سيكون الفشل مصير المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة ما لم تكن هناك رؤية سياسية لفلسطين

This article is available in English here

ليست الفكرة الأساسية المتمثلة في تشكيل لجنة تكنوقراطية محلية مدعومة من الأطراف المعنية الدولية والإقليمية بالفكرة المستَغرَبة. لكن عدم تحديد المسؤوليات لا يبشّر بالخير.

في الوقت الذي تعلن فيه الإدارة الأميركية عن بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، فإن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة.

لقد قُتل أكثر من 450 من سكان غزة منذ بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر. وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف القطاع، ولا تزال حماس تحتفظ بسلاحها، وما تزال الظروف الإنسانية مُزرية.

وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل الضمّ الفعلي للأراضي التي تحتلها في الضفة الغربية من خلال توسيع المستوطنات، وتَسبَّب عنف المستوطنين المتطرفين في إحداث فوضى في الحياة اليومية.

وفي كلا المنطقتين، ترتبط الحاجة الملحّة للأمن بالأولوية الأشمل المتمثلة في بلوَرة رؤية سياسية لفلسطين. وفي الواقع، فإن الركائز الأساسية لخطة وقف إطلاق النار، وكذلك الآمال في تحقيق استقرار إقليمي أوسع نطاقاً، سوف تبوء بالفشل مِن دون وجود رؤية سياسية ومسار جدير بالثقة لتحقيق تقرير المصير الفلسطيني.

ما هي الأدوار المسندة؟

تتألف المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حتى الآن من إعلانات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ثلاثة مستويات من المؤسسات التي ستشرف على إدارة غزة، وهي: مجلس السلام، برئاسة ترمب، ويتألف من رؤساء دول مدعوّين، ويدعمه مجلس تنفيذي، ومجلس تنفيذي خاص بغزة؛ يتألف من أفراد الدائرة المقربة من ترمب، ومسؤولين إقليميين، ودبلوماسيين دوليين، ورجال أعمال؛ ولجنة تقنية من فلسطينيين غير منحازين سياسياً بهدف قيادة عملية الانتقال في غزة يرأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط السابق، الذي وقع عليه الاختيار لخبرته في مجال التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار.

وليست الفكرة الأساسية المتمثلة في تشكيل لجنة تكنوقراطية محليّة مدعومة من الأطراف المعنية الدولية والإقليمية بالفكرة المستَغرَبة في حدّ ذاتها، لكن عدم تحديد المسؤوليات، والتغيّر المستمر في العلاقات بين الهيئات المقترحة، لا تُبشّر بالخير من ناحية تيسير الفاعلية الفلسطينية أو معالجة القضايا الصعبة.

علاوة على ذلك، فإنّ العضوية المقترحة للّجان الدولية – من دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمجلس السلام، إلى اختيار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لعضوية كِلا المجلسين التنفيذيين – تجعل معظم الفلسطينيين يخشون من دورة أخرى من التدخل الخارجي المفرط مع تمثيل محدود لمصالحهم. وحتى ضمّ ترمب لدبلوماسيين أتراك وقطريين إلى المجلس التنفيذي لغزة – وهو قرار تسبّب في خلاف كبير مع نتنياهو – لا يبعث على الارتياح، لأنه يعني أن في وسع اللاعبين الإقليميين التحدث باسم فلسطين.

وعلى رغم استحواذ مجلس السلام على عناوين الأخبار، فإنّ الهيئة التكنوقراطية – المعروفة رسمياً باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) ، هي التي ستكون محطّ أنظار الكثير من الفلسطينيين من بين الهيئات الثلاث.

فأولاً وقبل كل شيء، سوف تتولى اللجنة مهمة استعادة الخدمات الأساسية لسكان غزة، مثل المياه والرعاية الصحية والكهرباء والتعليم. وعلاوة على ذلك، بصفتها الكيان الوحيد في الترتيب الجديد، الذي يتألف من أعضاء فلسطينيين، ستلعب اللجنة الوطنية لإدارة غزة دوراً حاسماً في إعادة مركَزة القيادة الفلسطينية في القطاع، حتى في ظل استمرار التساؤلات عن مدى الرقابة من جانب الهيئات الأخرى التي تقودها الأطراف الدولية.

حماس وعباس

في الواقع، رغم أنّ كلّاً من حماس والرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أيّدا اللجنة، إلا أنّه من غير الواضح ما إذا كانت اللجنة ستحظى بشرعية واسعة النطاق، إذ لا يزال العديد من الفلسطينيين متشككين في استقلاليتها. ويخشى آخرون من أن النهج التكنوقراطي قد يعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية والاستثمار الخارجي على حساب القضايا السياسية الرئيسية المتعلقة بتقرير المصير الفلسطيني.

وبمعزل عن التدخل الدولي المفرط، ستكون إمكانات اللجنة الوطنية لإدارة غزة محدودة للغاية بسبب نقطتَي الخلاف الرئيستين في المرحلة الثانية، وهما رفض حماس لنزع السلاح، ورفض إسرائيل الانسحاب من موقعها الحالي على طول “الخط الأصفر”.

وبالفعل، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتقال إلى المرحلة الجديدة بـ “الرمزي“، مشدداً على أنه لن يقوّض هدف إسرائيل المتمثل في نزع السلاح من القطاع.

وحتى الآن، شملت عملية نزع السلاح تدمير أكثر من 2500 مبنى في المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في غزة، والتي تقول إسرائيل إنها كانت منازل وأنفاق مفخخة. كما وضع الجيش الإسرائيلي خططاً لعملية برية محتملة أخرى في المنطقة التي يسيطر عليها الفلسطينيون إذا لم تنزع حماس سلاحها بحلول آذار/ مارس.

ومن بين الاحتمالات الأخرى الواردة أن تدفع إسرائيل الخط الأصفر إلى عمق غزة، وهو ما حدث بالفعل في عدة أماكن.

وبموجب خطة ترمب، سينسحب الجيش الإسرائيلي أكثر عند نشر قوة استقرار دولية، لكن قِلَّة من الدول تعهّدت بإرسال أفراد، ولا يزال أيُّ انتشارٍ بعيد المنال. وعلاوة على ذلك، سواءً بوجود قوة الاستقرار الدولية أو بدونها، من المستبعد جداً أن يسحب نتنياهو القوات الإسرائيلية طالما بقيت حماس مسلحة، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في وقت لاحق من هذا العام.

وفي غضون ذلك، اتخذت حماس موقفاً مُعلَناً صارماً برفضها نزع سلاحها ما لم تجر محادثات جادة في شأن إقامة دولة فلسطينية وانسحاب إسرائيل من غزة.

وقد أبدت حماس في لقاءات غير رسمية، حسبما أوردته التقارير، استعداداً للتخلي عن أسلحتها الهجومية، بما في ذلك الصواريخ، أو تجميد أجزاء من ترسانتها أو تخزينها، لكنّ إسرائيل سترفض على الأرجح أيّ عرض لا يشمل النزع الكامل للسلاح.

بالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أن المقاومة هي جوهر هُوية حماس، فمن الصعب تصوّر أن تنزع المجموعة سلاحها بشكل جدّي من دون تنازلات كبيرة من إسرائيل، مثل الموافقة على مسار موثوق لتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم – وهو ما لا يرغب أيّ حزب إسرائيلي من الأحزاب الكُبرى في قبوله حالياً.

وفي ضوء هذا المأزق، فإنّ من مصلحة كُلّ من إسرائيل وحماس حالياً المماطلة في محاولةٍ للحفاظ على الوضع الراهن، حتى مع إبداء التزام شكلي تجاه محاوريهما.

وفي غياب أيّ أفق سياسي حقيقي، يزداد خطر أن تصبح هذه الترتيبات والحدود والهيئات الحاكمة، التي يُزعم أنها مؤقتة، دائمة.

توسُّع المستوطنات في الضفة الغربية

مع تركيز معظم الأنظار على غزة خلال العامين الماضيين، استمرت الأوضاع في الضفة الغربية في التدهور. فقد ازدادت وتيرة توسّع  المستوطنات، التي تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، إذ جرت الموافقة على 69 مستوطنة جديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، مما أدى إلى المزيد من ضمّ الأراضي وإغلاق الطرق وإقامة حواجز التفتيش، وتحويل الموارد.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين بصورة كبيرة، فقد سُجلت 260 هجمةً في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 وحده (خلال ذروة موسم حصاد الزيتون)، ولم يُجرَ سوى عدد قليل من الاعتقالات أو التحقيقات.

إنّ قضية المستوطنات ليست جديدة، لكنّ وتيرة التوسّع وحجمه، جعلا العديد من الفلسطينيين يخشون من ضم الضفة الغربية فعلياً. وفي الواقع، أعلن المسؤولون الإسرائيليون الذين يقودون حملة التوسّع، بمن فيهم وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، صراحةً أنّ هذه الخطوات تهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاستياء الشديد من السلطة الفلسطينية، فإنّ الفلسطينيين في الضفة الغربية في حاجة ماسة إلى قيادةٍ ورؤيةٍ سياسية جديدتَين.

وقد أطلق الرئيس عباس على عام 2026 اسم “عام الديمقراطية الفلسطينية”، وبالفعل، من المقرر إجراء انتخابات محلية للبلديات والمجالس القروية في نيسان/ أبريل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن العديد من الفصائل الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني تحتج أصلاً على مرسوم رئاسي صادر عن عباس في عام 2025 لتنظيم الانتخابات؛ إذ يتطلب المرسوم من المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والالتزامات الدولية. ولا تبدو الانتخابات الوطنية – التي كانت أجريت آخر مرة في عام 2006 – في الأفق المنظور.

ومع ذلك، هناك كثيرون لا يضيّعون وقتاً في تطوير أطر جديدة لكلٍّ من إعادة الإعمار والمستقبل السياسي.

على سبيل المثال، وضعت مبادرة غزة فينيكس، وهي اتحاد من الخبراء والمهنيين الفلسطينيين، خريطة طريق شاملة لإعادة الإعمار، في حين نشرت مجموعة عمل فنية خطة هدنة فلسطين من أجل تحوّلٍ قائم على الحقوق إلى السلام الفلسطيني-الإسرائيلي.

وتطرح هذه الأنواع من المبادرات خططاً عامة لأساليب جديدة للمضيّ إلى الأمام، وتؤكد ضرورة التركيز على الفلسطينيين في المناقشات والقرارات المتعلقة بمستقبلهم.

ويدرك الفلسطينيون الذين تحدثت معهم بوضوح الواقع الحالي الذي يتجلّى في تعنُّت الحكومة الإسرائيلية الحالية، وضعف السلطة الفلسطينية، وعدم القدرة على التنبؤ بالأحداث الإقليمية، ومصالح الأطراف الفاعلة الدولية.

ولكن في أعقاب أحداث غزة، ستكون هذه السنة هي السنة التي سيحدد خلالها الفلسطينيون ما يعنيه الأمن وإعادة الإعمار والأفق السياسي لمستقبلهم – وعلى المجتمع الدولي أن يُصغي إليهم.