.Read the article in English here
بينما يركّز الكثيرون على الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يشتد صراع آخر على علاقةٍ بهذه الحرب ولكن في لبنان. ففي 2 آذار/ مارس، أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل ردّاَ على الهجمات على إيران. ومنذ ذلك الحين، شنّ الجيش الإسرائيلي هجمات على بيروت ووادي البقاع ومحافظة بعلبك-الهرمل والجنوب.
قُتل أكثر من 1,000 شخص وأصيب 2,500 آخرون، كما نزح أكثر من مليون شخص (ما يقارب خُمس السكان). وفي 22 آذار/ مارس، حذّرت القيادة اللبنانية من خطر الغزو. ثمّ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 24 آذار/ مارس أنّ إسرائيل تعتزم السيطرة على جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني لإنشاء “منطقة عازلة دفاعية“.
وقد تشهد الحرب على إيران إعلان الولايات المتحدة النصر في وقت مبكّر نسبياً، ربما في غضون أسابيع، ثم انسحابها. لكن من غير المرجّح أن يشهد الصراع الدائر في لبنان انسحاب إسرائيل في أيّ وقت قريب.
بل إنّ هذا الصراع يعكس تحوّل إسرائيل نحو صراع طويل الأمد من أجل الهيمنة الإقليمية بعد الهجمات التي شنّتها حماس عبر الحدود في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر؛ وهو صراع قد لا يتحمّله النظام اللبناني الهشّ.
دور حزب الله في الدولة اللبنانية
على مدى عقود منذ تأسيسه، أدار حزب الله دولة موازية في لبنان بدعم لوجستي وماليّ كبير من إيران. ومارس الحزب حق النقض على سياسة البلاد، واحتفظ بقوة عسكرية تفوق بكثيرٍ قوّة الجيش اللبناني.
غير أنّ الوضع تغيّر بعد السابع من أكتوبر 2023. ففي اليوم التالي مباشرة، بدأ حزب الله بإطلاق الصواريخ على إسرائيل دعماً لحماس، وسرعان ما اشتد الصراع بين الجماعة وإسرائيل.
وبلغ هذا التصعيد ذروته بسلسلة من الهجمات في أيلول/ سبتمبر 2024، نجَم عنها تصفية إسرائيل لقيادة حزب الله العليا، بما في ذلك حسن نصر الله، الأمين العام للحزب منذ فترة طويلة وقتئذ. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإن بقي هشّاً في الواقع، حيث استمرت العمليات الإسرائيلية ولم تُحترم شروط الاتفاق إلّا جزئياً.
ولفترة من الزمن بعد ذلك، بدا أن حزب الله في حالة تراجع، مع تغيُّر الرأي العام، حيث رأى العديد من اللبنانيين أن الحزب عرّض البلاد للصراع من دون داعٍ.
وبدا أنّ حكومة لبنان التكنوقراطية، التي تولّت مهامها قبل خمسة عشر شهراً، تُقدّم شيئاً مختلفاً. وبقيادة رئيس الوزراء نواف سلام، إلى جانب الرئيس جوزاف عون، القائد السابق للقوات المسلحة اللبنانية، سارعت الحكومة إلى التأكيد على أنها وحدها من يجب أن يحتكر حيازة السلاح في البلاد. وقد شجّعت الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة هذه الخطوة في إطار خطة أوسع لتفكيك حزب الله.
ونشرت الحكومة الجديدةُ الجيشَ جنوب نهر الليطاني لأوّل مرة منذ عقود، وأعادت فرض سيطرتها على مطار بيروت، وأعلنت عن انتهاج خط سياسي أكثر صرامةً، بما في ذلك جهود للحدّ من خطاب “المقاومة” ورموزها التي طالما جعلت وجود حزب الله المسلّح في الدولة أمراً معتاداً.
وقد دلّت هذه الخطوات المبكرة على أنّ الحكومة كانت تحاول استعادة السيطرة على الأراضي وإرساء الشرعية.
معضلة حزب الله
ومع ذلك، كانت حدود تلك الحملة واضحة. فقد رفض حزب الله نزع سلاحه شمال نهر الليطاني، وما زال يمارس نفوذاً سياسياً. وقد وصفه المبعوث الأميركي الخاص لشؤون سورية، توم باراك، مؤخراً بأنه “حزب سياسيّ شرعيّ في لبنان” (على رغم أنّ الولايات المتحدة صنّفته منظمةً إرهابية أجنبية منذ عام 1997).
وبحسب التقارير، فإنّ حزب الله يعمل على إعادة تشكيل نفسه والتكيّف، والعودة إلى تنظيم أكثر تناثراً، على غرار حرب العصابات، يرتكز على الحرب غير المتكافئة ومهمة المقاومة على المدى الطويل. والأهم من ذلك، أنه لا يزال يحظى بالولاء في معظم أوساط الطائفة الشيعية في لبنان.
وتنمُّ هذه الوقائع عن استمرار الهشاشة البنيوية للدولة اللبنانية. فالنظام السياسي القائم على الطائفية في البلاد يجزّئ السلطة، ويقوّض تماسك الحُكم، لا سيما حين يقترن بعقود من الفساد السياسي وسوء الإدارة.
لقد ملأ حزب الله الفجوات التي خلَّفتها الحكومة داخل المجتمعات الشيعية، حيث يوفّر الخدمات الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية والدعم المحلي. ونتيجة لذلك، لا يزال المواطنون في هذه المناطق يميلون إلى اللجوء إلى الحزب بدلاً من الحكومة لتلبية احتياجاتهم اليومية.
ويُظهر تجريد حزب الله من السلاح المعضلة التي تواجه الحكومة. فبإمكان الحكومة الإصرار على أن السلاح يجب أن يكون في يد الدولة وإعلان عدم شرعية الجناح العسكري لحزب الله، لكنّ أيّ محاولة لتجريد الحزب من السلاح بالقوة ستؤدي على الأرجح إلى حرب أهلية. ولا توجد رغبة سياسية أو عامة كبيرة في ذلك، في بلد ما تزال ذكريات الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تطغى عليه.
وسيرى آخرون أنّ نزع سلاح حزب الله يجعل البلاد أكثر عرضة للهجمات الإسرائيلية، نظراً لضعف الجيش اللبناني.
الشعب اللبناني يدفع الثمن
لم تتح للشعب اللبناني بعدُ فرصة التعافي من سلسلة من الأحداث المدمّرة. فقد أعقب الانهيار الاقتصادي في عام 2019 تضخّمٌ جامح، تلاه انفجار الميناء في عام 2020، ووباء كوفيد-19، والقصف الإسرائيلي والتوغل البري في عام 2024.
ويجد السكان الذين عادوا مؤخراً إلى ديارهم أنفسهم مرة أخرى مشرّدين أو مجبرين على العيش عرضةً للهجمات الإسرائيلية. وتواجه المجتمعات التي بقيت في جنوب البلاد خطر العزلة، حيث تقوم إسرائيل بتدمير الجسور عبر نهر الليطاني وتعتزم إنشاء “المنطقة العازلة الدفاعية” التي أعلن عنها كاتس.
أمّا النازحون فقد أصبحوا الآن بلا مأوى أو يلتجئون إلى مرافق مكتظة أو غير صالحة للسكن. وتبذل الحكومة اللبنانية جهوداً لتتبُّع النازحين وتوفير المأوى ومواد الإغاثة لهم. وتُظهر استجابتها تحسّناً ملحوظاً مقارنة بالأزمات السابقة، ومع ذلك، وفي ظلّ عدم وجود نهاية تلوح في الأفق للقتال، تضطر الدولة إلى الاعتماد على المجتمع المدني والجهات الفاعلة الدولية لتقديم الدعم للمجتمعات المحتاجة.
ما التالي بالنسبة إلى لبنان؟
تُهدد استراتيجية إسرائيل بتقويض ما تبقّى من احتمالات ضئيلة لوجود دولة لبنانية متماسكة تعمل بدلاً من حزب الله.
فقد أُرجِئت الانتخابات البرلمانية، التي كان من المقرر إجراؤها في أيار/ مايو 2026، لمدة عامين بسبب العنف، إذ تستغلُّ بعض الأحزاب بالفعل التطورات الجارية لإثارة الانقسامات الطائفية وتعزيز مصالحها الحزبية. وتقف المكاسب التي حققها النواب المستقلون والحكومة الجديدة الهشّة على المحك.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي إلى تعميق عدم الاستقرار وإضعاف مؤسسات الدولة اللبنانية بشكل أكبر. كما سيخلق الظروف المواتية لحزب الله لإعادة بناء قدراته العسكرية واستعادة الدعم الشعبي.
وينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي وقف إطلاق النار من جانب الطرفين، ووضع حدٍّ للتوغلات الإسرائيلية في لبنان. لكن هذا يبدو الآن مستبعداً جداً في المدى المنظور.
وهذا يعني أنّ السبيل الوحيد القابل للتطبيق لإبقاء حزب الله ضعيفاً، وربما نزع سلاحه يوماً ما، هو بناء قدرة الحكومة اللبنانية على تقديم خدمات عامة موثوقة وحماية جميع السكان، بما في ذلك المجتمعات الشيعية، وهما أمران عانت الحكومة تاريخياً من صعوبة تحقيقهما. ولذلك، ينبغي أن ينصبّ اهتمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على هذا الهدف.
ويمكن أن تكون الخطوة الأولى هي ربط المساعدة الدولية لإعادة الإعمار بأداء الدولة الملموس، لضمان وصول المساعدات من خلال القنوات الحكومية إلى جميع المجتمعات المتضررة. كما يجب أن تتناول الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تسويةٍ إقليمية أوسع نطاقاً مسـألة تدفُّق الدعم الخارجي، ولا سيما من إيران، المقدّم لحزب الله، والذي طالما قوّض سلطة الحكومة اللبنانية على أراضيها.
وفي هذه الأثناء، في حال استيلاء إسرائيل على أراضٍ في الجنوب، ستكون خيارات الحكومة اللبنانية محدودة. وبإمكانها توجيه رسائل التضامن الوطني، كما يمكنها نشر الجيش في بيروت لإظهار الاستقرار هناك ومنع التوترات المدنية.
لكنّ الأضرار التي وقعت ستجعل مهمة الحكومة أصعب، إذ لم يكن من الواضح أصلاً كيف ستدفع تكاليف إعادة بناء البنية التحتية التي دُمّرت في عام 2024. وسيتطلّب التعامل مع الدمار والتهجير الناجمَين عن هذه المعارك الجديدة مزيداً من الوقت والمال، وهو ما تفتقر إليه الحكومة، وسيكون من الصعب جمعه.
كذلك سيتعيّن على الحكومة اللبنانية تقييم مخاطر مواجهة حزب الله بعناية، وما إذا كان ينبغي مواجهته وكيفية القيام بذلك. فقد حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لحزب الله في 2 آذار/ مارس ومن ثمّ طردت السفير الإيراني لدى لبنان في 24 آذار/ مارس. لكنّ تحدّي حزب الله في الوقت الذي يقاتل فيه إسرائيل قد يؤجّج التوترات الداخلية ويزيد من خطر اندلاع حرب أهلية.
وفي غضون ذلك، سيكون النازحون عُرضةً للاستغلال، مما قد يؤدي إلى مخاطر صحية عامة، ويجبر الأطفال على التغيّب عن المدارس، والكبار على التوقف عن العمل، ويخلق توترات محتملة مع السكان المحليين، ويضاعف من الصدمات التي عانوا منها على مدى عقود.
وبصرف النظر عن موعد توقّف القتال، سيضطر لبنان ومواطنوه إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب لسنوات قادمة.





