نُشر هذا المقال أولاً باللغة الإنجليزية في أمواج ميديا
قبل عقدين من الزمن، كانت جماعة أنصار الله المعروفة بالحوثيين جماعةً متمردةً في شمالي غرب اليمن وبالكاد تُعرف خارج حدود بلادها، تخوض حرباً محدودة ضد الحكومة المركزية في صنعاء. أما اليوم، فيسيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية، وقد برزوا بكونهم أقوى أعضاء “محور المقاومة” الذي تقوده إيران. إذ بنوا حضوراً إقليمياً متنامياً، لا سيّما في البحر الأحمر، وقِلّةٌ هم الذين يرون أنّ نفوذ الحوثيين قد بلغ ذروته. لا، بل على العكس، ما تزال الجماعة طموحةً وتُحرّكها عقيدة راديكالية وتوسعية. وقد تكون الخطوة التالية هي التأسيس للحضور العالمي وليس الاكتفاء بمجرّد الحضور الإقليمي.
طموحات توسّعية
استطاع الحوثيون التوسّع في نفوذهم خارج حدود اليمن بفضل ترسيخهم لسلطتهم في الداخل، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الدعم الإيراني. وعملياً، انتصرت الجماعة في الحرب باليمن وهي اليوم تسيطر على ما يقرب من ثلث البلاد، أي على مناطق تحوي أكثر من 60 في المئة من السكان. أمّا الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً فضعيفة ومنقسمة، بعد أن أخفقت في توحيد القوى المناهضة للحوثيين في تحالف موحَّد. وغالباً ما تُركّز الفصائل المدعومة من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ذات الأهداف المتباينة، على مواجهة بعضها البعض أكثر من تركيزها على محاربة الحوثيين. كما لا يوجد دليل على أنّ الحملة الجوية قصيرة الأمد، التي شنتها إدارة دونالد ترامب على الحوثيين في وقت سابق من هذا العام، قبل التوصل إلى هدنة في مايو/أيار، قد أضعفتهم بشكل كبير.
ونتيجةً لذلك، تمكّن الحوثيون من توسيع نفوذهم الإقليمي. فقد أظهروا قدرتهم على إعادة توجيه ما يصل إلى ثلثي الشحن البحري بالقوة عبر البحر الأحمر، أحد أهمّ المعابر البحرية في العالم. وهم يشنّون بانتظامٍ هجمات صاروخية ومُسيَّراتٍ على إسرائيل، وذلك رغم القصف الإسرائيليّ الكبير للبنية التحتية للطاقة والموانئ والبنية التحتية العسكرية، إلى جانب اغتيال جزء كبير من أفراد الحكومة المتمركزة في صنعاء. كذلك اكتسب الحوثيون نفوذاً كبيراً لدى السعودية والإمارات من خلال التهديد بتجديد الضربات عليهما.
وقد غذّت الشعبية التي اكتسبها الحوثيون إقليمياً وعالمياً، من خلال اعتبارهم الجبهة التي تقف في وجه إسرائيل، طموحهم في تجاوز كونهم طرفاً إقليمياً. ويُقدّم تطوّر حزب الله اللبناني نموذجاً في هذا الصدد.
ولئن اختلفت الجماعتان في عدة جوانب، مثل استقلالية الحوثيين بالمقارنة إزاء إيران، إلا أنهما تشتركان أيضاً في سمات مهمة، فكلاهما تتمتّع بالحزم، وفي الوقت نفسه هما قريبتان سياسياً وعقائدياً من الجمهورية الإسلامية. وعلاوة على ذلك، يحرص الحوثيون على تولّي بعض مهام حزب الله، بصفتهم الآن الوكيل الفعلي لإيران داخل المحور. وفي الواقع، مع اضطرار الجماعة اللبنانية إلى الانكفاء على نفسها في أعقاب الهزائم الفادحة التي مُنيت بها على يد إسرائيل منذ عام 2023، يرى الحوثيون فراغاً يمكنهم ملؤه، وقد يطمحون إلى تجاوزه.
على سبيل المثال، من المرجّح أن يُكثّف الحوثيون اندماجهم المتسارع أصلاً في شبكات التهريب العالمية المرتبطة بإيران. وكما تشير إليه التقارير، تُنسّق إيران، من خلال مجموعة من الشركات الوهمية، تهريب قطع غيار الأسلحة إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، بما في ذلك المكوّنات ذات الاستخدام المزدوج. ويُزعم أن هذا يجري عبر سلاسل توريد مُعقّدة. ونظراً لرغبتهم في مزيد من الاستقلالية، سعى الحوثيون إلى اكتساب نفوذ أكبر على هذه الشبكات. ويدل على هذه الدينامية حضورهم المتزايد في القرن الأفريقي، إذ وردت تقارير تفيد بأنّ الجماعة تتعاون الآن مع حركة الشباب، الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة. وفي هذا الصدد، من المُحتمل أن يكون أحد الأهداف هو الوصول إلى التكنولوجيا من الدول الغربية.
أذرع تتعدّى حدود اليمن؟
مع الأخذ في الاعتبار الطبيعة القمعية لحكم الحوثيين، من الوارد أن تطال يد دولتهم البوليسية ما يتعدّى حدود اليمن لاستهداف المعارضين في الخارج. على سبيل المثال، قد يُكلّف الحوثيون متعاطفين في الخارج بجمع معلومات عن اليمنيين المعارضين لهم، بما في ذلك معلومات شخصية يمكن استخدامها لاحقاً لترويض خصومهم.
وعلى الصعيد المالي، ثمّة مؤشرات أيضاً على طموحات أنصار الله المتنامية. وتشير التقارير إلى أن الحوثيين يُكثّفون أنشطتهم في جمع التبرعات وغسل الأموال، لا سيما بالتعاون الواضح مع الجماعات المسلحة الشيعية العراقية المقرّبة من إيران. علاوة على ذلك، يُزعَم تورط الحوثيين في تجارة الكبتاغون؛ ويشير بعض المراقبين إلى عمليات ضبط حديثة في المهرة، شرقيّ اليمن. ولا يُعتقد أن الحوثيين ينتجون الكبتاغون للاستهلاك المحلي؛ بل يُتهمون بتصديره إلى غرب آسيا وأوروبا في محاولة تعويض الإنتاج المفقود في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024..
إلى جانب المخدرات، يُعتقد أن الحوثيين يتوسعون بسرعة في صادراتهم من الأسلحة الصغيرة وطائرات الدرون. وهم ينشطون بالفعل بصورة متزايدة في منطقة القرن الأفريقي، ويبدو أنهم عازمون على دخول عالم العملات المشفرة. تجدر الإشارة إلى أن محكمة بريطانية حكمت الشهر الماضي على أحد القراصنة بالسجن بعد إقراره بالذنب في العمل لصالح الحوثيين.
على الصعيد السياسي، يكتسب الحوثيون دعماً وتعاطفاً في الغرب، بما في ذلك ضمن شريحة من أقصى اليسار. والدافع وراء ذلك هو اعتبارهم من الجهات الفاعلة النادرة المستعدة لمقاومة حرب إسرائيل على غزة. وليس من الواضح كيف ستستغل الجماعة اليمنية هذا الاعتراف المتزايد، أو ما إذا كانت قد بدأت في التواصل مع المتعاطفين. لكن الواضح هو أن الحوثيين يدركون شعبيتهم المتزايدة، وأنّ هذا اتجاه يريدون تشجيعه واستغلاله. على سبيل المثال، ، استضافت الجماعة مؤتمراً في صنعاء عام 2024 ضمّ مجموعة من الجهات الفاعلة، بمن فيهم مؤثرون غربيون على وسائل التواصل الاجتماعي، ممن يعبّرون صراحةً عن معارضتهم للسياسات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
في المجمل، حان الوقت لإدراك أن الحوثيين أصبحوا جهة فاعلة تتعدّى حدود اليمن والبحر الأحمر. ومن المرجّح أن يقتضي الاعتراف بهذه الدينامية إعادة النظر في السياسة الحالية التي تُعوّل على الغارات الجوية والعمليات البحرية لمواجهة الجماعة.





