.Read the article in English here
على رغم تعرُّضها لضربات متكررة من الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية، أبدت دول الخليج العربية ضبطاً ملحوظاً للنفس في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى. وقد اختارت هذه الدول، بصورة جماعية، اتّباع استراتيجية دفاعية حتى الآن.
وتبدو احتمالات أن تعيد دول الخليج العربية النظر في موقفها وتنتقل إلى الهجوم ضئيلة. لكنها قد تزداد إذا ما صعّدت إيران هجماتها على البنية التحتية الحيوية والمناطق المدنية، مما يتسبب في وقوع إصابات وأضرار اقتصادية أخطر.
وكما هي الحال دوماً مع الدول التي تفكر في استخدام القوة، فإن الأمر يعتمد على الرغبة والقدرة. فبعض دول الخليج العربية – وتحديداً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – قادرة على الانضمام إلى القتال ضد إيران باستخدام أسطولها الجوي الهائل. لكن هل سيُحدِث ذلك فرقاً في الحرب، أو يكون قراراً حكيماً من الناحية الاستراتيجية؟ لا شيء من ذلك يبدو واضحاً.
الإمكانات السعودية
يضمّ سلاح الجو الملكي السعودي 449 طائرة، بما في ذلك بعض أفضل أنظمة القوى الجوية في العالم، مثل الإصدارات المتطورة من طائرات إف-15 الأميركية، ويوروفايتر تايفون، وتورنادو، المسلحة بمجموعة متنوعة من الصواريخ. ويؤدي سلاح الجوّ السعودي مجموعة من المهام؛ منها عمليات القتال الجوي والأرضي، والإنذار المبكر والتحكم الجوي، والاستخبارات الإلكترونية، وعمليات التزويد بالوقود والنقل. كما تمتلك المملكة عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة الصينية.
وتتفوّق الترسانة الجوية السعودية على الترسانة الإيرانية من حيث الحداثة والمرونة والفتك، وهي في الواقع مثار حسد العديد من القوات الجوية المتقدمة حول العالم، بما في ذلك قوات دول حلف شمال الأطلسي (الناتو). غير أنّ كيفية توظيف القوات الجوية الملكية السعودية لهذه القدرات الكبيرة هي التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب.
الخبرة القتالية
تتمتع القوات الجوية الملكية السعودية ببعض الخبرة في القتال الجوي والأرضي التقليدي. فخلال الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988)، لعبت هذه القوات دوراً دفاعياً وردعياً في المقام الأول، لا سيما ضد الجيش الإيراني.
ولم تُنفّذ القوات الجوية الملكية السعودية مهمّاتٍ هجومية داخل إيران أو العراق، بل كُلّفت فقط بالدفاع عن المجال الجوي السعودي والأمن البحري الإقليمي.
وقد أبلت بلاءً حسناً في الغالب، إذ أنشأت منطقة اعتراضٍ جويّ فوق أجزاء من الخليج (تُعرف أيضاً باسم ”خط الملك فهد“) لتأمين مجالها الجوي. وكان ذلك خلال فترة متوترة في الحرب الإيرانية-العراقية، حيث استهدف الطرفان المتحاربان سفن الشحن التجارية التابعة لبعضهما البعض، ولا سيما ناقلات النفط.
وفي حادثة شهيرة وقعت في حزيران/يونيو 1984، اعترضت طائرتان سعوديتان من طراز إف-15 سرباً صغيراً من طائرات إف-4 فانتوم الإيرانية بالقرب من جزيرة عربي في الخليج. وأفادت التقارير بأن المقاتلات السعودية أسقطت طائرة أو طائرتين من الطائرات الإيرانية، التي زُعم أنها كانت تعبر منطقة الاعتراض الجويّ السعودية أو تقترب منها. وردَّت إيران بإرسال 11 طائرة إف-4 أخرى إلى سماء الخليج، لكنها عادت إلى قواعدها بعد مواجهة قصيرة.
وكانت أوّل تجربة عملياتية واسعة النطاق للقوات الجوية الملكية السعودية في عملية عاصفة الصحراء عام 1991، حيث أجرت طلعات قتالية منذ اليوم الأول. وكان لذلك أهمية كبيرة من الناحيتَين الرمزية والسياسية، وإن كان أقل أهمية من الناحية العملياتية بالنسبة إلى الحملة الأميركية. وقد نفذَّت القوات الجوية الملكية السعودية 6,852 طلعة (محتلةً المرتبة الثانية بعد القوات الجوية الأميركية) وقصفت أهدافاً عراقية في الكويت وجنوب العراق.
وخاضت الطواقم السعودية معارك جوية وحققت عدة انتصارات، وهو إنجاز مثير للإعجاب. لكنّ طائرتين من طراز تورنادو أُسقِطتا إما بواسطة طائرة ميغ-29 عراقية، أو بواسطة الدفاعات الجوية العراقية أثناء مهام قصف على ارتفاع منخفض.
وبعد عملية عاصفة الصحراء، بدأت المملكة العربية السعودية في تعميق تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، وكانت القوات الجوية الملكية السعودية هي المستفيد الرئيسي. واليوم، تشارك القوات الجوية الملكية السعودية والقوات الجوية الأميركية في تدريبات ثنائية تتضمن مجموعات مهام متنوعة على أساس دوري، بما في ذلك المشاركة المنتظمة في مناورات “العلَم الأحمر” الشهيرة التي تجريها الولايات المتحدة في نيفادا.
إلّا أنّ أحدث تجربة قتالية للقوات الجوية الملكية السعودية، خلال التدخل في اليمن في الفترة 2015-2022، لم تُكلَّل بالنجاح.
ففي حملتها ضد الحوثيين المدعومين من إيران، واجهت هذه القوات صعوبات هائلة في تقنيات الاستهداف، مما تسبّب في أضرار جانبية كبيرة وجلَب انتقادات دولية شديدة للرياض.
لكن هذا لن يكون المثال الصحيح الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار. ففي اليمن، كان على القوات الجوية الملكية السعودية تحديد مواقع أهداف متحرّكة مختبئة بين المدنيين وداخل الجبال، وضربها. وحتى أقوى القوات الجوية التابعة لحلف الناتو تواجه صعوبات في مثل هذا الاستهداف الديناميكي.
أما في إيران، فسوف تُسنَد إلى القوات الجوية الملكية السعودية مهمة ضرب أهداف ثابتة ومكشوفة. وقد أضعفَت المقاتلات الأميركية والإسرائيلية الدفاعات الجوية الإيرانية بشكل كبير.
القوات الجوية الإماراتية
تتمتع القوات الجوية الإماراتية بخبرة عملياتية أقل من نظيرتها السعودية، لكنها حققت أداءً أفضل في اليمن ومناطق النزاع الأخرى. ويخضع الطيارون الإماراتيون لتدريب مكثف، إذ يشاركون في تدريبات “العلَم الأحمر” منذ عام 2009.
وقد استفادت الإمارات من المساعدة العسكرية الأميركية على مرّ السنين بشكل أكثر فعالية من أيّ شريك عربي آخر للولايات المتحدة. وقد تجلّى ذلك في العمليات القتالية في أفغانستان وليبيا وسوريا والعراق، وبشكل خاص في اليمن.
وفي مواجهة الحوثيين، كانت المقاتلات الإماراتية من طراز إف-16 بلوك 60 (النسخة الأكثر تطوراً من طرازات إف-16 الأميركية) أكثر فتكاً ودقة من أيّ طراز آخر في التحالف الذي تقوده السعودية، مستفيدة من معلومات استخباريّة متفوقة، بمساعدة مراقبي الهجوم المشترك الإماراتيين المعتمدين لدى حلف شمال الأطلسي على الأرض، وهو ما لم يكن متاحاً للسعوديين.
وإذا أصدرت الرياض وأبو ظبي الأوامر لجيشيهما بالردّ على إيران، فإن قواتهما الجوية قادرة على العمل كجزء من تحالف تقوده الولايات المتحدة، لضرب المنشآت العسكرية ومنشآت الطاقة في إيران والعودة إلى قواعدهما.
ولكن ماذا ستكون أهدافهما؟ وما هي المخاطر؟
الرغبة
بالنسبة إلى دول الخليج العربية، سيكون الهدف المباشر للهجوم المضاد هو إجبار إيران على وقف هجماتها عليها، وعلى المدى الطويل، إرساء قدر ضئيل من الردع ضد الضربات الإيرانية المستقبلية.
ففي النهاية، إذا استمرت دول الخليج العربية في الاعتماد حصرياً على الدفاع، فإنها بذلك تبعث برسالة إلى طهران مفادها أنه بإمكانها إلحاق ضرر هائل بها من دون أن تنالها أيّ عواقب.
وعلى نحو مماثل، فإن الاكتفاء بالدفاع سيستنفد أنظمتها الدفاعية قبل أن تنفد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية بوقت طويل. ويمكن للولايات المتحدة تجديد دفاعات الخليج، لكنّ إسرائيل تُمثّل أولوية أميركية، ووفقاً للتقارير، فإنها تواجه نقصاً في الصواريخ الاعتراضية.
كذلك فإنَّ الضغط الاقتصادي عامل مهم، فخوض الحرب بصواريخ وطائرات درون رخيصة يُكلّف إيران أقلّ بكثير مما يكلّف الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية للتصدي لها. ويُعدّ الاستنزاف الاقتصادي جوهر استراتيجية إيران في هذا الصراع.
لهذه الأسباب، فإنّ الانتقال إلى الهجوم أمر منطقي من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية والعملياتية لدول الخليج.
المخاطر
غير أنَّ المخاطر كبيرة.
أولاً، قد يؤدي ذلك إلى قصف إيراني أشدّ على الأصول ذاتها التي تحاول دول الخليج العربية حمايتها، بما في ذلك حقول النفط والمطارات ومراكز البيانات ومحطات تحلية المياه.
ثانياً، قد يقرر الرئيس دونالد ترمب وقف العمليات العسكرية ضد إيران وإعلان “النصر”، تاركاً إسرائيل ودول الخليج العربية وحدها في المعركة، مما يقلل من احتمالية سقوط النظام الإيراني.
ثالثاً، سيؤدي الدخول في الحرب ضد إيران إلى تعقيد العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية بشكل هائل، إن لم يكن قطعها تماماً. فهذه العلاقات لم تُبنَ على الثقة أصلاً، وستكون إيران ملزمة بتقديم تفسير عمّا حدث عندما تهدأ الأمور، لكن المواجهة العسكرية المباشرة ستعمّق انعدام الثقة.
رابعاً، إنّ خوض الحرب ليس خياراً سهلاً لأيّ دولة، فكيف بدولٍ تعاني هشاشة سياسية نسبية مثل دول الخليج العربية. فالحفاظ على الاستقرار الداخلي يُعدّ أولوية قصوى لهذه الأنظمة السلطوية. وقد يسهم الانخراط في مواجهة عدوّ خارجي في تعزيز النزعة الوطنية، إلّا أن دولاً مثل البحرين والكويت والسعودية تبقى قلقة من احتمال تحريك جهات وخلايا مرتبطة بإيران، بما قد يهدد أمنها الداخلي.
ولعلّ أكبر خطرٍ أمنيّ في الانضمام إلى الحرب هو أنه سيعني اختيار القتال إلى جانب إسرائيل. فحتى قبل الحرب في غزة، كان أيّ تحرك من هذا القبيل سيشكّل خطراً سياسياً على أيّ زعيم خليجي. وقد يؤدي اختيار الانضمام إلى هذه المعركة، جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى تقويض مصداقية القادة على نحو كارثيّ لدى شرائح واسعة من شعوبهم. وقد يكون هذا العامل، أكثر من أيّ عامل آخر، هو ما يفرض ضبط النفس.
بين المطرقة والسندان
إذا تصاعدت الضربات الإيرانية ضد دول الخليج العربية، فقد يصبح الاكتفاء بنهجٍ دفاعيّ في التعامل مع الأمن خياراً غير قابل للاستمرار. لكن في المقابل، فإنّ انضمام هذه الدول إلى الحملة الأميركية-الإسرائيلية قد يأتي بنتائج عكسية.
إنه قرار بالغ الصعوبة ومحفوفٌ بالمخاطر، وتشعر دول الخليج العربية بأنها مضطرة لاتخاذه بمفردها في ظلّ تراجع الثقة بإمكانية الاعتماد على واشنطن كما اعتادت في سابق عهدها.




