الخصومةُ من الداخل: كيف تتنافس إيران وتركيا داخل المشهد السياسيّ العراقيّ المفتّت

أصبح العراق منذ عام 2003 ساحة معركة بين النفوذ الإيراني والتركي. وتتفادى هاتان القوتان الإقليميتان المواجهة المباشرة، وتسعيان بدلاً من ذلك إلى خوض منافسة إستراتيجية عبر وكلاء محليين، بينما تتعاونان بشكل انتقائي في المجالات التي تهمهما، مثل معارضة استقلال كردستان.

ولئن أعادت الاضطرابات الجيوسياسية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط الكبير – ولا سيما سقوط نظام الأسد – تشكيل التحالفات الإقليمية وتصورات القوة، إلا أن الطبيعة غير المباشرة للصراع بين إيران وتركيا في العراق بقيت على حالها. وقد أدت هذه التغيرات إلى تفاقم المخاوف الاستراتيجية في طهران من توسّع نفوذ تركيا الإقليمي واحتمال تعميق انخراطها في العراق. ورغم أن هذا الاحتمال لم يتحقق بعد، إلا أنه يشكل مصدر قلق متزايد لكلٍّ من صانعي السياسة الإيرانيين وحلفائهم في العراق.

ما يزال العراق الساحةَ الأكثر أهمية لإيران لتأكيد نفوذها الإقليمي وتعزيز مصالحها الاقتصادية، مدعومة بعلاقاتها الواسعة والمتعددة الأطراف، لا سيّما مع الفصائل الشيعية. وعلى النقيض من ذلك، وسَّعت تركيا وجودها من خلال علاقات تجارية متنامية وحضورٍ عسكري متزايد، وخاصّة في شمال العراق.

وثمة عدّة عوامل سياقية تدعم هذا الوضع: الوجود الأميركي الذي يثبِّط التصعيد، وكذلك الأطراف الفاعلة العراقية التي تتحاشى التورّط بشكل أعمق في الصراعات الإقليمية، على الرغم من تأثّرها بكلّ من إيران وتركيا. وفي ظلّ هذه الظروف، تظلّ إيران وتركيا متجذرتين في المشهد السياسي والعرقي المتشرذم في العراق، حيث تعملان على توطيد حلفائهما المحليين والمناورة في الصراعات الداخلية على السلطة. وعلى رغم أن كلا البلدين يدعم بشكل عام وحدة أراضي العراق، إلا أنهما منخرطان في تنافس متزايد على المستوى ما دون الدولة، إذ يعملان على توسيع نفوذهما من خلال الشبكات السياسية والاقتصادية والأمنية المحلية. ولا يؤدي هذا التنافس غير المباشر إلى تعميق الانقسامات الداخلية في العراق فحسب، بل يحدّ أيضاً من قدرته على العمل كدولة متماسكة.

واستشرافاً للمستقبل، سيكون التحدي الرئيسي للعراق هو ما إذا كان في وسعِ بغداد وأربيل تعزيز تعاونهما للحد من الاعتماد على أنقرة وطهران، وتحويل العراق من ساحة معركة إلى جسر بين القوى الإقليمية. وسيكون لمسار هذا التنافس – وكيفية تعامل العراق معه – آثار مهمة على الاستقرار الإقليمي وآفاق العراق في تحقيق سيادة أكبر في منطقة الشرق الأوسط الساخنة.

التنافس والشراكة من خلال المشهد السياسي الكرديّ داخلياً

أدى التنافس القديم العهد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى خلق فرص طبيعية لتركيا وإيران لممارسة نفوذهما في إقليم كردستان العراق. وقد استغلت إيران علاقاتها الوثيقة مع الاتحاد الوطني الكردستاني للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في إقليم كردستان العراق، مما أوجد حالةً من التوازن في وجه النفوذ التركي وربَط الاتحاد الوطني الكردستاني بالفصائل الشيعية المدعومة من إيران في بغداد – مثل عصائب أهل الحق. كما دعمت طهران علاقة الاتحاد الوطني الكردستاني البراغماتية مع حزب العمال الكردستاني في كل من العراق وسوريا، معتبرة إياها وسيلة مفيدة لموازنة النفوذ التركي والضغط على الفاعلين المتحالفين مع أنقرة. وتتيح هذه العلاقات لإيران تعزيز أفضليَّتها البنيويّة في المنظومة السياسية العراقية، لا سيّما خلال عمليات تشكيل الحكومة على المستويين الإقليمي والوطني. وقد عزّزت الجماعات الموالية لإيران وجودها في الأراضي المتنازع عليها منذ عام 2017، مما زاد من اعتماد إقليم كردستان على إيران ومن نفوذ طهران على السياسة الكردية من الداخل.

وعلى النقيض من ذلك، أقامت تركيا شراكة وثيقة وحصرية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، معتبرة إياه شريكاً رئيسياً في تعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية المتداخلة. وتُواصل الرحلات الجوية التجارية التركية إلى مطار أربيل، الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي الكردستاني، بينما تظلّ الرحلات إلى السليمانية – الواقعة في نطاق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني – معلّقة، إذ تتهم أنقرة الاتحاد الوطني الكردستاني بصِلاته بحزب العمال الكردستاني.

اكتسب الحزب الديمقراطي الكردستاني على مدى العقد الماضي اليدَ العليا في إقليم كردستان العراق، وهو تحوّل مفيد لتركيا، لكنه عمّق الانقسامات الداخلية بين الأكراد – وهو ما تستغله كلّ من أنقرة وطهران. ومن جهتها ردّت إيران بتكثيف دعمها للاتحاد الوطني الكردستاني والأطراف الفاعلة الأخرى التي تعمل على موازنة النفوذ، لا سيما بعد الانتخابات العراقية في عام 2021، عندما انضم الاتحاد الوطني الكردستاني إلى الفصائل الموالية لإيران في معارضة تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني والصدريين وتقدُّم. كما رسمت طهران خطوطها الحمراء من خلال الضربات الصاروخية التي شنّتها على أربيل منذ عام 2020، مؤكدة المخاطر التي يواجهها الحزب الديمقراطي الكردستاني إذا انجرف أكثر نحو تركيا والغرب.

بالنسبة إلى تركيا، فإن الحسابات لا تقلّ تعقيداً، ففي أعقاب استفتاء استقلال كردستان في عام 2017 – الذي أجرته أربيل خلافاً لنصيحة أنقرة – أعادت تركيا ضبط نهجها من خلال تعزيز التعاون تدريجياً مع بغداد، حتى مع الحفاظ على علاقة وثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني. ويبقى هدف تركيا متمثّلاً في الحفاظ على استقرار إقليم كردستان الذي يهيمن عليه الحزب الديمقراطي الكردستاني، لأن أيّ تحوّل نحو القوى السياسية المدعومة من إيران من شأنه أن يغيّر التوازن المحلّي لصالح طهران.

وعلى رغم دعمهما لفصائل كردية متنافسة، وجدت إيران وتركيا أرضية مشتركة في معارضة استفتاء الاستقلال عام 2017 – وهي لحظة تعاون تُسلّط الضوء على الطبيعة الظرفية لشراكتهما. وقد عاد هذا التقارب البراغماتي إلى الظهور في دعم بغداد وأنقرة مؤخراً لتجاوز إقليم كردستان في مشروع طريق التنمية، الذي يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا. إذ يمرّ المسار الأولي للمشروع بمحاذاة إقليم كردستان، مما يهمّش المصالح الإستراتيجية والاقتصادية لأربيل. وردّاً على ذلك، اقترحت حكومة إقليم كردستان مساراً بديلاً لدمج إقليم كردستان في الممر، لكن لم يُحرز أيّ تقدم نحو اعتماد هذه الرؤية.

من جانبها، أبدت تركيا اهتمامها بتسريع تنفيذ مشروع طريق التنمية، باعتباره ممرّاً إستراتيجياً للتجارة والنفوذ الإقليمي. وما يزال موقف إيران غامضاً، لكنّ بعض الجماعات الحليفة في العراق أعربت عن عدم رضاها على أساس أن المشروع سيعزز النفوذ التركي في البلاد. ويمتد هذا النمط من التنافس غير المباشر إلى ما هو أبعد من المناطق الكردية إلى قلب العراق ذي الأغلبية الشيعية، حيث خلقت الخصومات داخل البيت الشيعيّ ساحة رئيسية أخرى للهيمنة الإيرانية – وبشكل متزايد، للطموحات التركية.

إيران وتركيا في المشهد السياسيّ الشيعيّ داخليّاً

في السنوات الأخيرة، اتسمت السياسة الشيعية الداخلية في العراق بخلافات بينيّةٍ عميقة. ولم تعد الانقسامات الطائفية والعرقية التقليدية، مثل الشيعية مقابل السنية أو العربية مقابل الكردية، تعكس بالكامل الديناميات السياسية في البلاد. ويُعدّ نفوذ طهران هنا محورياً لإستراتيجيتها الإقليمية التي ترتكز على علاقات طويلة الأمد مع المؤسسة السياسية الشيعية في العراق. ورغم أن علاقات إيران غالباً ما يُنظر إليها من منظور طائفي، إلا أنها تتجاوز التقارب الديني لتشمل مصالح استراتيجية واقتصادية أوسع نطاقاً. وقد اكتسبت هذه العلاقات المتعددة الأوجه طابعاً مؤسسياً بعد الغزو الأميركي عام 2003، وتوسّعت خلال الحرب ضد تنظيم ”داعش“، عندما سيطرت الجماعات المدعومة من إيران على مناطق إستراتيجية في شمال العراق وغربه. وأدّى ذلك إلى تشديد قبضة طهران على الديناميات السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية، لا سيما في أماكن مثل كركوك والموصل.

وقد وضعت إيران نفسها في موقع الوسيط الرئيسي بين الفصائل الشيعية المتنافسة، إذ صاغت عمليات تشكيل الحكومة وحافظت على نفوذها من خلال شبكة من الجماعات المتحالفة – التي أصبح العديد منها الآن محورياً في الإطار التنسيقيّ الشيعيّ الحالي. ويضمن هذا النظام حماية الأولويات الإستراتيجية لطهران حتى في ظلّ التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة.

في المقابل، تظلّ قدرة تركيا على اختراق المؤسسات ذات الأغلبية الشيعية محدودة. ونظراً لافتقارها إلى القرب العقائدي الذي تستفيد منه إيران، تعتمد أنقرة على الدبلوماسية الاقتصادية والتعاون الثنائي مع بغداد – مع التركيز على التجارة وإدارة المياه والتعاون في مكافحة حزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، لا تزال حالة انعدام الثقة الراسخة الناجمة عن الدعم التاريخي لتركيا للفصائل السنية تقيّد نفوذها.

إن التوسّع في الحضور الأمني لتركيا يزيد من تنافسها غير المباشر مع الجماعات الموالية لإيران في المناطق الحساسة إستراتيجياً. وتنشط هذه الميليشيات المدعومة من إيران الآن في كركوك والموصل وتلعفر وسنجار، وهي مناطق تتزايد فيها المصالح الأمنية التركية. وتعمل هذه الميليشيات على الضغط على القوات الأميركية خلال فترات التوتر المتصاعد، وموازنة الوجود العسكري التركي المتوسّع في شمال العراق. ومن خلال الحفاظ على علاقات قوية مع الجماعات المسلحة النشطة على هذه الجبهات، توسّع إيران نفوذها إلى ما هو أبعد من معاقل الشيعة التقليدية، مما يعقّد حسابات أنقرة الإقليمية.

ومع ذلك، لم تعد هيمنة إيران داخل البيت السياسيّ الشيعيّ مطلقة، إذ تشير حركات الاحتجاج في 2019-2020 ومحاولة مقتدى الصدر في 2021 تشكيل حكومة أغلبية – إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب تقدُّم – إلى ظهور مقاومة للنفوذ الإيراني داخل المجتمع الشيعي.

وردّاً على ذلك، ضاعفت إيران جهودها لتعزيز نفوذها من خلال دعم تشكيل حكومة 2022 التي غلبت على تركيبتها فصائل موالية لها، وسعت طهران إلى توجيه عائدات النفط العراقية عبر جهات فاعلة حليفة لتعزيز نفوذها وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية. وفي الوقت نفسه، استغلت طهران الانقسامات بين الأحزاب الكردية والسنية لمنع ظهور معارضة موحدة.

ورغم التنافس في المنطقة، تدرك كلّ من إيران وتركيا أن مصالحهما الاقتصادية في العراق تتطلب الحفاظ على قدر من الاستقرار. فالعراق هو ثالث أكبر سوق تصدير لتركيا وثاني أكبر وجهة تصدير غير نفطية لإيران. وقد أعربت الحكومتان علناً عن عزمهما على توسيع التجارة بينهما. وتساعد هذه العلاقات الاقتصادية على تفسير سبب سعي القوتين إلى اتّباع مسار مزدوج من التعاون والتنافس، مع ضبط النفس، والتعاون التكتيكي عندما تتوافق مصالحهما.

الآثار على الديناميات الإقليمية ومستقبل العراق

بينما أدّى تغيير النظام في سوريا إلى تعطيل الأنماط التقليدية في العلاقات التركية-الإيرانية، ما يزال العراق الساحة الرئيسية لخصومتهما غير المباشرة. وقد شجّع نفوذ تركيا المتنامي في سوريا الفصائل العراقية – ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني والعديد من الجماعات العربية السنية – التي يزداد إحباطها من إيران. وقد أتاح هذا التحول فرصاً جديدة لأنقرة لتوسيع نفوذها.

إلّا أنّ التحالفات القديمة ما تزال قائمة في إقليم كردستان العراق: إذ ينجذب الحزب الديمقراطي الكردستاني نحو أنقرة، بينما يظل الاتحاد الوطني الكردستاني متحالفاً مع طهران. وعلى الرغم من أن هذه التنافسات الداخلية ستستمر في تحديد شكل السياسة الكردية، فإن الضغوط الاقتصادية المتزايدة قد تحفز الطرفين على تعميق التنسيق مع بغداد سعياً للحصول على الموارد الاتحادية.

وعلى عكس سوريا، يتمتع العراق بأهمية إستراتيجية أكبر بالنسبة إلى إيران. فبعد النكسات التي تعرّضت لها في سوريا ولبنان، ترى طهران أن الحفاظ على نفوذها في العراق أمر بالغ الأهمية لأجندتها الإقليمية الأوسع. فالعراق ليس فقط أهم معقل إقليمي لإيران، بل هو مصدر حيوي للعملة الصعبة وقناة رئيسية لتجارة الوقود. وبالتوازي مع نفوذها السياسي، تحتفظ إيران بقدرة ردع كبيرة من خلال الجماعات المسلحة المتحالفة معها، التي يعمل الكثير منها في مناطق حيوية لمصالح تركيا الأمنية. وتقيّد هذه الجماعات الطموحات التركية مِن دون أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة.

ومن غير المرجّح أن تُسفر الانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق في تشرين الثاني/ نوفمبر عن تشكيل حكومة مختلفة جذرياً، وذلك بالنظر إلى الديناميات والتحالفات الحالية، لكنها قد تؤدي إلى تفاقم الانقسامات الطائفية. ولا تشير الأجواء التي تسبق الانتخابات إلى حدوث تحوّل في التنافس غير المباشر بين إيران وتركيا، ما لم تتصاعد الانقسامات الطائفية إلى أعمال عنف – على غرار ما حدث خلال عملية تشكيل الحكومة في 2021-2022 – مما يدعو إلى تدخّل إقليمي أعمق.

وعلى نطاق أوسع، من المستبعَد أن يتسبب التنافس غير المباشر في العراق بحدوث تحوّل كبير في العلاقات بين تركيا وإيران. فالعراق مسرح أكثر احتواءً من سوريا حيث تتصاعد التوترات في كثير من الأحيان. ومع ذلك، لا تزال الاضطرابات الخارجية – لا سيّما في سوريا – قادرة على تكثيف التنافس داخل العراق من خلال تأجيج المنافسة عبر الجماعات المتحالفة. ومن المفارقات أن الاستقرار النسبي لهذا التنافس في العراق، الذي تعززه مصالح اقتصادية كبيرة، قد يؤدي إلى استقرار العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران عموماً.

أما بالنسبة إلى العراق، فستستمر هيكلية السلطة اللامركزية والمجزّأة. وتواجه النخب السياسية العراقية ضغوطاً متزايدة لتحويل دور البلاد من ساحة معركة إلى جسر بين القوى الإقليمية. لكن هذه التطلعات لا تزال مقيّدة بسبب الانقسامات الداخلية. وبالتالي، يظلّ العراق عُرضة للآثار السلبية للصراع بين تركيا وإيران. ولتحقيق سيادةٍ أكبر وقدرة على التصرف، يجب على بغداد وأربيل تعزيز التعاون وتقليل اعتمادهما على أنقرة وطهران. ويمثّل هذا التعاون – الذي من المرجّح أن يحظى بدعم الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين – أفضل فرصة للعراق لتشكيل مستقبله السياسي بدلاً من البقاء خاضعاً لأجندات القوى الإقليمية المتنافسة.

يتلقّى مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS) في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، تمويلاً من مؤسسة ميركاتور ووزارة الخارجية الاتحادية في ألمانيا. ويشرف مركز دراسات تركيا التطبيقية على شبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية، وهي شبكة دولية من مراكز الأبحاث والمؤسسات البحثية العاملة في الشأن التركي.