.Read the article in English here
قد يؤدي تغيير النظام في إيران إلى ضمان الفوز في الانتخابات. لكن هذا يعتمد إلى حد كبير على الرئيس ترمب. كما أن المخاطر التي تهدد الموقف الدبلوماسي لإسرائيل – وحتى تحالفها مع الولايات المتحدة – كبيرة.
إذا كانت هناك قضية تُوحّد الغالبية العظمى من الإسرائيليين، فهي أنّ إيران تشكل تهديداً وجودياً للدولة العبرية. علاوة على ذلك، تعتقد الغالبية أن الحل الوحيد لهذا الخطر هو حل عسكري، وليس دبلوماسياً. ومن ثم، فإن الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة ضد الجمهورية الإسلامية ليست مجرد رد على التطورات الأخيرة. فقد كانت تختمر منذ أكثر من عقدين من الزمن، وتعود جذورها إلى الثورة الإيرانية عام 1979.
غير أنّ ما استجدّ إلى حدّ ما في هذه المرّة هو الصراحة التي أبدتها قيادة إسرائيل في إعلانها أن هدف الحرب يتجاوز القضاء على التهديد العسكري الإيرانيّ، ليشمل السعي إلى تغيير النظام في طهران. وقد أيّد زعيم المعارضة يائير لابيد هذا الموقف على الفور وبشكل لا لبس فيه، إلى جانب بقية أحزاب المعارضة الصهيونية.
وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، ساد شعور متزايد بأن هجوماً أميركياً إسرائيلياً على إيران أمر حتمي. كما سرت شكوك تشير إلى أنّ المفاوضات في جنيف، والتقارير عن التقدم المحرز، ما هي إلّا ذرٌّ للرماد في العيون، وأنها تأتي من باب الخديعة والحرب النفسية التي كان هدفها طمأنة القيادة الإيرانية وإعطائها شعوراً زائفاً بالأمان.
وقد نجح ذلك إلى حد كبير، على الأقل في المرحلة الأولى من هذه الحرب، التي فاجأت القيادة الإيرانية، على غرار حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/ يونيو الماضي، حيث قُتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية هذه المرة.
موقف إسرائيل
دخلت إسرائيل هذه الحرب في موقف جيوسياسي معقد. فقد استعادت تل أبيب الكثير من مصداقيتها العسكرية منذ كارثة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلا أنها خسرت في المقابل الكثير من مكانتها السياسية والأخلاقية.
وقد تمكّنت إسرائيل من إلى درجة كبيرة من إضعاف القدرات العسكرية لمعظم وكلاء إيران، أو ما يُعرف بـمحور المقاومة، سواء قدرات حماس في غزة، أو حزب الله في لبنان، أو الحوثيين في اليمن. وعلى عكس سلفه، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع ليس صديقاً للنظام في طهران. علاوة على ذلك، فقد اكتسب سلاح الجو الإسرائيلي سيادة كاملة في الجو في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إيران، وإنْ كان ذلك بثمن باهظ على الجبهة الداخلية، فقد انكشفت نقاط ضعف إسرائيل، بسبب جغرافيتها وكثافة سكانها في منطقة صغيرة نسبياً.
غير أن الموقف السياسي لإسرائيل قد تضرَّر بشدة. فقد أدى استخدامها المفرط للقوة، دون اكتراث بحياة المدنيين، لا سيما في غزة، إلى توتر العلاقات مع معظم دول المنطقة، بما في ذلك الدول التي طبّعت علاقاتها معها. وأصبح حلفاؤها المقرّبون في أوروبا وخارجها ينتقدون عملياتها بازدياد.
من بين أبرز سمات سلوكِ إسرائيل في عهد نتنياهو عدمُ قدرتها (ويُشتبه أيضاً في عدم رغبتها بسبب الضغوط السياسية الداخلية) على ترجمة النجاحات العسكرية إلى إنجازات دبلوماسية. فجميع الجبهات التي فتحتها على مدى العامين ونصف العام الماضيين ما تزال بلا حلّ، في حين تكرر الحكومة الإسرائيلية باستمرار الحاجة إلى تحقيق نصرٍ “مطْلق” أو “كامل.” ومن المؤكد أن مثل هذه الأهداف ستؤدي إلى حروب لا نهاية لها، ومع ذلك، تبرز مرة أخرى مصطلحات مماثلة في ما يتعلق بإيران في الحملة الحالية. ويثير هذا قلقاً عميقاً بين دول الخليج التي تتعرض الآن لهجوم إيراني.
ومن المثير للدهشة أن إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي تتباهى بسرعة تسوية النزاعات بدلاً من إثارتها، تبدو، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، متفقة مع رؤية نتنياهو للأحداث على معظم الجبهات.
وقد أصرّ المفاوضون الأميركيون في حالة إيران على قبول جميع المطالب المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، والحدّ من تطوير الصواريخ الباليستية، والوقف الكامل لدعم الجماعات الوكيلة.
وقال كبير المفاوضين ستيف ويتكوف، في حديثه إلى قناة فوكس نيوز عن المفاوضات، إن ترمب تعجَّب من عدم استسلام الإيرانيين ببساطة لمطالبه – كاشفاً أنه منذ البداية لم يكن هناك مجال للتسوية، بل كان الخيار العسكري وحده المطروح. لقد كان هذا النهج ساذجاً في أحسن الأحوال، وأظهر قلّة الخبرة وعدم فهم طريقة تفكير القيادة الإيرانية وطريقة عملها. ومن المؤكد أنه لم يكن ليؤدي إلى اتفاق.
وقد حثَّت التصريحات الانتصارية التي أدلى بها كلٌّ من ترمب ونتنياهو في نهاية اليوم الأول من الحرب الإيرانيين على إطاحة نظامهم. ومن المرجح أن يثير ذلك قلقاً بالغاً لدى دول المنطقة، لا سيما دول الخليج، بصرف النظر عن رأيها في النظام، لأنه قد يؤدي إلى تكثيف طهران لهجماتها عليها، وإلى سيناريو كابوس الفوضى التي تنتشر في جميع أنحاء المنطقة.
جاء رد إيران شبه الفوري على الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية بمهاجمة دول الخليج، التي تجد نفسها الآن عالقة في حرب حاولت جاهدة منعها وتدفع ثمنها باهظاً. ومن المرجح جداً أن تسأل هذه الدول نفسها على المدى الطويل عما إذا كانت علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل تشكل عبئاً أكثر مما هي ميزة.
فإذا استمرت الحرب – التي من المتوقع أن تمتد لأسابيع – من دون حل، مع إغلاق مضيق هرمز وجزء كبير من المجال الجوي للخليج، فسوف تُلقى المسؤولية على عاتق الولايات المتحدة، ولكن بشكل أساسي على عاتق إسرائيل. وستكون التداعيات أسوأ إذا أدى الصراع إلى تأجيج التطرّف وزيادة العداء بين السنة والشيعة، كما يخشى بعض المحللين.
لا شكّ في أن الكثير من الإيرانيين ومعظم المجتمع الدولي لن يُحزنهم سقوط النظام الوحشي في طهران. غير أنّ إسرائيل، التي وسّعت بالفعل عملياتها إلى لبنان، تجد نفسها مرة أخرى في دائرة الضوء لقيامها بأعمال تحت حماية الولايات المتحدة، متجاهلة القانون الدولي ومِن دون أي أساس قانوني لمغامرتها العسكرية.
رهان نتنياهو
راهن نتنياهو على أنّ خوض هذه الحرب سيعزز فرصه في البقاء السياسي. والأمر الأشدّ إثارة للقلق هو أنّه يقامر أيضاً بأمن بلاده على المدى الطويل، وبمكانتها الدولية.
فهذه سَنة انتخابات في إسرائيل، ونتنياهو يستميت للبقاء في السلطة. ولكي تنجح هذه المقامرة، يجب أن تكون الخسائر في الأرواح داخل البلاد في أدنى حدودها. وحتى الآن، تعمل كل من إسرائيل والولايات المتحدة على أساس مثل هذا السيناريو المثاليّ.
كذلك يراهن نتنياهو على أنّ دعم ترمب سيستمر حتى تمام القضاء على برنامج إيران النووي والتهديد العسكري وتغيير النظام. وهذا أمر محفوف بالمخاطر.
إذ ليس من المستبعد أن يعلن الرئيس ترمب النصر في ظلّ عدم وجود حلّ عسكري أو سياسي. وعلاوة على ذلك، إذا فشلت هذه الحرب وكلّفت الجمهوريين خسارة انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، فسوف يقع اللوم على إسرائيل، مع ما يترتب على ذلك من آثار طويلة الأمد على التحالف بين البلدين. ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه ارتياب الديمقراطيين إزاء ارتباط الولايات المتحدة بسياسات إسرائيل في المنطقة.
بحلول نهاية حرب حزيران/ يونيو الماضي مع إيران، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أن التهديد الوجودي الإيراني بـ “إبادة” إسرائيل قد انقضى. وعلى حدّ تعبيره، فإن هذا “النصر التاريخي” سيبقى سائداً لأجيال. لكن ها هي البلاد بعد ثمانية أشهر وقد انخرطت في حرب أخرى أشرس مع عدوّها اللدود في المنطقة. والسبب المُساق هو نفسه الذي سيق آنذاك.
إنّ الحيلولة دون تطوير إيران لقدراتها العسكرية النووية، أو الحدّ من مدى صواريخها الباليستية، أو منعها من دعم أعداء إسرائيل بالقرب من حدودها، كلها مطالب مشروعة.
غير أنّ إسرائيل دخلت هذه الحرب في حالة من العزلة الدولية، وبقيادة رئيس وزراء غير مرحّب به في العديد من عواصم حلفائها، وبِلا أيّ ضمانات بتحقيق جميع أهدافها من دون إدخال الشرق الأوسط في أتون الفوضى. وليس أمام نتنياهو الآن سوى أن يأمل في نجاح رهان أكبر مقامرات حياته.




