سوريا على رمالٍ متحرّكة: في أنّ التسوية بين دمشق وقسد تُرجِئ الصراع بدلاً من أن تحلّه

يرى المراقبون في الاتفاق المبرم بين الحكومة المؤقتة في سوريا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لدمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة خطوة نحو إرساء سيطرة موحدة للدولة على الجهات المسلحة، وتوفير قدر من اللامركزية للمناطق ذات الأغلبية الكردية. غير أنّ مثل هذه القراءات تُغفل مسألةً بالغة الأهمية. فهذه التسوية تضرّ بمصالح قوات سوريا الديمقراطية، وتنقض معظم المكاسب التي حققتها على صعيد الأراضي والموارد خلال الصراع، وقد فُرضت فعلياً نتيجة لتحوّل الدعم الأميركي نحو الحكومة السورية. ويدرك القادة الأكراد أن هذا الدعم قد يتغير مجدداً، كما علّمتهم التقلّبات الجيوسياسية والتاريخ. لذا، ربما يكونون في انتظار لحظة أنسب، في حين يلتزمون في الوقت نفسه بالاتفاق.

ويعتمد استمرار التسوية الناتجة، وما إذا كانت ستعزز بناء الدولة على المدى الطويل، على سؤال أساسي عن نوع نظام الحكم الذي ينجم عنها. إذ تنمُّ المؤشرات الأولية عن نظام حكم هَشّ يتّسم بتقاسم السلطة بين النخبة. وليس تعثّر عملية الاندماج الأمني وتفكّك المؤسسات سوى عرضَين من أعراض التنافس بين النخبة على القواعد للحوكمة (القوانين، التشريع، الإعلام، الخ.) والموارد. كما أن التسوية تنقل الصراع إلى مؤسسات الدولة وتُرجئ أسبابه الجذرية. وعندما تُختزل اللامركزية في “صفقة” بين النخب، فإنها تكون غير مستقرة بطبيعتها. ذلك أنّها تجازف بتعزيز الشقاق والتنافس بين النخب داخل الدولة، بدلاً من بناء فضاءٍ سياسي مشترك للمجتمع. أمّا إذا اتُخذت اللامركزية على أنها عملية سياسية تشاركية وشاملة، ترتكز على الحقوق والاحتياجات والمصالح المحلية، فإنها يمكن أن تعزز بناء الدولة وتوطّد العلاقات بين الدولة والمجتمع بشكل أكثر ديمومة.

اندماج أمني يشوبه الخِلاف 

ترسّخ هذه التسوية احتكار الحكومة الانتقالية للعنف المشروع. وقد بدأت بالفعل عملية الدمج الرسمي لـقسد ضمن الجيش ووزارة الداخلية، مع احتفاظ قسد بعناصر من القيادة والسيطرة الميدانية في عدد محدود من المناطق ذات الغالبية الكردية، ولا سيما كوباني والحسكة. لكن من حيث التطبيق، لا تزال العملية غير متكافئة وتشوبها الريبة المتبادلة. وما زالت المفاوضات والخلافات مستمرة بشأن حجم الاندماج وشروطه. ويشمل ذلك استيعاب عناصر الأسايش (قوة الأمن الداخلي والشرطة التابعة للإدارة التي يقودها الأكراد في سوريا)، وإعادة هيكلة التسلسل القيادي، والتعيينات في المناصب العليا، والدور المستقبلي للمقاتلات النساء والوحدات المتخصصة، وتسليم الأسلحة الثقيلة إلى الدولة. وهذه التوترات سياسية في جوهرها.

ولا تزال الحكومة الانتقالية تتبنّى نهجاً مركزياً، وتنظر إلى التسوية من منظور سلطة الدولة. أما حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الحزب الكردي المهيمن في شمال سوريا، فيسعى إلى تعاون مشروط يهدف إلى الحفاظ على ترتيبات نموذجه الخاص للإدارة ومستوى الحكم الذاتي الذي يتمتع به. وتعكس الخلافات بشأن التعيينات، والأدوار المؤسسية، وحدود الصلاحيات، تنافساً أعمق بين النخب المتنافسة على النفوذ والاعتراف، بما يهدد بإخضاع المجتمع المحلي لمصالح هذه النخب.

انتقال الصراع إلى مؤسسات الدولة 

يعيد الاتفاق صياغة الصراع السياسي على السلطة بوصفه عملية تقنية للتكامل المؤسسي بين النخب الحاكمة. وقد دلّت تجارب اتفاق الطائف في لبنان وتجربة العراق بعد عام 2003 على أنّ هذا النوع من التكامل الأمني ينقل مركز الصراع من ساحة المعركة إلى مؤسسات الدولة. وعندئذ تنصبُّ الأسئلة الجوهرية على من  يضع القواعد ومن يسيطر على الموارد. وعلى سبيل المثال، من يعيّن المسؤولين؟ وكيف تُصاغ منظوماتٌ من قبيل التعليم والإعلام؟ ومن يتحكم بعائدات النفط والضرائب والمعابر الحدودية.

وتكتسب القواعد والموارد أهمية حاسمة، إذ تُشكّل معاً بنية الحوكمة، وتُسبِغ السلطة والقدرة والشرعية على الجهات التي تتولى إدارتها. فالسيطرة على الموارد تعتمد على القدرة على وضع القواعد وفرضها، فيما تتأثر مسألة وضع القواعد وفرضها بإمكانية الوصول إلى الموارد. ومع إعادة تشكيل هذين البعدين في آنٍ واحد، تصبح المؤسسات هي الساحة الرئيسية التي تُمارَس من خلالها السلطة ويُتنازع عليها.

وفي ما يخصُّ القواعد، أفضى دمج قسد إلى ترتيبات متداخلة ومحلُّ خِلافٍ على صعيد صُنع القرار. وتُعدّ مسألة تعيين المسؤولين من أكثر الملفات حساسية. إذ يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي إلى إجراء التعيينات على أساس كُتَلٍ للحفاظ على نفوذه، في حين تفضّل الحكومة الانتقالية التعيينات الفردية بهدف الحد من هذا النفوذ. كما لا تزال بنية التسلسل الإداري والأطر القانونية التي تستند إليها غير مستقرة.

أما على مستوى الموارد، فقد مكّن توحيد سيطرة الحكومة الانتقالية على الأراضي من توسيع نفوذها على المقدَّرات الاستراتيجية، ولا سيما البنية التحتية النفطية والمعابر الحدودية. غير أن هذه السيطرة لا تزال موضع تنازُع. فعلى سبيل المثال، تسعى القيادة الكردية إلى الحصول على حصة من إيرادات معبرَي سيمالكا ونصيبين. وعلى نطاق أوسع، لم يُظهر أيّ من الطرفين حتى الآن أنّ عائدات الموارد تنعكس في صورة فوائد ملموسة للمجتمعات المحلية. كما لم يثبت أيّ منهما أن قواعد الإدارة تتّسم بالعدالة أو أنّها موجّهة نحو بناء علاقات متينة بين الدولة والمجتمع.

استقرار مِن دونِ عقدٍ اجتماعي 

تختبر المجتمعات حضور الدولة من خلال التفاعلات اليومية المرتبطة بتقديم الخدمات والأمن وصنع القواعد الناظمة. وعندما تظلُّ هذه التفاعلات إقصائية، أو تُدار عبر شبكات نخبوية ضيقة، فمن المرجّح أن تُرى السلطة بكونها منفصلة عن الواقع اليومي للناس ومفروضة من الأعلى. وفي سياق يعاني من درجة عالية من التشظّي الاجتماعي مثل سوريا، فإن ذلك قد يدفع نحو تعميق اللجوء إلى أشكال الانتماء والحشد ما دون الوطنية والعابرة للحدود، سواء على أسس دينية أو إثنية أو عشائرية.

ويتطلب الحد من هذا الخطر مشاركةً وإدماجاً محلِّيين حقيقيين يتيحان إعادة التفاوض على العلاقة بين الدولة والمجتمع. إلّا أن الاتفاق، بصيغته الحالية، لا يحقق ذلك. فهو يقتصر أساساً على إعادة ترتيب السلطة بين النخب الحاكمة، بما يثير احتمال نشوء عقد اجتماعي هشٍّ يقوم على المقاربة الأمنية وشبكات المحسوبية، بدلاً من بدلاً من بناء فضاء سياسي جامع.

الخاتمة: نحو أُسُسٍ أرسَخ 

ثمّة خيارٌ سياساتي قابل للتطبيق أمام الفاعلين الوطنيين والجهات الخارجية المنهمكة في إحلال الاستقرار في سوريا. غير أن ذلك يقتضي تجاوز ترتيبات اللامركزية القائمة على المقاربات الأمنية وتقاسم السلطة بين النخب، نحو مقاربة تقوم على العلاقة بين الدولة والمجتمع تستجيب فعلياً لاحتياجات المجتمعات المحلية. وهذا يعني تأسيس بناء الدولة على هذا الأساس، لا على التصميم المؤسّسي وحده.

وتنبثق عن ذلك ثلاث أولويات رئيسية. أولاً، وضع المجتمعات المحلية في صلب عملية الحوكمة. ويعني ذلك إعطاء الأولوية لعمليات سياسية تشاركية تحدد كيفية ممارسة السلطة، وترتكز إلى ترتيبات واضحة للقيادة والرقابة والمساءلة. ومن شأن هذا أن يعزّز شكلاً من اللامركزية يبني الشرعية ويُرسّخ السلطة داخل المجتمع، بما يعزّز استدامة عملية بناء الدولة ثانياً، حماية الحيز المدني والسياسي المستقل وتوسيعه. فمجموعات المجتمع المدني المستقلة وشبكاتها، إلى جانب النقابات والجمعيات المهنية والمنظمات المجتمعية، تُمثّل النسيج الرابط بين الدولة والمجتمع. ويتيح دعم هذه الجهات نشوء الشرعية عبر المشاركة والانخراط، بدلاً من فرضها من الأعلى.

ثالثاً، معالجة المحركات المؤسسية للحوكمة: القواعد والموارد. فحسم مسألة من يضع قواعد الحوكمة، وكيف تُوضَع، وتحت أي أطر رقابية — بما يشمل التعيينات، والأطر القانونية، والتسلسل الإداري، والمناهج التعليمية، وغيرها — يجب أن يترافق مع إدارة شفافة وخاضعة للمساءلة للموارد من قبل المجتمع المحلي، مثل عائدات النفط والضرائب والمعابر الحدودية. ومن دون هذا التوافق، ستظل المؤسسات ساحاتٍ لتنافس النخب على النفوذ، بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة الصالح العام.

وفي نهاية المطاف، فإنّ إعادة توحيد الأراضي ودمج المنظومات الأمنية لا يوازيان بالضرورة بناء مجتمع سياسي مشترك. وتتيح هذه اللحظة فرصة لإعادة التفكير في اللامركزية، لا بوصفها تنازلاً لهذا الطرف أو ذاك، بل باعتبارها تسوية سياسية وطنية تتيح تمثيل مختلف المكونات ضمن دولة مشتركة. وإلّا، فإن سوريا تخاطر ببناء دولة على رمال متحركة: موحّدة جغرافياً، لكنها هشة سياسياً وفي مهبِّ الاضطراب الدائم.