مواكبة تحولات سوق العمل الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: دروس مستقاة من قطر ولبنان 

يُعيد التحول الرقمي تشكيل أسواق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويُقصد بسوق العمل الرقميّة، بالمعنى الواسع للعبارة، تلك الوظائف التي تتوسط فيها التكنولوجيات الرقمية أو التي تتيحها. ومن أمثلة ذلك الأعمالُ بالمهام، التي تقوم على المنصات الرقمية، والعمل الحر مِن بُعد، وغيرها من الوظائف التي تُيسّرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي منطقة لا يزال فيها انعدام المساواة والعمل غير الرسمي يؤثران على فرص الحصول على فرص العمل الرقمي ونتائجه، فإن التحولات في سوق العمل الرقميّة تتطلب استجابات سياساتية عاجلة وشاملة.

وتُظهر قطر ولبنان، وهما دولتان تختلفان من الناحية الهيكلية والسياسية، مسارات إصلاح متباينة. فقد أتاح النموذج الذي تقوده الدولة في قطر تطوير البنية التحتية بسرعة، لكن نجاحه على المدى الطويل يعتمد على إيجاد آليات تفاعٌلٍ تُشرِك المواطنين والمجتمع المدني. ويُظهر النهج اللامركزي في لبنان، الذي تقوده إلى حد كبير المنظمات غير الحكومية والجهات المانحة الدولية، في ظل غياب قدرات الدولة، أهمية إشراك القاعدة الشعبية، ذلك أنّ الجهات الفاعلة المحلية ومنظمات المجتمع المدني غالباً ما تكون أكثر تجاوباً مع احتياجات المجتمع. ولكنّ نجاح لبنان على المدى الطويل سيتطلّب أيضاً دعماً مؤسسياً لم يتوفر حتى الآن.

وتُظهر هاتان الحالتان معاً كيف تؤثر الثقة والقدرات المؤسسية ومشاركة المواطنين على نتائج استراتيجيات العمل الرقمي. وبالنسبة إلى صانعي السياسات الإقليميين، تطرح العِبَر المستخلصة من قطر ولبنان دروساً قابلة للتطبيق لتصميم تحولات رقمية عادلة وقابلة للتكيّف، لا سيما في السياقات التي تتَّسم بعدم المساواة وخيبة أمل الشباب وهشاشة المؤسسات.

استراتيجية قطر المركزية: الكفاءة من خلال منصات تقودها الدولة 

تستند إصلاحات سوق العمل الرقمية في قطر إلى إطار التنمية الوطنية لرؤية 2030، الذي يُركز على التنويع الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري والابتكار التكنولوجي. وقد اعتمدت الحكومة نموذجاً شديد المركزية، تقوده وزارتا العمل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

ومن بين المنصات الرئيسية  منصة التوظيف الوطنية  -كوادر (QNEP)، وبوابة حكومي وكوادر وعقول. وتستخدم هذه المنصات مجتمعةً الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لمطابقة الباحثين عن الوظائف مع احتياجات سوق العمل، مع التركيز على توظيف القطريين في القطاع الخاص. وتدمج منصة قطر الوطنية للتوظيف بين مطابقة الوظائف وتقييم المهارات وتوقعات التوظيف. وتُعدّ بوابةَ حكومي بوابة الحكومة الإلكترونية الرئيسية؛ في حين تُعدّ منصة كوادر بمثابة منصّةٍ موحّدة للتوظيف الإلكتروني؛ وتدعم منصّة عقول توظيفَ الخرّيجين غير القطريين في وظائف القطاع الخاص خارج نطاق برامج التوطين. وتشير البيانات المتاحة إلى أنّ هذه المنصات حققت بعض النجاح في تحسين معدّلات التوظيف للمواطنين القطريين، لا سيما في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمالية، رغم محدودية إقبال الباحثين عن عمل من غير القطريين عليها.

ويتميّز النهج المركزي الذي تتبنّاه قطر بمزايا واضحة. فهو يتيح تماسُك السياسات وتعزيز جمع البيانات وتحسين تكامل مسارات التعليم والتوظيف، وذلك كله بما يتماشى مع أولويات التنمية الوطنية. إلا أن لهذا النهج قيوداً أيضاً. إذ إنّ دور الدولة القوي يمكن أن يحدّ من الابتكار من أسفل إلى أعلى، وقد تعزز منصات العمل الرقمية أهداف التوطين على حساب الشمول، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج التقسيمات الجندرية والقائمة على الجنسية في سوق العمل.

نموذج لبنان اللامركزي: الشمولُ في خضمّ الأزمة 

تطورت إصلاحات سوق العمل الرقمية في لبنان في ظل ظروف مختلفة تماماً. فمنذ عام 2019، واجهت البلاد أزمات متداخلة شملت الشلل السياسي والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية. وأدى نقص التمويل وانعدام الشرعية إلى إضعاف المؤسسات العامة. ومع ذلك، وعلى رغم هذه القيود، أو ربما بسببها، تدخلت كيانات غير حكومية لقيادة مبادرات الشمول الرقمي التي غالباً ما تستهدف الفئات الضعيفة وتسدّ الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية.

إحدى قصص النجاح في لبنان هي منصّة توترز، وهي منصّة توصيلٍ وخدمات لوجستية قائمة على التطبيقات. إذ يربط تطبيق توترز بين شركات التوصيل والتجار المحليين لتقديم خدمات توصيل الطعام والمواد الغذائية والبريد. وفي عام 2022، جمع التطبيق 18 مليون دولار أميركي في جولة تمويلٍ من الجولة باء بقيادة المؤسسة المالية الدولية، لتوسيع نطاقه في لبنان والعراق، مما يُظهر كيف يمكن لمنصات العمل الرقمية أن تزدهر حتى في ظل الأزمات. ويبيّن توسّع هذه المنصّة الفرص المتاحة للعمل بالمهام، والتوترات الكامنة في العمل الذي تتوسط فيه المنصات في الاقتصادات المحفوفة بالمخاطر.

ولئن كان النموذج اللامركزي في لبنان يعزّز الاستجابة والمِلكية الشعبية، إلّا أنه يتسبب بتفتيت سوق العمل أيضاً. إذ يفتقر البلد إلى منصة موحّدة لمطابقة الوظائف أو بياناتٍ وطنية عن مشاركة القوى العاملة الرقمية. كذلك فإنّ التمويل غير منتظم، كما إنّ التنسيق بين أصحاب المصلحة محدود. وبحسب ما تشير إليه استراتيجية لبنان للذكاء الاصطناعي 2020-2050، فإن إمكانات اقتصاد لبنان الرقمي مقيّدة بشكل أكبر بسبب ارتفاع تكاليف الاتصال، وتخلّف البنية التحتية، وعدم وجود أطر قانونية شاملة لحماية البيانات والحوكمة الإلكترونية. ومع ذلك، فإن قابلية النموذج للتكيّف وتركيزه على مشاركة المجتمع المحلي يوفّران ميّزةً أساسية لصالح المقاربات التي تقودها الدولة.

الحوكمة والثقة والتفاعل بين الدولة والمجتمع 

تعيد منصات سوق العمل الرقمية تشكيل طريقة تفاعل الحكومات والمواطنين في سوق العمل، لا سيما في مجالاتٍ مثل مواءمة الوظائف وتقديم الخدمات، وآليات استقاء الآراء. وعلى سبيل المثال، زادت المنصات التي تديرها الدولة في قطر من كفاءة الخدمات، إلا أنها توفّر فرصاً محدودة للحوكمة التشاركية. ولا تزال آليات المساءلة تعمل وفقاً لنهجٍ هرميّ إلى حدٍ كبير، إذ تقتصر مساهمة المواطنين على إبداء آرائهم بشأن الخدمات وقنوات الشكاوى الرسمية التي نادراً ما تنطوي على متابعة شفّافة أو تؤدّي إلى تعديلات في السياسات.

ويقدّم لبنان بديلاً من أسفل إلى أعلى. إذ تُعزّز البرامج المجتمعية التفاعلَ بين الشباب والمنظمات غير الحكومية ومقدّمي الخدمات، مما يشجّع على المِلكية المحلية. غير أنّ هذا النموذج يفتقر إلى الشرعية المؤسسية والاستدامة على المدى الطويل. وتكون عمليات التقييم غير رسمية، فهي تعتمد على اجتماعات المجتمع المحلي أو الرصد الذي يقوده المانحون، مما قد لا يُترجَم إلى تغيير في السياسات أو إصلاح مؤسسي. ويثير الاعتماد على المانحين مخاوف بشأن وضع جدول الأعمال والمساءلة، في حين أنّ غياب اللوائح الوطنية يزيد من مخاطر الاستغلال في العمل على أساس المَهام، لا سيما بين اللاجئين.

وفي كلتا الحالتين، لا يتوقف النجاح على التكنولوجيا فحسب، بل على الحوكمة أيضاً. وتُبرز تجربتا قطر ولبنان الحاجة إلى أطر مساءلة متكاملة وشاملة.

الدروس الإقليمية والخطوات التالية 

تُقدم تجربتا قطر ولبنان نماذج قيّمة – وإن كانت غير مكتملة – لدول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيتطلب تجاوز المبادرات الجزئية وضع استراتيجيات رقمية أكثر تنسيقاً وتستند إلى المساواة. وتُوفِّر الأطر الإقليمية مثل استراتيجية الاقتصاد الرقمي العربي ودراسة الإسكوا بعنوان التكنولوجيا الرقمية من أجل التنمية: الآفاق العربية في عام ٢٠٣٠ نماذج إرشادية مفيدة.

تحثُّ خطة آفاق 2030 الحكوماتِ على صياغة استراتيجياتٍ وطنيةٍ طموحة من الناحية التكنولوجية، وشاملة من الناحية الاجتماعية، ترتكز على الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ورفع مهارات الفئات المهمشة، ودمج السياسات الموجهة نحو الجنسين والشباب في صميم الحوكمة. والأهم من ذلك، تدعو الخطة إلى التحول من البرامج التجريبية التي يقودها المانحون، نحو أنظمة قابلة للتطوير تدعمها الدولة وتعزز مساءلة المنصات والمساواة في التوظيف والتكامل الإقليمي.

في الدول الغنية بالموارد مثل قطر، ينبغي أن يكون تحسين المهارات الرقمية بقيادة الدولة وممولاً من القطاع العام، وأن يُنفّذ بالشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص. ويجب أن يركز التدريب على القطاعات عالية النمو، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا المالية، وذلك للحدّ من البطالة والاحتفاظ بالمواهب الماهرة. وينبغي أن تعتمد هذه الدول أيضاً أنظمة بيانات شفافة ومصنفة لتتبّع الوصول حسب الجنس والعمر والمنطقة، مما يعزز الثقة ويمكّن الخدمات من التكيّف في الوقت الفعلي.

وفي الدول محدودة الموارد مثل لبنان، ينبغي أن تعمل الحكومات مع المانحين وشركاء القطاع الخاص ومقدِّمي الخدمات المجتمعية للوصول إلى الفئات المهمشة وضمان أن يولّد التدريب ليس فقط الوصول إلى الوظائف الحالية، بل أيضاً فرص عمل رقمية جديدة من خلال شراكات مع شركات التكنولوجيا الناشئة ومنصات العمل الإقليمية. ويمكن أن يساعد التعاون مع الهيئات الإقليمية والجهات المانحة في تعزيز أنظمة البيانات من أجل الرصد الفعال.

كما تحتاج الدول الهشة إلى استثمارات متواصلة في القدرات المؤسسية. وينبغي حماية هيئات الإصلاح مثل مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في لبنان من التقلبات السياسية وتزويدها بالموارد الكافية، في حين يمكن للدول الأقوى أن تشارك خبراتها وتدعم بناء القدرات عبر الحدود. ويمكن للمنابر الإقليمية مثل الإسكوا أو الجامعة العربية أن تُيسِّر تبادل المعرفة، مما يساعد الدول الأثرى على تجنُّبِ المركزية المفرطة ويمكّن الدول الهشة من اعتماد نماذج شاملة ومُثبَتة.

وفي نهاية المطاف، يجب أن يتوافق التحول الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الاستراتيجيات والقدرات. ويوفّر المزج بين نطاق الأنظمة المركزية وإدراج المقاربات المستندة إلى القاعدة الشعبية أفضلَ مسار نحو منظومات عمل رقمية عادلة وموثوقة وقادرة على التكيّف. واستشرافاً للمستقبل، يمكن أن يتيح التعلّم المتبادل بين البلدان لكلّ بلدٍ تعويضَ نقاط ضعفه بالاستفادة من نقاط قوة البلدان الأخرى من خلال آليات التمويل المشترك أو برامج بناء القدرات في إطار الإسكوا أو الجامعة العربية.