد، مما يجعل من التدهور البيئي سبباً لانتقاد أسلوب الحوكمة. وفي اليمن، حيث أدى الصراع إلى تآكل مؤسسات الدولة، تعمل المجموعات الشبابية والتعاونيات المجتمعية على زيادة الوعي البيئي وإدارة إمدادات المياه الشحيحة وتوثيق عمليات الاستيلاء على الأراضي من قبل الأطراف الفاعلة المسلحة.
أمّا في لبنان، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والجمود السياسي إلى تآكل ثقة الجمهور، فيستخدم المجتمع المدني التكنولوجيا كأداة للمساءلة والبقاء. وتقود منظمات مثل سمكس ومؤسسة مهارات، مبادرات تتعلق بالحقوق الرقمية ومهارات الإعلام، وتُدرّب المواطنين على تحديد المعلومات المضللة وحماية خصوصيتهم على الإنترنت. ولا يزال الفضاء الإلكتروني في لبنان “حرّاً جزئياً” فقط، ولكنه ما يزال يوفر أحد المجالات القليلة التي يمكن للمواطنين فيها إثارة التساؤلات حول السلطة وإعادة بناء الثقة المدنية من خلال المشاركة الرقمية.
وبعد الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2019، أنشأت الحكومة الجزائرية مؤسسات وبرامج اقتصادية جديدة لإدماج الشباب. إلا أن التقدم كان بطيئاً، ولا تزال هناك مشاعر بالإحباط بسبب محدودية الانفتاح السياسي. ويقوم العديد من الشباب الجزائريين الآن بتوجيه طاقاتهم نحو ريادة الأعمال والتكنولوجيا ومبادرات التنمية المحلية، مستخدمين هذه المساحات للدفع نحو المساءلة والمشاركة. وعلى سبيل المثال، ناقش الشباب الجزائري على منصات التواصل الاجتماعي الدعوة إلى المساءلة وأطلقوا مشاريع ريادية للمشاركة في الاقتصاد. وطالبوا الحكومة بزيادة الاستثمار في البرامج المحدودة التي استُحدثت بعد عام 2019.
وفي السودان، حيث انهارت المؤسسات الحكومية تحت وطأة الحرب، أصبحت لجان المقاومة المحلية العمود الفقري لبقاء المجتمع. وقد تشكلت هذه الشبكات خلال انتفاضة عام 2019، وهي تنظم الآن توزيع المواد الغذائية والمساعدات الطبية وحماية الأحياء في مدن مثل الخرطوم وبورتسودان. وقد تطوَّر العديد منها إلى هياكل حوكمة غير رسمية، تنسق مع الجهات الفاعلة في المجال الإنساني وتوثق الانتهاكات. وعلى رغم القمع الموجه والصراع المستمر، توفر هذه الجهات الفاعلة الشعبية خدمات أساسية وتحافظ على الحياة المدنية في غياب الدولة.
قبل الاحتجاجات الأخيرة، كان المجتمع المدني المغربي نشطاً بشكل رئيسي في الأنشطة الثقافية والتنمية المحلية والتعليم وبناء القدرات. وكان النشاط السياسي مسموحاً به طالما تجنّب النقد السياسي المباشر. ولكن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتوجيه الأموال العامة نحو مشاريع استعراضيّة مثل كأس العالم 2030، بدأ العديد من الفاعلين المدنيين بالتشكيك في أولويات الدولة. وقد ساعد هذا الإحباط – خاصة بين الشباب – على تحويل المشاركة المدنية الهادئة إلى تعبئة أوسع نطاقاً.
سياسة الاستعراض؛ لحظة تأمل إقليمية
وعدت الحكومة المغربية بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم في ميزانية 2026، وذلك في خطوة تشير إلى أنها تدرك عمق الإحباط العام. ولكن ما تزال هناك تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الوعود ستترجم إلى تحسينات حقيقية، لا سيما في المناطق الريفية والمهمشة، حيث بلغت معدلات البطالة في المناطق الريفية نحو 6.8٪، مقارنة بـ 16.9٪ في المناطق الحضرية في عام 2024. ويقود جيل “زد” هذه الاحتجاجات، إذ أن جميع المتظاهرين أصغر من أن يتذكروا احتجاجات عام 2011، لكنهم يشتركون في مظالم مماثلة من قبيل التهميش الاقتصادي والشعور بالإهمال ومحدودية الفضاء المتاح للتعبير عن مطالبهم. ويمكن للحكومة أن ترد بتشديد الرقابة، أو يمكنها أن تستغل هذه اللحظة لإعادة بناء الثقة من خلال الإدماج والشفافية.
إنّ عودة الاحتجاج في المغرب تُمثل لحظة حاسمة للنموذج السياسي في البلاد، فهي تسلط الضوء على التوتر المتزايد بين التوقعات الاجتماعية المتزايدة وحدود الاستقرار المبني على تقييد حرية التعبير. ويلوح السؤال نفسه في جميع أنحاء المنطقة: إلى أيّ مدى يمكن للحكومات أن تمارس الرقابة من دون الإنصات، وإلى أي مدى يمكن للمجتمعات أن تتحمل المضيّ بدون مشاركة حقيقية؟ وإن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل العلاقات بين الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل. وتُظهر تجربة المغرب أن أشكال التقدم الاستعراضيّة والانتقائية لا يمكن أن تحل محل التنمية العادلة، وأن الرقابة، مهما كانت مدروسة، لا يمكن أن تُغني عن الحكم التشاركي.




