لماذا يجب على العراق تبنّي استراتيجية للاقتصاد الرقمي

أصبحت سوق تجارة التجزئة عبر الإنترنت في العراق أحد أسرع القطاعات غير النفطية نمواً. فقد نمَت حركة التجارة الإلكترونية نموّاً كبيراً خلال السنوات الخمس الماضية، وتتعامل تطبيقات طلب سيارات الأجرة والتوصيل مع ملايين الطلبات كل شهر، كما أصدر البنك المركزي أول ترخيص لبنك رقمي في البلاد.

وبالنسبة إلى الشباب العراقي، يُمثل الاقتصاد الرقمي منطلَقاً للإبداع وريادة الأعمال، ومساراً للتوظيف. غير أنّ السياسات العامة ما زالت تنظر إلى النمو على أنه خيار ثنائيّ بين الزراعة والصناعة.

إنّ التعامل مع الاقتصاد الرقمي باعتباره ركيزة مستقلة للتنمية الوطنية أمر ضروري؛ فمِن دون ذلك، سوف تستمر المنصات الأجنبية والشركات الناشئة المدفوعة بالحاجة، في جني الأرباح من دون خلق فرص عمل كافية ومُجدية. ويمكن لاستراتيجية متماسكة للاقتصاد الرقمي، ترتكز على تحسين الحوكمة والاستثمار الهادف والشراكات الدولية، أن توجّه الأنشطة الرقمية التي يقودها الشباب نحو إيجاد باعثٍ للتنويع يتّسم بالمرونة ومراعاة البيئة والشمول.

الشباب والشركات الصغيرة والمتوسطة ومهمة توفير فرص العمل

تنطوي التركيبة السكانية في العراق على تحدٍّ وفرصةٍ في آن معاً. ذلك أنّ أعمار ما يزيد على 60 في المئة من العراقيين تقلّ عن 25 عاماً، إلّا أنّ نسبة البطالة بين الشباب تتجاوز رسمياً 35 في المئة. ومع تراجع فرص العمل في القطاع الحكومي، أخذ رواد الأعمال الشباب يشقّون طريقهم الخاص في الاقتصاد الرقمي. وتُظهر المنصات المحلية مثل مسواق وديجيتال زون، اللتين استحوذت عليهما مجموعة كِي Qi Group، أنّ الشركات الناشئة التي يقودها الشباب يمكنها تحقيق النجاح. كما تتوسّع مشاريع مثل (ليزو Lezzoo)، و(آي كيو كارز IQ Cars)، و(جميلة دوت كوم Jaamila.com)، و(أوردري Orderii)، و(ويل Wayl)، و(دوفايد Dofied)، و(1001)، و(سليم Saleem)، و(كورسي Corrsy) في مجالات التجارة الإلكترونية واللوجستيات والتكنولوجيا المالية والصناعات الإبداعية.

ورغم إقبال الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة على التكنولوجيات الرقمية، لا تزال هناك ثلاثة عوائق تتمثّل في ضعف البنية التحتية؛ وعدم استقرار اللوائح التنظيمية مع التغييرات المباغتة؛ وعدم فعالية حماية المستهلك وتطبيق القوانين، مما يقوّض الثقة. وتزيد محدودية التمويل من هذه القيود؛ إذ تطلب البنوك ضمانات نادراً ما تمتلكها الشركات الصغيرة والمتوسطة. وما لم تُذلَّل هذه العقبات، فإن الطفرة الرقمية ستوجِد قيمة ولكن من دون أن تخلق وظائف كافية، مما سيؤدي إلى تفاقم الإحباط الاجتماعي.

زخمٌ بدون خريطة

تدفع طلبات المستهلكين وأنشطة ريادة الأعمال بزخمٍ تصاعديٍّ في الاقتصاد الرقمي. وقد بدأت تظهر صناديق رأس المال المُخاطر في مجالات التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا التعليمية واللوجستيات، مما يشير إلى الثقة في المواهب العراقية. إلّا أن تكوين رأس المال لا يزال متأخراً، فوفقاً لتحليل أجرته شركة الاستثمار ومضة كابيتال، تشير التقديرات إلى أنّ الشركات الناشئة العراقية جمعت 2.6 مليون دولار فقط من خلال 10 صفقات في عام 2024، مقابل 15 مليون دولار في الأردن، و334 مليون دولار في مصر، و700 مليون دولار في المملكة العربية السعودية. وفي حال كانت هذه الأرقام دقيقة، فهذا يعني 0.06 دولار للفرد في العراق، مقابل 1.3 دولار في الأردن، و3.1 دولار في مصر، و18 دولاراً في المملكة العربية السعودية، حسب الترتيب.

لكن من المستفيد من هذا التفاوت؟ “التطبيقات الفائقة” الدولية أو الإقليمية، والتكتلات المحلية الكبيرة التي يمكنها التعامل مع الرسوم المخصصة والوزارات التي تجبيها. ومن الخاسر؟ مؤسِّسو الشركات العراقية الناشئة ومستثمرو رأس المال المُخاطِر المحليون الذين أُجبروا على التأسيس في الخارج، وهيئة الضرائب، وهو ما يتسبب بخسارة الثروة القائمة على الإنصاف وخلقِ فرص العمل. وتدلُّ هذه التحديات على فجوة أعمق في الحوكمة.

تشتُّت الإدارة ونقص الحوافز

يُعاني العراق من التشتُّت في الإشراف على “التحول الرقمي”. إذ تقود وزارة الاتصالات مشاريع البنية التحتية والأتمتة؛ وتقوم هيئة الإعلام والاتصالات بتنظيم خدمات الاتصالات والبيانات؛ وتروِّج وزارة التجارة لمنصات التجارة الإلكترونية؛ ويشرف البنك المركزي على المدفوعات الرقمية؛ وتتدخل اللجان البرلمانية والأمانة العامة لمجلس الوزراء في القوانين، مما يؤدي إلى تداخل الاختصاصات. ولا توجد جهة واحدة تحدد الأهداف، أو ترتّب الإصلاحات، أو تقيس التقدم المحرز. ونتيجة لذلك، تواجه الشركات تعليماتٍ متضاربة وزيادات مفاجئة في الرسوم وخليط من الإعفاءات. وبينما يمكن لتاجر التجزئة إنشاء متجر على إنستغرام في يوم واحد، فإنّه يحتاج إلى تقديم معاملاتٍ ورقية لتسجيل شركته.

وما تزال سياسة الحكومة تنظر إلى النمو على أنه الزراعة أو الصناعة، وتُعامِل “التحول الرقمي” بشكل أساسي على أنّه تحديث للخدمات. وهذا المنظور يُهمّش الاقتصاد الرقمي بكونه مصدراً للنمو وإيجادِ فرص العمل. وبافتقاره إلى ركيزة رقمية واضحة، يتجاهل إطار السياسة العراقية أربعة عوامل أساسية للابتكار.

الأول هو الأساس القانوني لرأس المال الاستثماري. إذ يجب على الصناديق أن تُسجَّل كشركات ذات مسؤولية محدودة عامة، مما يقيّد جمع الأموال من الخارج، ويمنع استخدام نماذج الشريك المحدود، ولا يتيح إعفاءات الأرباح أو آليات الخروج المنظّم. وبناءً على ذلك، تختار العديد من شركات رأس المال المُخاطر التسجيلَ في سوق أبوظبي العالمية.

والثاني هو الحوافز. فقد صُمم إطار قانون الاستثمار ليكون ملائماً للمناطق الصناعية والمصانع. كما أن القوانين الحالية تستبعد المُصدِّرين الرقميين وتتجاهل المِلكية الفكرية أو البرمجيات في ما يتعلق بالحوافز الضريبية.

أمّا العامل الثالث فهو أدوات حقوق الملكية للمؤسسين. فمِن دون تنظيم خيارات الأسهم أو بنود الملاذ الآمن، لا يمكن للشركات الناشئة العراقية أن تُقدم حُزم أسهم ذات قيمة لجذب أفضل المواهب أو الحفاظ عليها، لا سيما في ظل المنافسة مع مراكز التكنولوجيا الإقليمية.

وأخيراً، يُبقي هذا الإطار على دورٍ ملتبس للحكومة: فالجهات المملوكة للدولة تدخل بشكل متزايد في مجال التكنولوجيا الاستهلاكية (أحياناً كجهات تنظيمية، وأحياناً كمنافسين)، مما يطمس الحدود الفاصلة بين المُيسّر والمنافس، ويثبّط الفاعلين من القطاع الخاص ويُضعف المنافسة.

ومِن دون تغيير قانوني وتنظيمي مدروس، ستبقى الشركات الرقمية الواعدة في مناطق رمادية قانونياً، مما يجعلها محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمستثمرين ومفككة للغاية بحيث يتعذّر توسيع نطاقها.

فرصة سانحة إذا تحركت السياسة سريعاً

وللمفارقة، فإنّ تأخُّر العراق في هذا المجال يمكن أن يكون ميزة لصالحه. فمع وجود أنظمة تكنولوجيا معلومات قديمة محدودة، يمكن للحكومة أن تعتمد، مِن دون تحولات مكلفة، خدمات عامة تعتمد على استخدام الأجهزة النقّالة أولاً، وتستخدم الأنظمة الداعمة السحابية، وتنشر شبكات صغيرة متجددة للحفاظ على البنية التحتية الرقمية، مثل مراكز البيانات، مما يقللّ من الاعتماد على الشبكة الوطنية غير المستقرة في العراق.

وتُظهر الدول المجاورة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، أنه عندما تتوافق السياسات والبنية التحتية، يمكن للحكم الرقمي والابتكار في مجال التكنولوجيا المالية والخدمات الإلكترونية أن تُحدث تحولاً في قدرات الدولة وتجذب الاستثمارات.

إذ تستهدف المملكة العربية السعودية تحقيق نحو 19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من الاقتصاد الرقمي بحلول عام 2025، ولدى كل من الأردن والمملكة العربية السعودية بيئات اختبار للتكنولوجيا المالية. وعلى النقيض من ذلك، لا يوجد للعراق هدف رسمي في ما يتعلق بنصيب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الناتج المحلي الإجمالي، ولا تزال بيئة الاختبار التابعة للبنك المركزي قيد التطوير. ويؤدي كلّ شهر من التخبط في السياسات إلى خسارة حصة سوقية لصالح الشركات الأجنبية القائمة وتوسيع فجوة الاستثمار. وإذا جرت مواءمة السياسات بسرعة، يمكن للعراق أن يقفز إلى بنية تحتية حديثة منخفضة الكربون مع التنويع بعيداً عن النفط.

حوكمةٌ من أجل النمو الرقمي

وبُغية تحويل الزخم الرقمي العراقي الذي يقوده الشباب من أسفل إلى أعلى إلى نموٍّ اقتصادي شامل، ينبغي أن تُنشئ الحكومة مجلساً للاقتصاد الرقمي يتولّى وضع الاستراتيجيات والموافقة على الميزانيات ونشر مؤشرات الأداء الرئيسية. وينبغي أن يرأس المجلس رئيس الوزراء وأن يضمّ ممثلين عن الوزارات المعنية والقطاع الخاص ومراكز دعم ريادة الأعمال والشبكات التجارية الصغيرة والمتوسطة وتلك التي يقودها الشباب، لضمان أن تعكس السياسات الموضوعة الأولويات المؤسسية وواقع السوق. وينبغي أن تركز مهام المجلس على النتائج الاقتصادية للتحول الرقمي، وليس فقط على التحديث التقني.

بالتوازي مع ذلك، يتعيّن على الحكومة سنّ قوانين تحكم قواعد اللعبة من خلال تشريع وإنفاذ قوانين حماية البيانات والتوقيع الإلكتروني والأمن السيبراني. كما يتعيّن عليها تسريع إطلاق منصة البنك المركزي للتكنولوجيا المالية لتشجيع التجارب والابتكارات الآمنة.

ومن المهم بنفس القدر معالجة الفجوة في رأس المال البشري ونقص الحوافز للابتكار. وينبغي إدراج مبادرة وطنية لتعليم القراءة والكتابة الرقمية في المدارس والجامعات، مع اضطلاع الأوساط الأكاديمية بدور محوري في تصميم المناهج الدراسية وتحديث أساليب التدريس ومواءمة البحوث مع احتياجات الاقتصاد الرقمي الناشئ. وينبغي إدخال إعفاءات ضريبية محددة المدة ومِنَح مماثلة للشركات الناشئة التي تصدِّر الخدمات الرقمية.

وفي وسع الشركاء الدوليين أيضاً أن يضطلعوا بدور محوري في تسريع التحول الرقمي في العراق. إذ يمكن أن تساعد الضمانات المالية المختلطة من البنوك الإنمائية المتعددة الأطراف في تقليل مخاطر الاستثمارات في البنية التحتية وجذب رأس المال الخاص إلى مشاريع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحيوية. ويمكن لبرامج ”التوأمة“ التنظيمية أن تسرّع من تطبيق الممارسات الفضلى وإرشاد المسؤولين العراقيين.

كما يمثل العراقيون في الشتات مورداً قيّماً، إذ يمكن لصناديق الاستثمار المدعومة من الشتات أن توجّه رأس المال والخبرة إلى الشركات الناشئة في مراحلها الأولى، مما يعزز الروابط بين المبتكرين المحليين والأسواق الدولية. وينبغي أن توائم برامج المانحين دعمها مع مؤشرات الأداء، وتكافئ التقدم الملموس في مجال الاتصال والأمن السيبراني وإضفاء الطابع الرسمي على الشركات الصغيرة والمتوسطة بدلاً من تمويل مشاريع تجريبية منعزلة.

ومن شأن هذه الخطوات مجتمعة أن تحوّل النهج المخصص الحالي للرقمنة إلى ركيزة رقمية للتنمية الوطنية قائمة على القواعد وشاملة ومولّدة لفرص العمل.