يعكس حرق النفايات العشوائي في العراق قصوراً بنيويّاً في الإدارة، أكثر من كونه مجرد عدم التزام بالتشريعات القانونية. وبالتضاد مع الحظر الصريح الوارد في قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لعام 2009، فقد أصبحت هذه الممارسة سِمةً مألوفة في الحياة الحضرية، لا سيما في أطراف المدن والمجمّعات العشوائية، فضلاً عن مواقع طمر النفايات التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية. ويكشف استمرار هذه الممارسة عن نقاط ضعف هيكلية في طريقة تنظيم الصلاحيات والتمويل والإنفاذ عبر نظام إدارة النفايات في العراق. وإنّ ما قد يبدو مجرّد ظاهرة تؤرق السكان محلياً، ليس في حقيقته إلا تجسيداً جلياًّ لانحسار هيبة الدولة وقصور دورها في تفاصيل الحياة اليومية.
وحجم المشكلة كبير، فوفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، ينتج العراق 20,6 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية سنوياً، بمتوسط يبلغ ما يقرب من 1,3 كيلوغرام للفرد يومياً. وتتجاوز معدلات النفايات المرفوعة الحضرية في بعض المدن الكبرى 90 في المئة – ومع ذلك، يكفي وجود نسبة ثابتة من النفايات غير المدارة لإبقاء مشكلة الطمر العشوائي والحرق قائمة بشكل مستمر. ويتحمل الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابون بأمراض الجهاز التنفسي التكاليف الصحية المباشرة، إذ يعانون من السعال المستمر وتهيّج العيون وتفاقم نوبات الربو. ويفتقر غالبية السكان المتضررين إلى الوعي بالمخاطر والوسائل اللازمة للتخفيف من حدّتها.
جمع النفايات من دون إدارة
تتولى المؤسسات البلدية في العراق في المقام الأول مهمة جمع النفايات وترحيلها، ويُقيَّم أداؤها إلى حد كبير بناءً على مدى نظافة الشوارع. أما ما يحدث بعد التجميع، من ناحية كيفية معالجة النفايات، ومكان التخلص منها، وما إذا كانت المعايير البيئية تُحترم، فيحظى باهتمام مؤسسي أقلّ بكثير.
وتقع مسؤولية الرقابة التنظيمية على عاتق السلطات البيئية، في حين تتخذ البلديات والحكومات المحلية القرارات التشغيلية. ويؤدي هذا التقسيم إلى إضعاف الرقابة على ممارسات التخلص من النفايات؛ لا سيما في المواقع غير الرسمية وغير الخاضعة للتنظيم. وتتوزع سلطة الإنفاذ، ومراقبة الميزانية، والإدارة اليومية للمواقع على مؤسسات محدودة التأثير على بعضها البعض. وعند حدوث حرق، قد يكتشف المفتّشون المخالفات، لكن البلديات تتحكم في المعدّات والموظفين، بينما تؤثر المحافظات على القرارات الإدارية. وبالتالي تُكتشف المشاكل، لكنها لا تُحلّ بشكل حاسم.
وتوضّح البيانات الرسمية حجم هذه الفجوة. فمن بين 212 موقعاً لطمر النفايات على مستوى البلاد، لم يحصل سوى 79 موقعاً على الموافقة البيئية عقب تقييم الموقع ومراجعة الامتثال من قِبل وزارة البيئة؛ بينما يعمل 133 موقعاً بدون الحصول على الموافقة البيئية. ويوجد في العراق 30 محطة تحويلية نظامية، منها ثماني محطات تفتقر إلى الموافقة البيئية. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو انتشار 86 محطة تحويلية غير نظامية – مواقع تجميعٍ مؤقت – لا تفي سوى ثلاث منها بالمعايير البيئية. وتستوعب هذه المواقع غير النظامية الفائض من النفايات بينما تفلت من الرقابة. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار الحرق المفتوح سلوكاً عرضياً؛ بل هو انعكاس مباشر لتعطل المنظومة الإدارية المسؤولة عن معالجة النفايات.
وتكمن الأسباب الجذرية للمشكلة في كيفية توزيع الصلاحيات. فالمؤسسات البلدية مسؤولة عن جمع النفايات وإدارة المطامر؛ وتشرف وزارة البيئة على الامتثال؛ وتسيطر المحافظات على المديريات المحلية؛ وتشارك وزارات أخرى في القرارات الرئيسية مثل تحديد مواقع المطامر. ونظراً لأن مسؤوليات الرقابة والإنفاذ والتمويل والسيطرة التشغيلية تتوزع بين جهات مختلفة، فإن المسؤولية تتنقّل بدلاً من أن تستقر. ونتيجة لذلك، عندما يحدث الحرق، لا تتحمل جهة واحدة بوضوح مسؤولية الفشل.
وبمرور الوقت، أدى هذا التشتت في المسؤولية إلى جعلِ الحرق المفتوح أمراً عادياً وطبيعياً في الحياة اليومية. وعلى عكس نقص الكهرباء أو انقطاع المياه، اللذين يُقدَّمان عادةً على أنهما تحديات وطنية تتعلق بالبنية التحتية، فإن حرق النفايات يحدث في وسط الأحياء السكنية، على مرأى ومسمع من عامّة الناس. وبالإضافة إلى آثارها على البيئة والصحة العامة، فقد عمّقت هذه الممارسة خيبة أمل الناس في قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.
تشتت الصلاحيات وغياب آليات المحاسبة
تساهم هيكلية الحوكمة القائمة في تفاقم الأزمة بدلاً من حلها. وباستثناء إقليم كردستان، تتوزع المسؤوليات البلدية في 15 محافظة ضمن سلاسل إدارية متداخلة. وتعمل سلطة بغداد البلدية (أمانة بغداد) كمؤسسة شبه وزارية مسؤولة عن العاصمة، بينما تقع الخدمات البلدية في المحافظات المتبقية رسمياً تحت إشراف وزارة الإعمار والإسكان و البلديات العامة. وفي الواقع، تتبع معظم المديريات المحلية مكاتب المحافظات بدلاً من أن تتبع الوزارة مباشرة. وتقوم المحافظات، بدورها، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء من خلال الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات.
ويفضي هذا التعدد الهيكلي إلى تشتيت المساءلة وتقويض آليات الإنفاذ القانوني. فقرارات إدارة النفايات اليومية تُتّخذ محلياً، في حين تُمارس السلطة التنظيمية مركزياً، وغالباً من دون تنسيق فعّال.
كذلك يمتد التعقيد المؤسسي ليشمل القرارات الفنية. وتاريخياً، كُلّف مركز العلوم والتكنولوجيا، الذي أصبح الآن مديريةً تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بتحديد الأراضي وتخصيصها للمطامر الصحيّة للنفايات – وهو ركيزة أساسية لأيّ نظام كفء لإدارة النفايات. ورغم أنّ لهذا الإجراء مسوغاتٍ فنية، إلا أنه يضيف حلقة بيروقراطية أخرى إلى مشهد إداري متخم بالتعقيدات. ويؤدّي تداخل المهام بين المؤسسات البلدية، والجهات التنظيمية البيئية، وسلطات المحافظات، ووزارة غير خدمية إلى عرقلة اختيار المواقع وتجميد الاستثمارات، مما يضطر المطامر الحالية للعمل بما يفوق طاقتها الاستيعابية.
وتقدم المسوح الإحصائية التي أجراها الجهاز المركزي للإحصاء، التي شملت المديريات البلدية المركزية الست عشرة – بما في ذلك بغداد والمحافظات – صورةً مطابقة للواقع؛ إذ حددت كل مديرية غياب الفرز من المصدر، ونقص الآليات التخصصية، وطرح النفايات بشكل عشوائي، وضعف آليات الإنفاذ، باعتبارها أبرز المعوّقات. وأشار أكثر من 93 في المئة منها إلى عدم كفاية المخصصات المالية، وصعوبة تأمين أراضٍ تستوفي المعايير البيئية. وعليه، يُتوقع من المؤسسات البلدية إدارة ملف النفايات وهي مُجردةٌ من الأدوات التنظيمية، أو آليات التمويل، أو إتاحة الأراضي اللازمة للإنجاز.
وحينما يغدو الإنفاذ مكْلفاً، والتمويل شحيحاً، والسلطة مشتتة، تبرز الممارسات غير الرسمية لتسدّ الفجوات التشغيلية. وقد يبدأ الحرق على أيدي جامعي النفايات (النبّاشة) سعياً لاستخراج المعادن، أو بقرار من عاملي مواقع الطمر لتقليص حجم النفايات وإطالة عمر المكَبّ. ورغم أن السلطات تُدرج هذه الأفعال ضمن دائرة التجريم والعقاب، فإن استمرارها يؤكد وجود ضغوطٍ بنيوية قاهرة، تفوق مُجرّد كونها حالات فرية لسوء التصرف.][1][
مسارات الإصلاح الهيكلي
إن معالجة ظاهرة الحرق المفتوح للنفايات لا تتوقف على سنّ تشريعات جديدة أو استيراد تقنيات معقدة، بل تكمن في فاعلية التنفيذ. ويتطلب الإصلاح الحقيقي مواءمةً دقيقة بين آليات التمويل، والمسؤوليات المؤسسيّة، والواقع الاجتماعي المعاش. ويمكن تلخيص المسارات العملية في النقاط الآتية:
أولاً، تحتاج المؤسسات البلدية إلى موارد تمويلٍ مستقرة وقابلة للتنبؤ. ومن شأن تفعيل الجباية التجارية من خلال ربط رسوم النفايات بتجديد الرخص السنوية للكيانات التجارية والصناعية – بحيث يصبح سداد الرسوم شرطاً أساسياً للتشغيل القانوني – أن يُحسِّن الامتثال. وينبغي إصلاح الجباية السكانية من خلال فصل الارتباط بين رسوم النفايات وفواتير المياه (المتسمة بضعف الامتثال) ودمجها ضمن قنوات أكثر انضباطاً كفواتير الكهرباء. والأهم من ذلك كلّه، ضمان تخصيص هذه الموارد لخدمات إدارة النفايات حصراً، لتمكين المؤسسات البلدية ذاتياً وتقليل حاجتها للممارسات غير الرسمية.
ثانياً، يتطلب نظام الحوكمة توضيحاً حاسماً لإنهاء التخبط الإداري، خاصة خارج العاصمة بغداد، من خلال تحديد جهة مرجعية واحدة مسؤولة عن معايير المطامر وجداول التفتيش وضع بروتوكولات استجابة سريعة لحوادث الحرق بالتنسيق بين البلديات والجهات البيئية وقوى الإنفاذ، للتحول من البروتوكولات “المرتجلة” الى أطر مستدامة تضمن ديمومة النظام الإداري.
ثالثاً، ينبغي أن تكون الأولوية للوقاية التشغيلية على العقوبات القانونية التأديبية. وبينما يجرّم القانون رقم 27 لعام 2009 الحرق المفتوح، إلا أن العقوبات تظل غير رادعة بسبب غياب البدائل. لذا يجب معالجة تراكم النفايات في مواقع التجمع الرئيسية وتعزيز كفاءة محطات الترحيل، وتجريب نظام فرز ثنائي (عضوي/غير عضوي) في المناطق الحضرية والتجارية، لتقليل كمية النفايات القابلة للحرق. وهذه مسألة بالغة الأهمية، لأن النفايات العضوية تشكل حصة كبيرة من النفايات البلدية، بينما لا يوجد نظام وطني للفرز.
وثمَّة جانب اجتماعي يزيد من تعقيد الإصلاح. فجامعو النفايات (النبّاشة) – وهم عادةً من الشباب والفئات المهمشة – يُعاملون في الوقت الحالي على أنهم عناصر خارجون عن القانون من قبل الشرطة البيئية، بدلاً من اعتبارهم مشاركين في النشاط الاقتصادي. ولم يؤدّ تهميشهم إلى القضاء على ظاهرة نبش النفايات، بل أدّى إلى نقل هذه الممارسة إلى أماكن أكثر خطورة وغير خاضعة للرقابة. ويمكن أن يؤدي إشراكهم في عمليات الفرز وإعادة التدوير الخاضعة للرقابة إلى الحدّ من لجوئهم للحرق العشوائي ويضمن لهم فرص عيش كريمة وآمنة.
تداعيات الأزمة على مسار الحوكمة في العراق
تُعدُّ أزمة النفايات في العراق تجسيداً جلياً لإخفاقٍ بنيوي، جذوره تشتُّت الصلاحيات، وشحُّ التمويل، وتجذّر الممارسات غير الرسمية. وإنّ هذه التحديات لا يمكن تذليلها بمجرد تكديس التشريعات والقوانين؛ بل تقتضي عملية “إعادة مواءمة مؤسسية” شاملة تُفضي إلى تحديد مسؤوليات واضحة، وتوفير تمويلٍ مستدام، وابتكار آليات تنسيق تتماشى مع مستوى التعقيد الفعلي للنظام الإداري.
وطالما بقي هذا التنسيق غائباً، ستظلُّ إدارة النفايات رهينة “العشوائية” وخارج نطاق المنظومات الرسمية، مهما تعددت الاستراتيجيات المعتمدة. وبالنسبة إلى المواطن العراقي، لا يمثل تلوّث الهواء الناجم عن الحرق مجرّد تهديد صحي عابر؛ بل هو مقياس يومي ملموس للفجوة الآخذة في الاتساع بين وعود الدولة الرسمية للدولة وقدرتها الفعلية على التنفيذ.
[1] استناداً إلى مناقشات مجموعات التركيز مع الجهات الحكومية ذات الصلة التي تدرس دوافع حرق النفايات في العراء.
هذه المقالة جزءٌ من سلسلة مرصد الإصلاح التي ينشرها تشاتام هاوس، وتهدف إلى تقديم رؤى متعمقة حول المجريات الداخلية للحكومة العراقية، وتقييم ما يمكن للتطورات الأخيرة – المعلنة وتلك التي وراء الكواليس – أن تكشفه بشأن آفاق الوصول إلى دولة عراقية أكثر استقراراً وازدهاراً وخضوعاً للمساءلة. كما يهدف مرصد الإصلاح إلى تقديم توصيات سياساتية للحكومة العراقية وصنّاع القرار الدوليين والمنظمات المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية العاملة في العراق، بغية دعم عملية صنع القرار التي تسهم في بناء دولةٍ أكثر استقراراً ومساءلةً وازدهاراً.
وتأتي سلسلة مرصد الإصلاح هذه في إطار مسار العمل في الاقتصاد السياسي للإصلاح، ضمن مبادرة العراق في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يقودها مدير مشروع المبادرة الدكتور ريناد منصور.




