مع اقتراب كل موسمٍ انتخابي، وترافقاً مع امتلاء الجدران واللوحات الإعلانية في شوارع المدن العراقية بصور المرشّحين والعبارات الرنانة، تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي العراقية بصورٍ تظهر فيها عطايا باهتة يوزعها المرشحون كجزءٍ من حملاتهم الانتخابية. قد تكون تلك العطايا سلةً غذائية مغلفةً ببطاقة تضع صورة هذا المرشح، أو أغطيةً (يصطلح عليها محلياً “بطانية“) كتب على غلافها اسم تلك المرشحة – في حال كان الموسم الانتخابي قريباً من أجواء الشتاء الباردة. يتفاعل الناس غالباً بغضبٍ مع تلك الصور عادّين تلك العطايا استغفالاً وتقليلاً لقيمة أصواتهم الانتخابية، في ظل غياب البرامج الانتخابية الفاعلة.
لطالما كانت الحملات الانتخابية في العراق فرصةً لتكريس أنماط الزبائنية السياسية، إذ يروّج المرشحون لأنفسهم بالوعود المرتبطة الغالبة بالخدمات عوضاً عن البرامج الانتخابية المتعلقة بوظيفتي العمل البرلماني الأهم: التشريع والمساءلة. يساعد المرشحين في هذا النوع من الترويج حاجةُ فئةٍ عظمى من الناخبين للخدمات الأساسية.
لقد تراجعت الوظيفتان التشريعية والرقابية لمجلس النواب العراقي تراجعاً ملحوظاً خلال الدورات الأخيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يُسجَّل خلال الدورة النيابية الخامسة (2021–2025) سوى ثلاث حالات استجواب رسمية نفّذ منها اثنان فقط لاستجواب مسؤولين تنفيذيين، رغم تصريح بعض النواب بوجود عددٍ يربو على ٢٠ ملفاً من ملفات الاستجواب المعطلة المقدمة من الأعضاء الى رئيس المجلس.
معالجة هذه المشكلة تتطلب حزمة شاملة من الإصلاحات تستهدف النظام السياسي عبر ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وكذلك العمل الفني للبرلمان من خلال وضع القواعد اللازمة لتنفيذ هذه التدابير بفعالية، بما يعيد ترسيخ دور البرلمان كمحرّك للحكم الخاضع للمساءلة.
صفقات بدل الإصلاحات
وعلى المستوى التشريعي، فقد أُقرّت عشرات القوانين، إلا أن نسبةً قليلة منها تتعلق تعلقاً مباشراً بمصالح المواطنين – كقانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية – في حين بقيت القوانين الهيكلية الكبرى كقانون المحكمة الاتحادية أو قانون النفط والغاز – المؤجّل منذ ٢٠٠٨ – أو قانون الضمان الصحي، قيد التعليق والتناسي. حملت بعض القوانين التي أقرت خلال هذه الدورة طابعاً فئوياً لاسترضاء جماهير محددة على أساس طائفيٍ أو مناطقيٍ أو قومي، كما في قانون العفو العام وقانون الأحوال الشخصية وقانون إعادة العقارات (والتي جرى التصويت عليها في سلةٍ واحدة).
يقودنا البحث في أسباب هذا التراجع في العمل النيابي إلى النخب الحاكمة في العراق، التي صمّمت نظاماً يضمن إفلاتها من العقاب، ويقوم على برلمان أُضعف عمداً. ونتيجة لذلك، ينشغل العديد من النواب بأدوار زبائنية “خدمية” لا تكاد ترتبط بوظائفهم التشريعية والرقابية.
النواب “المعقبّون“
يندفع أعضاء مجلس النواب في كثيرٍ من الأحيان لأخذ دورٍ يكاد يكون مشابهاً لدور وسيط الخدمات (Service Broker) او ما يعرف في الأوساط العراقية بـ “المعقّب”، فتراهم يتابعون تسيير معاملات الأفراد محولّين مكاتبهم إلى محطاتٍ يجد فيها المراجعون مكاناً لإكمال معاملاتهم سواء كانت تعييناً في وظيفةٍ حكومية او تقاعداً أو سفراً وقد تصل أحياناً لما يخالف القانون كتحويل سيارةٍ حكومية للاستخدام الشخصي، أو تغييراً لجنس عقارٍ ما، لما يخدم مصالح فردية عوضاً عن الصالح العام. يعكس هذا التحول خللاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمواطن، مرسّخاً رأياً عاماً عن فشل دوائر الدولة الرسمية في إكمال معاملات المواطنين وتوفير الخدمات لهم دون وساطة أو ضغوط.
لا تحدث ظاهرة تحوّل النوّاب إلى وسطاء في العراق فحسب، بل سُجّل وجود حالاتٍ مشابهة في العديد من الدول الديمقراطية، كاليونان وأسبانيا وتركيا وبعض الدول الآسيوية. تظهر دراسة هذه النماذج أن الأدوار الخدمية لم تُلغِ أو تُعطّل الوظائف الدستورية للبرلمانات، بل جرى تنظيمها ضمن منظومة مؤسساتية تُوازن بين تمثيل المواطنين وتقديم الخدمات، فعلى سبيل المثال، تعالج جلسات Meet-the-People Sessions (MPS) الدورية التي يعقدها البرلمانيون في سنغافورة مع ناخبيهم، العديد من المشاكل الشخصية المتعلقة بالإسكان والتوظيف والعمل ولكن بإطار مؤسساتي يرسّخ قوة الدولة. أما في الحالة العراقية، فإن اختلال التوازن وصل إلى حدّ تغليب الدور الخدمي والوساطي بشكل يكاد يفرّغ مجلس النواب العراقي من محتواه الدستوري، ويُضعِف قدرته على ممارسة الرقابة وسنّ التشريعات التي تصب في الصالح العام.
لا تقتصر ظاهرة “النائب المعقّب” في العراق على حملاتٍ فردية، بل تحولت إلى أسلوب انتخابي واسع الانتشار، خاصة في المناطق التي تعاني من الفقر ونقص الخدمات الأساسية والتي يجد فيها الناخب نفسه مضطراً للتصويت لمن يحل مشاكله الآنية عوضاً عمّن يمثله سياسياً. لا يعكس هذا التوجّه قصوراً في فهم المواطن للدور التشريعي الذي يفترض بالنائب أداؤه، لكن التشوّه الذي يعاني منه النظام السياسي الحالي والطريقة الانتقائية التي تدار بها الخدمات العامة تجعل “النائب المعقّب” الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام المواطن لتجاوز حلقات البيروقراطية المعطّلة أو الابتزاز الإداري، وهو ما يُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها السياسي الحقيقي، ويحصرها في منطق المقايضة اليومية.
الحد من ظاهرة “النائب المعقّب“ سبيلاً لترصين العمل النيابي
لا يمكن إلقاء جلّ اللوم على النواب في تفشي ظاهرة “الوساطة”، بقدر ما يجب مساءلة منظومة الخدمات العامة والتي تدفع المواطن قسراً للبحث عن نافذةٍ غير مؤسساتية للحصول على حقوقه. إن تقنين العمل النيابي وتفكيك دور “الوسيط” لا يتأتّى بالعقوبات أو التشهير، بل ببناء الدولة من الداخل، وتعزيز ثقافة الحقوق والواجبات، وتكريس العدالة المؤسسية بدل العدالة الفردية. يحرّر المشرّع المؤسسات من الضغط حين يمارس مهامه الدستورية الأصلية، ويُعيد الثقة بالديمقراطية كوسيلةٍ لا كواسطة.
وكما ذكِر أعلاه، فإن ضعف الأداء التشريعي لا ينتج فقط من سلوك الأفراد فقط، بل من كون صناعة السياسات في العراق تجري خارج البرلمان عبر قنوات حزبية وشبكات نفوذ اقتصادية وإدارية غير رسمية، لذلك يُدفَع النائب إلى دور الوسيط لأن أدوات التأثير في القرار الحقيقي ليست بيده، واللجان تتحول إلى غرف تمرير لما يتفق عليه مسبقاً، وأي محاولة جدية لتحويل مركز صنع القرار إلى المؤسسة التشريعية تُواجَه بالاستيعاب السياسي أو الإقصاء أو التعطيل الإداري والقضائي.
التوصيات
وفي سبيل إيجاد حلولٍ سياساتية ناجعة للتعامل مع هذه الظاهرة يجب أولاً تعديل مدونة السلوك النيابي الحالية، والتي تتعلق بنودها بسلوك النائب داخل قبة البرلمان فقط، لتشمل بنوداً واضحة ترسم حدود العمل النيابي وتمنع تجاوز دور النائب إلى وسيط. يمكن لأعضاء مجلس النواب العراقي أيضاً إنشاء وحدات خدمات مدنية مستقلة داخل مكاتبهم، يديرها موظفون حكوميون يرتبطون مباشرةً بمؤسسات الدولة المعنية بالخدمة (كدوائر التقاعد أو الخدمات العامة). سيساهم ذلك في فصل الدور التشريعي عن الخدمي ومأسسة الأخير وتقنينه.
أيضاً قد تساهم رقمنة الخدمات الحكومية وأتمتها أتمتةً كاملة بتحجيم ظاهرة النائب المعقّب، اذ تقلّل الحوكمة الإلكترونية للمعاملات اليومية حاجة المواطن إلى “وسيط بشري” لتسيير معاملاته. يتطلب تحقيق هذا الهدف عملاً نيابياً حقيقياً في إقرار تشريعاتٍ تسهّل الانتقال الرقمي للخدمات. أيضاً قد تعمل برامج التثقيف السياسي الموجّهة للناخبين – بإشراف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والمجتمع المدني – على تحويل دور النائب في ذهن المواطن من “معقب معاملات” إلى “مشرّع ومراقب” مهمته تشريع القوانين ومراقبة عمل السلطة التنفيذية، كما يجدر بالنائب أن يكون.
إحدى التوصيات السياساتية العملية التي قد تقرّب دور مجلس النواب العراقي من واقع صنع القرار، هي فرض مسارٍ مؤسسي ملزم لصنع السياسات، يبدأ بنشر أوراق سياسات أولية من الحكومة قبل تشريع القوانين والموازنات، يتبعها جلسات استماع علنية إلزامية في اللجان، مع ردودٍ حكومية تسلَّم بإطارٍ زمنيٍ محدد. كما يوصى بإنشاء وحدةٍ مستقلة لتحليل الأثر التشريعي والموازناتي ترتبط مع جميع اللجان وترفع تقاريرها للعلن، إلى جانب سجل شفافية لاجتماعات النواب مع الجهات التنفيذية والحزبية، وحماية قانونية للمبلغين والنواب والكوادر الفنية من الانتقام.
بتنفيذ هذه الحزمة من التوصيات يمكن للنائب أن يكون ممثلاً ومشرعاً ومراقباً حقيقياً، لا معقّب معاملات، وبهذا يستعيد مجلس النواب شيئاً من قدرته على توجيه القرار العام وفق قواعد واضحة، لا وفق وساطات غير رسمية.




