أسفرت نتائج الانتخابات الوطنية العراقية لعام 2025 عن بلوَرة عدة اتجاهات على المدى الطويل. فقد تسارعت وتيرةُ أفول السياسة العقائدية، في حين ترسّخت المحسوبية في الوظائف لتصبح الأداة الرئيسية للتعبئة السياسية. ومع ذلك، لا تزال الثقة في القيادة السياسية تتضاءل لدى أولئك المحرومين من منافع العطايا السخيّة للدولة. وقد كان الإقبال على التصويت أقلّ بشكل ملحوظ في صفوف الأغلبية الشيعية في بغداد والمحافظات الجنوبية، في حين جرى استبعاد أكثر من 700 ألف ورقة اقتراعٍ بسبب بُطلانها. ويبحث هذا المُكوِّنُ الاجتماعي عن سُبل جديدة للنشاط السياسي، إذ يتبنى الفاعلون الدينيون دوراً جديداً ومؤثراً في سياسة الاحتجاج في العراق.
الحَراك الجديد لرجال الدين
شهد صيف هذا العام تطوراً مفاجئاً في البصرة التي تُعدّ بمثابة عاصمة النفط العراقية. إذ ظهرَت مجموعة من رجال الدين الشباب لتقود المظاهرات المطالبة بالوظائف والخدمات. وكان أبرزهم الشيخ هيثم المنصوري، الذي قاد احتجاجات كبيرة في منطقة الإمام الصادق شمال البصرة. ومن بين الآخرين الشيخ حسين المزيرعاوي في قضاء القرنة، والشيخ عبد الغفّار العوضي في قضاء المدينة، والشيخ مثنى الربيعي في ناحية الدير، قضاء النشوة. والجدير بالذكر أن هذه الشخصيات ليست من الصدريين، بل هم رجال دين مرتبطون بالحوزة، وهي المؤسسة الدينية الشيعية في النجف. ويثير حَراكُهم تساؤلات بشأن احتمال تسييس الحوزة ودور الدين في التعبئة الاحتجاجية.
ويتمتّع رجال الدين في ضواحي البصرة بشرعية كبيرة من خلال ارتباطهم بالحوزة. كما أنهم يوفّرون درعاً واقياً للانتظام السياسي المحلّي، حيث أن الدولة والجماعات المسلحة تكون أقل ميلاً إلى استخدام التكتيكات المعتادة لمواجهة الاحتجاجات، مثل العنف والمضايقات القانونية، ضد الشخصيات الدينية.
وتخضع هذه الأعراف الآن للاختبار. فقد اتخذ محافظ البصرة أسعد العيداني مؤخراً خطوة غير معتادة برفع دعوى قضائية ضد الشيخ عبد الغفّار العوضي، متهماً رجل الدين هذا بالتحريض على الاحتجاجات بسبب نقص المياه في منطقة المديّنة. وردّاً على ذلك، هدد العوضي بتصعيد الاحتجاج والتوجه إلى المحاكم. وفي النهاية، سحب العيداني الدعوى بعد وساطة عشائرية. وكشفت هذه الحادثة عن التوتر المتزايد بين المؤسسة السياسية في البصرة وأشكال الحَراك الديني التي تزداد نفوذاً.
ويأتي الدور البارز لرجال الدين في الاحتجاجات بعد أن أُضعِفَت أُطُر الاحتجاج البديلة من خلال فقدان الشرعية والعنف والاحتواء. وفي غياب أصوات أخرى، يُعبّر رجال الدين الناشطون في البصرة الآن عن انتقاداتهم للنظام السياسي. فعلى سبيل المثال، قال المنصوري مؤخراً لأتباعه: “[..إنّ] مؤسسات الدولة مغيّبة، وحلَّ محلّها الفوضى وسيطرة المافيات الحزبية. ولقد رأينا أنّ القائمين على الأمر لا يبنون لكم حتى مدرسة، ولا يفتحون لكم مقلعاً، إلا بعد المطالبة ومن خلال الضغط والاحتجاجات المستمرة.”
تغيُّر قيادة الاحتجاجات في البصرة
تعكس التغيرات في قيادة الاحتجاجات في البصرة، بشكل جزئيّ، التباين بين المناطق الحضرية والريفية. ففي حين استثمرت الطبقة الوسطى الحضرية بشكل كبير في حزب “تصميم” التابع للمحافظ العيداني، يبحث المزيد من المناطق الريفية عن قيادة بديلة لتوجيه الانتباه السياسي إلى مسألة التخلف التنموّي.
وكان النشطاء المدنيون العلمانيون إلى حدٍّ كبير، والأحزاب السياسية اليسارية، والمؤثّرون على وسائل التواصل الاجتماعي، وطلاب الجامعات، جميعهم بارزين بدرجات متفاوتة في تنظيم الاحتجاجات في البصرة منذ “انتفاضة الكهرباء” عام 2010 وحتى حَراك تشرين عام 2019. ومع ذلك، شهدت كلٌّ من هذه المجموعات تراجعاً في مصداقيتها ونفوذها.
ولعلّ أبرز ما يلفت النظر أنّ القيادة الطلابية لحركة تشرين إمّا جرى استيعابها في القطاع العام أو تحوّلت إلى احتجاجات قطاعية للمطالبة بالوظائف من الدولة. ويُعزى الأداء الانتخابي القوي لعُديّ عواد من عصائب أهل الحق في البصرة إلى حدّ كبير إلى رعايته لهذه المجموعات من المتظاهرين الخرّيجين العاطلين عن العمل. وفي الوقت نفسه، أدى الفشل الملحوظ للهياكل السياسية المرتبطة بحركة تشرين – مثل حزب امتداد – إلى تراجع رغبة العراقيين في الانخراط في النشاط السياسي من خلال هذه القنوات.
وبالفعل، أظهرت الحملة الانتخابية لانتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر في العراق تضاؤل القوة الأيديولوجية للعلمانية والمدنية و”الدولة المدنية.” فهذه المفاهيم، التي كانت محورية في حركات الاحتجاج العراقية من عام 2015 وحتى تشرين، تلتحق الآن بفئات رمزية وأيديولوجية أخرى استُنفِدت سياسياً، مثل الطائفية والإسلاموية. وقد عزز الأداء الانتخابي الضعيف للكيانات السياسية المرتبطة بتشرين، مثل البديل، واقِع أنّ الانتظام السياسي أصبح الآن مقصوراً على القوة الزبائنية الصرفة للدولة.
تسييس الحوزة؟
دأبت الحوزة على دعم حركات الاحتجاج في العراق في اللحظات الاستراتيجية. فقد دعمت بصورة فعالة الانتفاضات المناهضة للاستعمار مثل ثورة 1920، وعارضت الأنظمة الاستبدادية خلال أحداثٍ من قبيل انتفاضتَي 1977 و1979 (بقيادة آية الله محمد باقر الصدر). لكن موقف الحوزة في مرحلة ما بعد 2003 كان أكثر حذراً. وقد قدّم كبار رجال الدين مثل آية الله علي السيستاني التوجيه الأخلاقي بدلاً من تنظيم التعبئة بشكل مباشر، بما في ذلك خلال حَراك تشرين.
لكنّ تاريخ العراق الحديث يُظهر أنّ شبكات رجال الدين يمكن أن تكون عاملاً محفّزاً، فهي تربط الحراك المحليّ بحركات سياسية أوسع نطاقاً، مثلما شوهد في اندلاع النزعة المسلّحة الصدرية بعد عام 2003. وحتى الآن، تَجنّب رجال الدين الناشطون في البصرة التنسيق الرسميّ، واكتفوا بإصدار بيانات عامة للتضامن المتبادل. كما سعوا إلى الإبقاء على عدم تحزُّبِ الاحتجاجات، والتفاوض مع السلطات المحلية بكونهم ممثّلين للمجتمع المحليّ وليس بصفتهم وكلاء سياسيين. وتشير مصادر محلية إلى أنّ رجال الدين يتصرفون بشكل مستقل عن الحوزة، التي تفرض قيوداً صارمة على انخراط رجال الدين في السياسة. ومع ذلك، فمن الواضح أنّهم يستفيدون من القوة الرمزية للمؤسسة الدينية الشيعية – بل إن صمت النجف يُفسَّر على الأرجح على أنّه دعم مبطّن.
إلّا أنّ الأمر سيتطلب تغييراً كبيراً في الظروف لكي ينتقل رجال الدين في شيعة العراق من النشاط المحلي إلى تنظيم حركة سياسية أوسع نطاقاً. وثمّة ما يُذكّر هنا بنظرية عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول مثل هذه اللحظات باعتبارها “تزامناً” للأزمات الاجتماعية، حيث تتلاقى الاضطرابات المحلية في النظام الاجتماعي وتتحول إلى تطورات تاريخية أوسع نطاقاً.
وقد يكون مثل هذا التزامن قاب قوسين أو أدنى. ذلك أنّ وفاة آية الله السيستاني ستؤدي إلى أزمة في السلطة الدينية الشيعية، مما سيغيّر العلاقة بين الحوزة والدولة والسياسة في العراق. وإذا تزامن ذلك مع أزمات أخرى في سياسة الدولة العراقية وإدارتها، فمن المرجّح أن يُفضي إلى تسييس الديناميات الاجتماعية للحوزة الدينية ويمهّد الطريق لأشكال جديدة من الحَراك الديني. وفي سيناريو كهذا، قد يكون ظهور رجال الدين الناشطين في البصرة مقدمة لمرحلة جديدة في القيادة الدينية في المجال السياسي، ولحركةٍ احتجاجية جديدة في العراق.




