يلقى تعامل ستارمر مع ترمب وإيران يلقى قبولاً داخلياً في الوقت الراهن، لكنه يبدو أنه يكشف حدود النفوذ البريطاني خارجياً

نجح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في إدارة الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران بصورة جيّدة نسبياً. ووفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة، يعتقد 47 في المئة من الناخبين البريطانيين أنه أساء إدارة التعاطي مع الحرب. لكن غالبية ناخبي حزب العمال والديمقراطيين الليبراليين يعتقدون أنه يبلي بلاءً حسناً. ومع معارضة 59 في المئة من مجموع الناخبين البريطانيين للصراع مع إيران، يبدو أن قرارات ستارمر بمنع الجيش الأميركي من استخدام القواعد البريطانية لشنّ هجماته الأولية قد عبّرت عن الرأي العام الأوسع. كما شعر ستارمر بالرضا لرؤية منافسيه السياسيين المحليين، مثل كيمي بادينوك ونايجل فاراج، يضطرون إلى التراجع سريعاً عن حماسهم الأولي بعد أن رأوا عدم شعبية الحرب.

أمّا على الصعيد الدولي، فكانت الصورة أكثر تبايناً. فقد جاء موقف رئيس الوزراء متوافقاً مع الحلفاء الأوروبيين وغيرهم من الحلفاء الغربيين. لكنه أثار غضب الرئيس الأميركي واستدعى إهانات متكررة منه. وخارج الولايات المتحدة، أدى الصراع إلى توتر العلاقات بين المملكة المتحدة وقبرص، إذ دعا الرئيس القبرصي إلى إجراء “نقاشٍ صريح” في شأن مستقبل القواعد البريطانية في الجزيرة بعد استهدافها بطائرات إيرانية مسيّرة. وأثار الإبطاء في إرسال مدمّرة تابعة للبحرية الملكية، هي المدمّرة دراغون، للمساعدة في حماية قبرص، مزيداً من المخاوف بشأن الموثوقية العسكرية لبريطانيا.

وعلى نحو مماثل، وبينما ساعدت القوات البريطانية في الدفاع عن الحلفاء ضد الهجمات الإيرانية، أعرب بعض المسؤولين في دول الخليج عن إحباطهم من الطابع المحدود لهذه المساعدة. وقد زاد قرار المملكة المتحدة سحب سفينتها الوحيدة المخصصة لإزالة الألغام من البحرين، لإجراء صيانة لها في الأسابيع التي سبقت الحرب، على رغم التعزيزات الأميركية الواضحة، من هذه الانتقادات.

وكلما طال أمد الحرب، ظهر المزيد من التحديات. ولا عجب في أن يعلن الرئيس ترمب، نظراً لتقلّب مزاجه، انتهاء الحرب غداً أو أن يصعّدها بشكل دراماتيكي، من خلال إجراءٍ مثلَ احتلال جزيرة خارك أو مهاجمة البنية التحتية للطاقة في إيران. لكن النظام الإيراني أثبت أيضاً أنّ من الصعب التنبؤ بأفعاله، وأنه قد يوسّع الصراع أو يطيل أمده مهما كانت الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يقرر الحوثيون في اليمن التدخل أيضاً، مما يهدد طرق التجارة في البحر الأحمر.

مشكلتان كبيرتان تواجهان رئيس الوزراء

لا شيء من هذا يصبّ في مصلحة ستارمر، إذ إنّ استمرار الصراع يهدد بتقويض هدفين أساسيين من أهدافه. أولُّهُما هو الانتعاش الاقتصادي. فقد راهن ستارمر ووزيرة الخزانة راشيل ريفز بمستقبلهما السياسي على تحقيق نمو كافٍ لإصلاح المالية العامة وخفض تكاليف المعيشة. وقد تكون الحرب حطمت بالفعل تلك الآمال لعام 2026. إذ لم يخفّض بنك إنجلترا أسعار الفائدة في آذار/مارس، مثلما كان متوقعاً، متذرّعاً بتأثيرات الصراع. وفواتير الطاقة، وتكاليف الرهن العقاري، وأسعار البنزين، وفواتير الغذاء، آخذة في الارتفاع جميعها. ويخشى ستارمر ووزيرة المالية أن تزداد الأمور سوءاً مع استمرار الحرب؛ وهو وضع خارج عن نطاق سيطرتهما ويشكل ضربة قوية لآمالهما الانتخابية.

أمّا ثاني أهداف ستارمر – وأحد إنجازاته القليلة في منصبه حتى الآن – فهو الحفاظ على علاقات وطيدة مع ترمب. وقد بدأت التصدعات تظهر قبل الحرب، حين وقفت لندن إلى جانب الدنمارك في مواجهة التهديدات العلنية للبيت الأبيض بالاستيلاء على غرينلاند.

لكن حرب إيران أدت إلى تدهور العلاقات، وقد سعى ستارمر إلى توخّي الحذر، محاولاً الوفاء بالتزامات بريطانيا تجاه حلفائها قدر الإمكان، مِن دون الانجرار إلى الصراع. وقد تّرتب على ذلك تقديم تنازلات تدريجية، فقد رفض في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية، لكنه سمح لاحقاً باستخدامها للدفاع عن الحلفاء ضد الانتقام الإيراني.

كذلك، سمحت المملكة المتحدة متأخرةً لواشنطن باستخدام القاعدة الجوية المشتركة في دييغو غارسيا في عمليات “محدودة ودفاعية” ضد إيران، بعد أن رفضت ذلك في البداية. لكن لندن تباطأت في الالتزام بحماية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز كما طالب ترمب علناً، مما تسبب في خلاف كبير.

وقد يأمل ستارمر في أن تنجو “العلاقة الخاصة” من رفضه الانخراط في حرب إيران، تماماً مثلما نجت حين لم يرغب هارولد ويلسون في إرسال قوات إلى فيتنام، إذا ما تجاهل إهانات ترمب ببساطة. لكنّ دونالد ترمب ليس ليندون جونسون، فهو قد يغفر لستارمر والحلفاء الآخرين إذا انتهت الحرب بنتيجة تُرضيه. لكن إذا سارت الأمور على غير هواه، فقد تضطر بريطانيا إلى التعامل مع رئيسٍ مهزوم ومندفع للانتقام ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

تحديات أكبر لبريطانيا

ليس هذا وحده ما يشغل ستارمر. فثمة شاغل آخر يتمثل في دعم الحلفاء الرئيسيين في الخليج مثل البحرين وعمان والإمارات، وضمان سلامة المواطنين البريطانيين الذين يعيشون هناك. وقد أحسنت المملكة المتحدة صنعاً في إجلاء رعاياها بسرعة من منطقة الخطر، فأجلت أكثر من 100 ألف شخص في غضون أيام. لكن القوات المسلحة البريطانية لم تُظهِر قوّة تبعث على الطمأنينة في المنطقة، مثلما كانت تفعل في السابق. ويقوم عدد قليل من طائرات تايفون وإف 35 التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني باعتراض الهجمات الإيرانية في المنطقة. وتفكر المملكة المتحدة، وفقاً للتقارير، في نشر قوات للمساعدة في تأمين مضيق هرمز بمجرّد تراجع حدة الحرب. لكن غياب معدّات إزالة الألغام عند اندلاع الحرب سلّط الضوء على التراجع الكبير في قدرات البحرية الملكية، وفقاً لبعض مراقبي الخليج.

وعلاوة على ذلك، قد تتأثر المملكة المتحدة بالحرب بطرق غير متوقعة حالياً. فقد يؤدي انهيار النظام أو اندلاع حرب أهلية في إيران إلى أزمات هجرة أو تصاعد الإرهاب الدولي، مثلما حدث في الصراع السوري قبل عقد من الزمن.

لكن حتى التحديات التي يمكن توقعها تطرح أسئلة صعبة. فهل ستُجبر الحاجة إلى الحدّ من الأثر الاقتصادي للحرب بريطانيا على لعب دور أكثر نشاطاً؟ وهل سيؤدي ذلك إلى استهداف المزيد من المقدَّرات البريطانية من قِبل إيران، كما حدث بالفعل في حالتَي قبرص ودييغو غارسيا؟

وتطرح هذه الحرب أيضاً تساؤلات استراتيجية أعمق طويلة الأمد أمام السياسة الخارجية البريطانية؛ فعندما تخوض الولايات المتحدة حرباً يرى رئيس الوزراء أنها لا تخدم المصلحة الوطنية، هل الأفضل الابتعاد ومحاولة احتواء التداعيات، أم البقاء على مقربةٍ أملاً في التأثير على مسار القرارات؟ وقد أفادت تقارير بأن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير جادل بأن ستارمر كان ينبغي أن “يدعم أمريكا منذ البداية” ويؤيّد استخدام القواعد البريطانية لشن هجمات على إيران. ورغم أن هذه الانتقادات، الصادرة عن شخصية يُعدّ إرثها في المنطقة مصدراً لعدم شعبية كبيرة، قد تدفع ستارمر إلى اعتبار أنه يسير على المسار الصحيح.

وقد تبدو الدعوات الموجّهة إلى المملكة المتحدة لوضع خطط جادة لتحقيق استقلالية استراتيجية أكبر، مثلما جادل مؤخراً الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني، مقنِعةً بشكل متزايد.

كذلك يبدو مستقبل بريطانيا في الخليج والشرق الأوسط الأوسع محفوفاً بعدم اليقين. فهل ستدفع الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب بريطانيا إلى محاولة حماية نفسها بشكل أفضل من الصدمات المستقبلية، عن طريق تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري؟ أم هل ينبغي لها تغيير موقفها الأخير المتمثل في الابتعاد عن المنطقة والقيام بدور أكبر في ضمان الأسعار والإمدادات؟

ربما ترحب دول الخليج بزيادة الوجود العسكري الأوروبي، لتعزيز الحماية من إيران والتحوّط من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة المتقلّبة. وقد تسعى بريطانيا إلى أن تكون جزءاً من ذلك. لكن هذا قد يكون أكثر من اللازم بالنسبة إلى الرأي العام المتشكك وميزانية الدفاع المحدودة أصلاً. وقد أشارت مراجعة الدفاع الاستراتيجي الأخيرة للمملكة المتحدة إلى إيران باعتبارها تهديداً كبيراً، لكنها حددت روسيا باعتبارها الخطر الأكبر على أمن المملكة المتحدة.

قد يتبين مع مرور الوقت أنّ إحجام ستارمر عن الانخراط في الصراع مع إيران هو جزء مهمٌّ من إرثه. لكنه يدلّ أيضاً على تراجع قدرة المملكة المتحدة على التأثير على الولايات المتحدة وإبراز قوتها. وقد يكون عرض استضافة قمة حول كيفية فتح مضيق هرمز هو أفضل ما يمكن أن تفعله المملكة المتحدة للمساهمة في إيجاد حلّ، والحدّ من تداعيات الخلاف المفتوح مع حليفتها التقليدية الولايات المتحدة.