في 5 يوليو/ تموز، احتفلت الجزائر بمرور 63 عاماً على استقلالها بعد 132 عاماً من الحكم الاستعماري الفرنسي. وتؤكد التسمية الرسمية للذكرى السنوية – “يوم الاستقلال والشباب” – العلاقة الرمزية والتاريخية بين تطلعات الجزائريين بعد استعادة سيادتهم، ودور الشباب في التنمية الوطنية. وقد كان الشباب، الذين يمثّلون ما يقرب من 70 في المئة من السكان، محور الخطاب والسياسات الرسمية للدولة نظرياً، إذ أُنشِئت مؤسسات متخصصة ومبادرات اقتصادية باسمهم. لكن في الواقع، تفاقمت مشاعر الإحباط من “جيل الثورة ” الأكبر سناً. وفي عام 2019، لعب شباب الجزائر دوراً حاسماً في حركة الاحتجاج “الحَراك” التي أنهت حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استمر لعقدين من الزمن، مما أجبر الدولة على إيلاء اهتمام أكبر لهموم الشباب.
بعد مرور أكثر من خمس سنوات، لم يتحقّق سوى جزء من الوعود التي قطعها “الحراك”. ويجب على الجزائر المضي قدماً في إصلاحات هادفة تستفيد من قدرات الشباب وتمكّن من إدماجهم سياسياً واجتماعياً واقتصادياً . أمّا الاستمرار في النُهج المتّبعة حالياً، فلن يؤدي سوى إلى تفاقم مظالم الشباب وأزمة هجرة الأدمغة. ورغم وجود رغبة في التغيير لدى الطبقة السياسية، إلاّ أن الجهود الرامية إلى تمكين الشباب ما زالت تصطدم بانعدام الثقة بين المواطنين والقيادة، ومقاومة البيروقراطية للتغيير، وبالأجواء الاجتماعية والسياسية التي لم تحقق إلى الآن تطلعات عام 2019.
إحباط الشباب وردود فعل الدولة
كان غياب الرئيس بوتفليقة عن الحياة العامة بعد عام 2013، ومحاولة المقربين منه فرض ولاية خامسة، من العوامل الرئيسية التي دفعت الشباب إلى المشاركة في حركة الاحتجاجات عام 2019. غير أنّ مظالمهم آنذاك كانت أعمق من مجرّد هذه المسألة، إذ كانت تتعلق بالإقصاء الممنهج من عملية صُنع السياسات، واحتكار “جيل الثورة” الأكبر سناً للقرارات الاستراتيجية، ما أدّى إلى تهميش أصوات الشباب. وعلاوة على ذلك، فإن الرؤية الاقتصادية التي ركّزت على المشتقات النقطية في عهد بوتفليقة، تجاهلت إمكانات الشباب الجزائري واستبعدتهم من خطط التنمية وإستراتيجيات الاستثمار.
وفي ظل إدارة الرئيس عبد المجيد تبون، سعت السلطات إلى توجيه المطالب الشعبية نحو هياكل الدولة ومؤسساتها وسياساتها من خلال اقتراح رؤية تدمج إشراك الشباب . وقد أسفرت هذه المساعي عن إنشاء المجلس الأعلى للشباب، وهو هيئة استشارية حكومية تمثل احتياجات الشباب، وفتح مجال محدود لجيل جديد من السياسيين الشباب في البرلمان والمجالس المحلية. وعلى الصعيد الاقتصادي، زادت الحكومة استثماراتها في الابتكارات والشركات الناشئة التي يقودها الشباب، وعدّلت اللوائح التجارية الصارمة لتسهيل تطوير مشاريع جديدة، ومنحت تدابير حماية اجتماعية وقانونية خاصة لرواد الأعمال الشباب. وقد استُكملت هذه الجهود من قِبل شركاء دوليين قدّموا التمويل وكذلك التبادلات العلمية والتعليمية والتجارية لدعم الشباب الجزائري.
المشاركة السياسية والدعوة إلى النقاش المفتوح
ولئن كان هذا التقدم جدير بالترحيب، إلّا أن الدولة لم تدخل بعد في نقاش مفتوح مع الشباب في شأن مستقبل نموذج الحكم في الجزائر. فقد تجاوز الشباب الجزائري منذ عام 2019 انتقاد العقد الاجتماعي السائد بعد الاستقلال، إلى التعبير عن دعمهم لبدائل أقلّ مواجهةً، بدءاً من زيادة المشاركة في المؤسسات السياسية، وصولاً إلى المبادرات الاقتصادية التي تُطالب بالمساءلة. ورغم الطبيعة المغلقة للمؤسسة الجزائرية، فقد أظهر الشباب قدرةً على تجاوز القيود باستخدام أدوات جديدة، مِثل وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل الانخراط في النقاش العام. وعلى رغم المخاطر القانونية والسياسية المرتبطة بالنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، يواصل نشطاء المجتمع المدني الشباب والشخصيات السياسية حَمل شُعلةِ انتفاضة فبراير/ شباط 2019، والدفع نحو الحكم الشامل وسيادة القانون.
غير أنّ محاولات إحياء النقاش السياسي غالباً ما تصطدم بالمناخ السياسي والإعلامي الضيّق في الجزائر، بالإضافة إلى تنامي الخطاب الشعبوي في وسائل الإعلام والخطاب السياسي. لذلك، يظل النشاط عبر الإنترنت محدوداً من ناحية النطاق والحجم، حيث يركز العديد من الشباب على المشاركة في موضوعات اقتصادية واجتماعية أقل حساسية. ويتجه الشباب الجزائري بشكل متزايد إلى مشاريع خاصة وشركات ناشئة من أجل التأثير في التنمية الاقتصادية. وقد سُلّط الضوء على التنويع الاقتصادي باعتباره مطلباً رئيسياً لحركة الاحتجاجات في عام 2019، إذ أدرَك العديد من الشباب الجزائري أن السلطة السياسية ليست شرطاً أساسياً لتشكيل المسار الاقتصادي للبلاد. وتحتضن الجزائر اليوم ما يقارب 700 شركة ناشئة نشطة – و9000 شركة مسجلة – في مجالات مثل التكنولوجيا والأعمال الإلكترونية والخدمات والتأثير الاجتماعي، وفقاً لتقديرات مستقلة. علاوة على ذلك، فإن الحاجة إلى إحراز تقدم في الأولويات الوطنية، من تغيّر المناخ وانتقال الطاقة، إلى إحياء الصناعة، تحفز المهندسين والمبتكرين والتقنيين الشباب على تصميم مشاريع في مجالات تحلية المياه ومحطات الطاقة الشمسية ومراكز البيانات ومصانع السيارات، من بين أمور أخرى. كما تستقطب هذه الجهود مساهمات من الجالية الجزائرية في الخارج، التي يشارك أفرادها معارفهم وخبراتهم، من خلال المؤسسات الحكومية، وضمن مبادرات فردية ومبادرات يقودها المواطنون، ويعملون تدريجياً على إقامة جسر تقني بين الجزائر وبلدان إقامتهم.
إشراك الشباب في مستقبل العقد الاجتماعي للجزائر
وعلى رغم الدعم المقدّم من السلطات الجزائرية والشركاء الدوليين، فإن الوعود التي قُطِعت خلال انتفاضة عام 2019 لم تتحقق بعد. ومع ذلك، فإن الزخم الحالي الذي تشهده البلاد، مدفوعاً بعزيمة الشباب في مرحلة حاسمة من تاريخ الجزائر، يخلق مجالاً لتغييرات سياسية هادفة تضمن المشاركة السياسية والتمكين الاقتصادي. ويمكن للسلطات الجزائرية أن تبدأ بتشجيع مشاركة الشباب في عمليات صنع القرار، بما في ذلك من خلال تيسير مزيد من الانفتاح على النقاش عبر الإنترنت. وينبغي أن تكون الأولوية هي زيادة تمثيل الشباب في المناصب الانتخابية – لا سيما قبل انتخابات الجمعية الوطنية الجزائرية في عام 2026. ويمكن أن تركز الجهود على تيسير زيادة تمثيل الشباب في الأحزاب السياسية، وإسناد المزيد من المسؤوليات للشباب الذين يشغلون مناصب في مؤسسات الدولة، وبالتالي تحفيز الآخرين على أن يحذوا حذوهم. وبعيداً عن السياسة، يجدر بالسلطات الاستثمار في المشاريع الاقتصادية التي يقودها الشباب، ودعوة هؤلاء الشباب، بما في ذلك أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، إلى حوار وطني بشأن الإستراتيجية الاقتصادية طويلة الأجل.
وبتوجيه القيادة الجزائرية وإشرافها، ستتيح هذه الخطوات في نهاية المطاف لشباب الجزائر المساعدة في إعادة صياغة العقد الاجتماعي للبلاد. لقد كانت انتفاضة 2019 إشارةً مبكرة إلى أنّ نموذج حُكم ما بعد الاستقلال قد انتهى. وسوف يكون استقرار الجزائر وازدهارها في المستقبل رهناً بقدرة المؤسسة السياسية والجيل الشاب على العمل معاً من أجل إحداث تحوّلٍ تدريجيّ وغير رسميّ الطابع. لقد شرَع الجزائريون في إحداث تغييرات عميقة في السياسة والاقتصاد والمجتمع منذ عام 2019 – وفي ظروف مستقرة وسلميّة مقارنةً بالمنطقة برُمّتها. إلّا أن التحدي الذي يواجه جميع الأطراف الفاعلة، ولا سيّما الشباب، سيكمن في إعادة هيكلة البِنية في بلدهم بنحوٍ لا يمسُّ الخطوط الحمراء التاريخية للجزائر فيما يتعلق بصَون سيادتها واستقرارها، والحفاظ على العدالة الاجتماعية، بالتماشي مع معايير صنع السياسات الفعالة والديمقراطية.




