في خضمّ التوترات في اليمن، كيف يمكن لدول الخليج تفادي انقسامٍ آخر؟

يعيد الخلاف الأخير بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حول اليمن التذكيرَ بوضوحٍ بأنّ لكلّ دولة من الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي سياستها الخارجية ومصالحها الخاصة، على رغم أنها غالباً ما يُنظر إليها ككتلة واحدة.

وتتميّز المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بسياسات أكثر حزماً، في حين تميل البحرين والكويت إلى اتخاذ مواقف أليَن، وتتبنّى قطر وعمان مواقف وسطية. ومنذ اندلاع الثورات العربية، سعت الرياض وأبو ظبي والدوحة على وجه الخصوص إلى لعب دور أكثر مركزية في تحديد ملامح النظام الإقليمي.

وكانت النتائج متباينة. فقد تحققت بعض النجاحات، ومن بينها العودة البطيئة، ولكن المتواصلة، للبنان وسوريا إلى الحضن العربي، وتطبيع العلاقات مع إيران وتركيا، واعتراف عدة دول غربية بارزة بالدولة الفلسطينية في أعقاب حملة دولية لعبت فيها الرياض دوراً رئيسياً.

لكنَّ إسرائيل وإيران شنّتا هجمات على أهداف داخل الخليج في قطر العام الماضي. كما أنًّ غزة في حالة دمار، والصراعات في اليمن والسودان لم تُحلّ، والنظام الإقليمي لا يزال هشّاً. وفي هذا السياق المحفوف بالمخاطر، اندلعت نزاعات متفرقة بين دول الخليج في سعيها إلى ترسيخ مصالحها الخاصة.

ولتحقيق أهدافها الوطنية على نحو فعّال، وترسيخ قيادة الخليج الإقليمية، يتعيّن على دول الخليج تعزيز أساليب إدارة شؤونها. وفي حين أنّ الخلاف بين السعودية والإمارات حول اليمن يمثّل تطوراً مقلقاً، إلا أنه يوفر أيضاً فرصة مثيرة للاهتمام لانتهاج مقاربة جديدة واعدة لتسوية النزاعات.

وتتمحور مقاربة كهذه حول توخّي دول الخليج الشفافية في الإعلان عن مصالحها ووجهات نظرها في ما بينها، ويفضّل أن يكون ذلك من خلال نشر استراتيجياتها الأمنية الوطنية ومأسسة سياساتها الخارجية ونهجها الأعمّ في إدارة شؤون الدولة. ومن شأن ذلك أن يعزّز الجهود الثنائية لتسوية النزاعات بين دول الخليج، التي أثبتت نجاعتها على مرّ التاريخ، مقارنةً بالاعتماد على مجلس التعاون الخليجي وحده.

فوائد الشفافية

ليست الصراعات داخل الخليج بالأمر الجديد. غير أنّ الخلاف بين السعودية والإمارات في شأن اليمن اتّخذ منحى علنياً غير مسبوق. وإلى جانب العمل العسكري في اليمن – حيث تشنّ السعودية غارات جوية في جنوب البلاد – كان هناك أيضاً تبادل للبيانات العلنية المكثفة.

ويدلّ تصعيد النزاع إلى هذه الدرجة على تباينٍ في تقييم التهديدات، وتضاربٍ في التوقعات، وغموض في التواصل بشأن الخطوط الحمراء، بما في ذلك تبِعات تَجاوزها. ويمثّل إصدار البيانات الرسمية التفصيلية في أعقاب ذلك محاولة من كل دولة لتوضيح موقفها وتبرير أفعالها في اليمن. كما تهدف هذه البيانات إلى تسويق أفكارها ووجهات نظرها إلى جمهور أوسع.

ومع ذلك، وبصرف النظر عن بعض التعليقات غير الرسمية المثيرة للجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن البيانات الرسمية والأفعال المرتبطة بها قد جاءت مدروسةً بعناية. ويكشف ذلك عن احترام متبادل وقدرٍ من الواقعية بشأن تقارب المصالح طويلة الأمد بين الرياض وأبو ظبي، مما يثنيهما عن مزيد من التصعيد حتى عندما تكونان على خلافٍ في اليمن ومناطق ساخنة أخرى. ومن الناحية العملية، تمكّن البلدان إلى الآن من فصل الخلاف حول اليمن عن العمل معاً على قضايا أخرى، بما في ذلك إصدار بيان مشترك حول غزة وإجراء تدريبات مشتركة لمجلس التعاون الخليجي في الرياض.

وهذه الشفافية في الإفصاح عن المصالح التي ظهرت في التبادل الأخير للبيانات نادرة في الخلافات البينية الخليجية. وينبغي مأسستها وتوسيع نطاقها. ولتقليل احتمالات نشوب نزاعات في المستقبل، ينبغي لدول الخليج أن تعلن عن وجهات نظرها وخطوطها الحمراء وأن تُعبّر بشكل أوضح عن تصوّراتها المتغيّرة للتهديدات في منطقة سريعة التغيّر.

تحظى الرؤى الوطنية، مثل رؤية 2030 السعودية، بشعبية في الخليج، وتكشف عن عناصر من شواغل كل دولة في ما يتعلق بالأمن القومي. كما أن رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي لعام 2024،  تفعل الشيء نفسه على المستوى الإقليمي. غير أن هذه الوثائق لا تحدد بوضوح نطاق الخطوط الحمراء والتهديدات بنفس الصراحة التي أبدتها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مؤخراً.

كذلك يتعيّن على دول الخليج إصدار استراتيجيات أمنية وطنية وتحديثها بانتظام. فهذا من شأنه أن يتيح لها فهم رؤى بعضها البعض للعالم بشكل أفضل، ويساعد على التخفيف من التكهّنات. كما أنّ إعلان هذه الاستراتيجيات يمكن أن يساهم في رفع جودة النقاش العام ومستواه بين بعض مواطني الخليج وغيرهم في أوقات الخلاف.

الحاجة الماسة إلى المؤسسية

يجدُر بدول الخليج أيضاً أن تسعى إلى مزيد من المؤسسية في طريقة تنفيذ سياساتها.

كان الانتقال من السياسة الشخصية إلى السياسة المؤسسية أحد أبرز التحديات على صعيد الحوكمة في الخليج. ولئن كان التحول الكامل غير وشيك، فإن إضفاء الطابع المؤسسي على صياغة الاستراتيجيات والسياسات يجب أن يكون أولوية. ومن الحَريِّ أن يرافق ذلك ترشيد الإجراءات في جميع المؤسسات الحكومية ذات الصلة. وينبغي أن يبدأ ذلك بإسناد اختصاصات واضحة، ووضع هياكل تنظيمية، وتوصيفات وظيفية، وهياكل تسلسل إداري، وإجراءات تدرُّجٍ، وقواعد مشاركة، وتنسيق حكوميّ داخلي، ومؤشرات أداء.

وفي الوقت الحالي، يعاني العديد من المؤسسات الحكومية في دول الخليج من تضارب ثقافات العمل أو تعددها، ومن غموض السياسات أو تناقضها، ومن استنزاف القوى العاملة.

ومن شأن إنشاء آليات فعالة لتسوية النزاعات، أو على الأقل التوصل إلى ترتيبٍ مرحليٍّ أكثر وضوحاً بين دول الخليج، أن يحرّر الموارد اللازمة لمواجهة التحديات الأخرى. كما أنّ اتّباع نهج شفاف ومؤسسي سوف يعزّز احتمالات تحقيق الطموحات.

مجلس التعاون الخليجي والمقاربات الثنائية

من المشهود لمجلس التعاون الخليجي بتحقيقه إنجازات متنوعة، وإن كانت محدودة، على مدار 45 عاماً من تاريخه. لكنّ حل النزاعات لم يكن من نقاط قوته. فقد تطلّب الأمر تدخّل دول مُفردة مثل الكويت والولايات المتحدة للمساعدة في حلّ أزمة الخليج 2017-2021. وقد يتطلب الأمر وساطة أخرى من هذا القبيل لتسوية الخِلاف الحالي بين السعودية والإمارات، إذا لم تتمكن الدولتان من حلّه مباشرة.

ويتضمن ميثاق مجلس التعاون الخليجي آلية لتسوية النزاعات هي المادة 10 التي لم تُفعَّل بشكل ملموس حتى الآن. لكنّ المادة 9 تنصّ على أن القرارات المتعلقة بـ “المسائل الجوهرية” تتطلب موافقة بالإجماع من الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. وفي هذه الحالة، يبدو أن ذلك غير متاح؛ فقد امتنعت أمانة مجلس التعاون الخليجي عن التعليق على الخِلاف، مع التركيز في الوقت نفسه على قائمة حافلة من “أحداث الأسبوع” الأخرى.

ويبقى أن نرى ما إذا كان مجلس التعاون الخليجي سيصبح أكثر فعالية في حلّ النزاعات من خلال الإصلاح. وحتى الآن، فإن المسار الثنائي هو النهج الأسرع والأكثر براغماتية لحل النزاعات داخل الخليج.

ولدى دول الخليج لجان عليا ثنائية ومجالس تنسيق راسخة، بما في ذلك مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي. وتجتمع هذه المجالس بانتظام لتعزيز مصالح البلدين.

ويجدرُ بالنخب في الدول تعديل اختصاصات هذه المجالس لتشمل منع النزاعات وتخفيف حدّة التوتر. كما ينبغي لها تعيين جهة اتصال موثوقة في كلّ دولة، وتشكيل لجنة فرعية لحل الأزمات من أجل إدارة التوترات. ومن شأن ذلك أن يساعد في تكوين شبكة من الخبراء لمعالجة القضايا المتزايدة وبناء ذاكرة مؤسسية تصمد أمام التحولات القيادية.

فصل جديد في أسلوب إدارة الدول في الخليج؟

يُروّج الخليج لنفسه على أنه في صدارة التنمية والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والسياحة والثقافة والرياضة. وسيكون من الصعب على دول الخليج الحفاظ على خططها الوطنية للتحول، أو تولِّي دور قيادي إقليمي، مِن دون حلّ الخلافات الداخلية أولاً.

ولديها تحديات أكثر إلحاحاً تستنفد طاقتها، مثل إدارة أمنها الخارجي، بما في ذلك التهديدات المحتملة من إسرائيل وإيران، والأزمة المستمرة في اليمن. كما أنّها تواجه مهمة كبح جماح انعدام الأمن المناخي والمائي والغذائي المتأصّل في المنطقة.

إن النزاع الحالي ليس الأول في المنطقة ولن يكون الأخير. لكنّ بعض جوانب تطوّره تشير إلى أنّه قد يكون نعمةً في ثوب نِقمة، ورُبَّ ضارّةٍ نافعة. فهو دعوة لدول الخليج لتعديل مقاربتها واعتماد أدوات شفافة ومؤسسية لإدارة النزاعات.

وإذا ما اعتمدت دول الخليج هذه العناصر، فإنّها قد تفتح فصلاً جديداً في فنّ الحُكم في الخليج وترسّخ مكانة المنطقة لتُحقّق إمكاناتها في نظام عالمي متغيّر.