تواجه حكومة اليمن، المعترف بها دوليًا والمنقسمة على الصعيدين الجغرافي والمؤسسي في اليمن، واحدة من أخطر الأزمات المالية في تاريخها الحديث. في أعقاب الهجمات التي شنها الحوثيون على البنية التحتية لتصدير النفط في جنوب اليمن عام 2022، انخفضت عائدات النفط والغاز، التي كانت في ما مضى عماد المالية العامة للدولة بنسبة تقارب 70 في المئة. كما جعلَ انخفاضٌ حادّ في الدخل آخر في عام 2024 مستوياتِ الإيرادات الحالية غير قابلة للاستدامة. وقد توقّف دفع رواتب بعض الموظفين المدنيين في القطاع الإداري للدولة منذ سنوات. كما لم يتلقَ الطلاب والدبلوماسيون في الخارج مخصصاتهم منذ أكثر من عام. في الوقت نفسه، فقد الريال اليمني 33.7 في المئة من قيمته خلال النصف الأول من عام 2025 وحده. وفي العاصمة المؤقتة عدن -إحدى أكثر المدن حرارة في شبه الجزيرة العربية -يكشف انقطاع التيار الكهربائي، الذي يصل لمدة 20 ساعة يوميًا، الانهيار الأوسع نطاقًا في تقديم الخدمات الحكومية.
من دون اتخاذ خطوات عاجلة وموثوقة لحشد الموارد المحلية، وتحسين الاستفادة من التحويلات المالية الواردة من المغتربين، وزيادة الوسائل الناجعة في الوصول إلى آليات التمويل المتعلقة بالمُناخ، فإنّ الحكومة اليمنية تجازف بفقدان ما تبقّى لها من شرعية. سيواصل الريال اليمني الانخفاض في قيمته، مما يجعل رواتب القلّة الذين يتقاضونها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة عديمة القيمة، ويجعل السلطات المحلية عاجزة عن تقديم الخدمات اليومية. ومن المرجح أن تتوسّع وتتصاعد الاحتجاجات التي اندلعت في عدن وتعز والمكلّا خلال الأسابيع الماضية. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن جنود الحكومة على خطوط المواجهات لم يتلقّوا رواتبهم بعد ويفتقرون إلى المعدات الأساسية.
يُمثّل تعيين رئيس وزراء جديد في نيسان/أبريل 2025 نقطة تحوّل محتملة، ولكن على الحكومة الجديدة أن تتحرك لتنويع قاعدة إيراداتها غير النفطية وتوسيعها في ظلّ تزايد عدم الاستقرار الداخلي وتراجع المساعدات الخارجية، وإلا فإنّها ستواجه السقوط، بل وأكثر من ذلك، ستواجه احتمال توسّع الحوثيين في السيطرة على المزيد من الأراضي.
تراجُع الدعم المالي الخارجي
تاريخيًا، اعتمدت القدرة المالية لليمن على دعمٍ ماليٍّ خارجي كبير، لا سيما من دول مجلس التعاون الخليجي. ومنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022، قدّمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة دعمًا ماليًا متقطعًا بقيمة تزيد على ملياري دولار تعهّدتا بدفعها؛ ودُفعت أغلبها على شكل ودائع مصرفية ودعمٍ للميزانية، وفقًا لمصدر رفيع المستوى في الفريق الاقتصادي اليمني.
إلا أنّ المانحين أُنهِكوا وسط تنامي التصورات بأنّ اليمن يمثّل بئرًا ماليًا لا قاع له وسطَ ضعف المساءلة والإصلاحات الهيكلية.
ويزيد من هذا الإنهاك؛ إعادةُ توجيه الأولويات الاستراتيجية لدول الخليج. ومع انهيار نظام الأسد في سوريا وتراجع دور حزب الله في لبنان، تعيد الرياض وأبو ظبي تقييم دورهما الإقليمي. واليوم أصبح اليمن، الذي كان يُعد في السابق أولوية قصوى، في منافسةٍ على الاهتمام والتمويل مع بؤر توتر أخرى.
في مشهدٍ متغيّرٍ كهذا المشهد، لم يعد الدعم المالي مضمونًا، فقد فرضت المملكة العربية السعودية شروطًا مثل زيادة الشفافية، وتخصيص الموازنة الحكومية والموافقة عليها، وخفض الإنفاق غير الضروري ومسائل متعلقة بالإصلاحات المؤسسية. ولعلّ الأكثر دلالة هو أن حلفاء إقليميين مستقرين نسبيًا ، مثل الأردن ومصر، شهدوا تخفيضات في المساعدات المالية المقدمة من دول الخليج، في إشارة إلى إعادة ترتيب منهجية واسعة تُجريها تلك الدول لفطم حلفائها الإقليميين عن الدعم المالي و/أو النقدي.
كذلك يعكف المانحون الغربيّون على إعادة تقييم موازية. فقد أثّرت الأزمات العالمية المتنافسة -أوكرانيا وسوريا والسودان ومؤخرًا غزة -على ميزانيات التنمية والمساعدات الإنسانية. وقُطِعت المساعدات الأميركية، بما في ذلك برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بشكل كبير منذ عودة إدارة ترمب. كما علّقت السويد وشركاء أوروبيون آخرون داعمون تقليديًا مساعداتهم أو خفضوها، في حين عُلِّقت المساعدة الفنية من المؤسسات الغربية في انتظار مزيد من الوضوح بشأن مسار الحكومة اليمنية الجديدة.
المسوّغات الاستراتيجية لتوليد الإيرادات المحلية
نظرًا لتقلُّب المساعدات الخارجية، يجب على اليمن الآن أن يتحوّل بشكل حاسم نحو حشد الموارد المحلية. وهذه ليست مجرّد مسألة حصافة مالية، بل هي ضرورة سياسية أيضًا.
يمكن البدء في توحيد الإيرادات العامة في جميع المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة. إذ تحتفظ عدة مناطق غنيّة بالموارد -مأرب والمهرة وأجزاء من حضرموت -حاليًا بمصادر دخل على المستوى المحلي، متجاوزة الحكومة المركزية تمامًا. حتى في عدن، تعمل الهيئات الرئيسية المُدرّة للدخل، مثل ميناء عدن الذي يقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من القصر الرئاسي (معاشيق) والبنك المركزي، تحت رقابة محدودة، مما يقوّض التناسق المالي.
ومع الالتزام والخطوات الصحيحة من جانب الحكومة المركزية، ستكون -أيضًا -المحافظات النفطية الغنية على استعداد للانضمام إلى مثل هذا النظام، لأنها لا تستطيع تصدير النفط بنفسها. ولتنفيذ ذلك وكسب ثقة السلطات المحلية، يجب على الحكومة الالتزام بسياسة الـ 20 في المئة، التي تُلزم الحكومة المركزية بتخصيص 20 في المئة من عائدات أيّ محافظة تمتلك موارد طبيعية لتنمية المحافظة نفسها، بحيث تتمتع هذه المحافظات بالتنمية من عائداتها من النفط والغاز.
يجب إعطاء الأولوية القصوى لإصلاح أنظمة الضرائب والجمارك في اليمن. كانت الضرائب والرسوم الجمركية في الماضي من بين المصادر الرئيسية لإيرادات الدولة بعد النفط والغاز، لكنها انخفضت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. في السابق، ترأس رئيس الوزراء الحالي مصلحة الجمارك وما يزال يشغل منصب وزير المالية؛ هذا يمنحه فرصة نادرة -ويضع عليه أيضًا مسؤولية مضاعفة في نفس الوقت -للمضي قُدمًا في إصلاحات السياسات الضريبية والمالية. ورغم أنّ هذا قد ينطوي على بعض المخاطر السياسية، فإن أكبر المستفيدين من التهرب الضريبي والجمركي الحالي هم رجال الأعمال الأثرياء.
وبالتالي فإن هذه الخطوة قد لا تحظى بالكثير من الدعم الدولي، خاصة من المانحين الخليجيين، فحسب بل قد تكون أيضاً قرارًا يحظى بشعبيّة في أوساط المواطنين اليمنيين.
ومع ذلك، فإن حشد الإيرادات من دون ضمان الشفافية والمساءلة قد يؤدي إلى تعزيز استياء الشارع. فقد ظلّ اليمن من دون موازنة وطنية لأكثر من أربع سنوات، مما أعاق التخطيط المالي وقوّض ثِقة الناس (بالحكومة). وستكون إعادة تفعيل عملية الموازنة الرسمية وضمان الإفصاح العلنيّ عن النفقات خطوات حاسمة نحو إعادة بناء مصداقية الدولة.
الاستفادة من المغتربين اليمنيين وقنوات التمويل غير الحكومية
في ضوء تضاؤل المساعدات التي تقدّمها الدول، يجب على اليمن استكشاف مصادر تمويل بديلة. لا يزال المغتربون اليمنيون في الخارج جهة فاعلة واقتصادا حيويًّا غير مستغَلٍّ بقدرٍ كاف: في عام 2023، قُدِّرت التحويلات المالية بـ 6.7 مليار دولار، منها 2.5 مليار دولار من المملكة العربية السعودية، وفقًا لمسؤولين بالبنك المركزي اليمني في عدن. وبعد توقف صادرات النفط، تُشكل التحويلات الآن أكبر مصدر للدخل الخارجي لليمن.
بُغيّة توجيه هذه التدفقات بشكل أفضل، يجب على الحكومة اليمنية إعطاء الأولوية لإعادة تنشيط البنية التحتية المالية المحلية، ولا سيما الفروع الخارجية للبنك اليمني للإنشاء والتعمير. بصفته أول بنك في تاريخ الجمهورية اليمنية، لعب بنك اليمن للإنشاء والتعمير دورًا مهمًا في تسهيل تحويلات المغتربين إلى اليمن من خلال السماح لهم بإيداعها في فروعه بالخارج وسحبها من قِبل عائلاتهم أو شركاتهم في اليمن بسرعة نسبية وتكلفة منخفضة. ومن شأن ذلك أن يساعد أيضًا في التخفيف من تحديات الامتثال والمعاملات التي اشتدت عقب قرار الولايات المتحدة إعادة إدراج الحوثيين في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وفي حين أنّ هذه الفروع ستظلّ خاضعة للوائح البلد المضيف، فإنها -على عكس البنوك الأجنبية -تستطيع المخاطرة بتحويل الأموال إلى اليمن. ويتحاشى معظم البنوك الدولية إجراء تحويلات برقية إلى اليمن لأنّ المخاطر عالية مقارنة بالفوائد. وعلاوة على ذلك، يمكن استخدام هذه الأموال في الخارج بشكل فعّال في المعاملات التجارية من خلال السماح للمستوردين اليمنيين باستخدامها لاستيراد القمح والأدوية وغيرها من دون الحاجة إلى تحويلها من اليمن.
الإمكانات غير المستغَلة للتمويل المناخي
بالنظر إلى ما يتعدّى نماذج المساعدات التقليدية، قد يجد اليمن فرصة، وربما تكون الوحيدة، في أدوات التمويل المناخي الناشئة. إذ تُوفّر الالتزامات بموجب مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، ومؤتمر الأطراف الثلاثين القادم، منطلَقًا مُمكِنًا، ولكن مرة أخرى، فقط إذا تمكنت الحكومة من تلبية الحد الأدنى من معايير الشفافية والحوكمة.
نحو السيادة المالية
لم يعد النموذج المالي لليمن، الذي يعتمد على عائدات النفط المتقلِّبة وعمليات الإنعاش الخارجية، قابلًا للاستمرار. يجب على الحكومة اليمنية التحرك نحو نموذج للاعتماد المالي على الذات، يعطي الأولوية لتعبئة الموارد المحلية والشفافية وتنويع الموارد المالية.
إن إعادة بناء الأسس المالية للدولة من الداخل، ليس فقط السبيل الأكثر واقعية للمضي قدمًا، بل هو السبيلُ الوحيد المتاح. وفي غياب إصلاحات مُجدِية، تُجازف الحكومة بمزيد من التهميش وتفريغ قدراتها المؤسسية، وهو وضع يمكن أن يستغله الحوثيون بشكل أكبر.





