تستند الحوكمة البيئية في المغرب إلى بنية دستورية وقانونية شاملة تُرسّخ الحق في بيئة صحية باعتباره حقاً أساسياً. ويُلزم دستور عام 2011 الدولة بضمان المساواة في الحصول على المياه والبيئة الصحية والتنمية المستدامة، كما يُلزمها بحماية الموارد الطبيعية والأجيال القادمة ويضمن المساواة في الحقوق البيئية بين الرجال والنساء. كما أنّ الأطر المؤسسية والقوانين الداعمة، مثل قانون المياه لعام 2016، وقانون التقييم البيئي الصادر في عام 20101 ، إلى جانب الميثاق الوطني للبيئة، تُنشئ هيئات رقابة وآليات إنفاذ؛ وتؤكد الحق في المشاركة العامة في القرارات البيئية؛ وتدعم الوعي البيئي.
غير أنّ تجسيد هذه الالتزامات المعيارية في سياسات فعّالة يتطلب تذليل العقبات المؤسسية النظامية وتعزيز آليات المشاركة لضمان مشاركة المواطنين بصورة حقيقية في صنع القرارات البيئية.
إنشاء أطر مؤسسية فاعلة
أحرز المغرب تقدماً ملحوظاً في مجال اللامركزية وتطوير الطاقة المتجددة والتكيّف مع تغير المُناخ. وتدعمُ المؤسسات المتخصصة، مثل وكالات الأحواض المائية والشرطة البيئية، إلى جانب نظام المسؤولية البيئية وآليات الإنفاذ، آلياتِ الوقاية والتصحيح والمساءلة والمشاركة العمومية. ويُطلب من الحكومات المحلية دمج المبادئ البيئية في التخطيط. وتهدف هذه الخطوات الأساسية إلى تمكين الحوكمة المحلية وتعزيز المشاركة السياسية.
كما يتجلى التزام المغرب بالعمل المناخي في بيانات تاريخية مثل إعلان الرباط (2016)، وإعلان أغادير (2017)، اللذَين يؤكدان على الدور الحاسم للكيانات المحلية والإقليمية في التنمية المستدامة والتكيف. ومن النتائج العملية الرئيسية البرنامجُ الخاص بالخبرة المالية للتمويل المناخي دون الوطني (PEFCLI)، وهو شراكة مبتكرة لعبت دوراً أساسياً في مساعدة السلطات المحلية على تطوير مشاريع ونماذج مالية للتخفيف من آثار تغيّر المناخ والتكيف معه. كما يعكف المغرب على وضع خطط مناخية إقليمية، فمنذ عام 2020، أُجريت دراسات في سبع مناطق، لتضاف إلى المبادرات السابقة في جِهَتَي مراكش-الصافي وسوس-ماسة. وقد حققت جهة سوس-ماسة نتائج ملموسة، منها زيادة مشاركة المجتمع المدني في القضايا المناخية، وتجديد 10 آلاف هكتار من المحيط الحيوي لأشجار الأرگان، وتوفير حماية فعّالة من الفيضانات في منطقة أغادير الكبرى، وتوسيع نطاق الري بالتنقيط، وإدخال نظام التصنيف البيئي للمؤسسات السياحية.
بالإضافة إلى ذلك، يدعم مشروع كليما-ميد الممول من الاتحاد الأوروبي 11 مدينة مغربية في وضع خطط للوصول إلى الطاقة المستدامة والعمل المناخي. وتتناول هذه الاستراتيجيات المخاطر المناخية، مثل إدارة الفيضانات وتآكل السواحل في المحمدية. أما على المستوى الوطني، فيثبت المغرب باستمرار التزامه بالشفافية المناخية العالمية من خلال تقارير التحديث نصف السنوية.
استمرار العقبات التي تعترض التنفيذ
على رغم النتائج الإيجابية المهمة والمبادرات الاستباقية، لا يزال تحقيق جدول أعمال الإصلاح الطموح للمغرب يواجه تحديات. ورغم وجود الأطر اللازمة، لا تزال المشاركة السياسية والشفافية المؤسسية في مرحلة التطوّر، ويرجع ذلك إلى حدٍّ كبير إلى أن القوانين الرئيسية التي تحكم توزيع السلطة لا تزال في طور النشوء.
وتعاني العديد من المؤسسات العامة من محدودية الاستقلالية ونقص القدرات وشُحّ الموارد، مما يعوق التنفيذ الفعال. فعلى سبيل المثال، في مجال إدارة النفايات البلدية، أدخل المغرب لوائح تقنية وبيئية سليمة واعتمد 25 تقييماً للأثر البيئي، لكن السلطات المحلية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخبرات والقدرات التقنية. وبالمثل، أكدت مبادرات قطاع الغابات على الحاجة إلى تقييمات شاملة للمخاطر وتدريبٍ متخصص لتمكين مشاركة أصحاب المصلحة بصورة فعالة في مشاريع التكيف مع تغير المناخ.
وتبيّن هذه التحديات أنّ تعزيز المشاركة السياسية واتخاذ إجراءات مناخية شاملة على المستوى المحلي لا تزال عملية معقدة ومستمرة رغم أنّ المغرب قد وضع أسساً مهمة وأطلق مبادرات مناخية أساسية. لذا سيكون من الضروري الاستمرار في التركيز على بناء القدرات المؤسسية وتخصيص الموارد وإشراك العموم.
يعتمد تحقيق الحقوق المنصوص عليها في الإطار القانوني للمغرب بشكل أساسي على قدرة المواطنين على المشاركة وممارسة الرقابة على القضايا البيئية والإيكولوجية. ومِن دون المشاركة الهادفة، فإن الحق الدستوري في بيئة صحية يبقى مجرّد طموح غير قابل للتنفيذ. ولذلك فإن مشاركة المواطنين ركيزة أساسية في إدارة المناخ، وهي آلية للصالح العام تضمن المساءلة وتصونُ هذا الحق الأساسي.
تعزيز الحقوق البيئية في الممارسة الفِعلية
يعتمد إرساء ديمقراطية بيئية في المغرب على مشاركة المواطنين الفعالة في صنع القرارات البيئية، التي تُعزّز من خلال ترسيخ الأخلاقيات البيئية وتغيير السلوكيات الواعية. ومن المهم بنفس القدر إتاحةُ العدالة في قضايا تغير المناخ، وتنفيذ تدابير استباقية تُمكّن المواطنين من الاعتراض على الممارسات البيئية الضارة والدفاع عن حقهم في بيئة صحية. وإلى تاريخه، لم يُعرض أيّ نزاع متعلق بالمناخ على القضاء المغربي، وهو ما يمكن أن يُعزى إلى الوعي العام المحدود بهذا الملاذ القانوني، إلى جانب تقاليد القانون المدني المتجذرة في النظام القانوني المغربي.
ولتحقيق تقدّم في هذا المجال، يمكن للمغرب إنشاء مراكز جهوية لتعزيز القدرات في مجال الحوكمة في كل جهة. وستوفر هذه المراكز، التي ستُموَّل بشكل مستدام وتضم خبراء تقنيين مستقلين، تدريباً في مجال المالية العامة وإدارة المشاريع، لا سيما المبادرات المتعلقة بالمناخ، مع تسهيل تبادل المعرفة والممارسات الفُضلى وتقديم المساعدة التقنية المباشرة لتطوير المشاريع. وستكون هذه المراكز أيضاً منصّات للتعاون بين البلديات، مما يعزز التنسيق على المستوى الجِهَويّ.
أما على المستوى المحلي، فيمكن للبلديات أن تفوّض وتموّل لجان تنمية محلية وعمل مُناخي يقودها المواطنون. وستضمن هذه اللجان، المزودة بصلاحيات استشارية رسمية، مشاركة المواطنين بشكل منظّم في استراتيجيات التنمية المحلية والمناخ، مع إلزام المجالس البلدية بالرد رسمياً على توصياتها.
ولكي تكون المشاركة ناجعة، يجب أن تأتي في مرحلة مبكرة – قبل وقوع الضرر – من خلال ضمان حصول المواطنين على المعلومات المتعلقة بالمشاريع التي قد تكون ضارّة، وتمكينهم من معارضتها. ولكنّ إعمال هذه الحقوق يظلّ صعباً من دون دعم مؤسسي رسميّ وموارد مالية وبشرية كافية من الدولة. ومن شأن هذه التدابير مجتمعة أن تدمج مشاركة المواطنين، وإنفاذ القانون، والقدرات التقنية، والأدوار الاستشارية المؤسسية في إطارٍ متجانسٍ للحوكمة البيئية المستدامة والديمقراطية.





