حرب إيران تُكبّد مُصدّري النفط والغاز في الخليج خسائر فادحة وتفتح باب المخاطر والفرص في شمال أفريقيا

  • دافيد باتر

    Associate Fellow, Middle East and North Africa Programme

    زميل مشارك، برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

.This article is available in English here

بالنسبة إلى مُصدِّري النفط والغاز في الخليج، تسببت الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بالفعل بخسائر فادحة من خلال فقدان الإيرادات. وقد تتفاقم الأمور أكثر إذا تعرّضت المنشآت الرئيسية لأضرار جسيمة.

في الوقت نفسه، يواجه مستوردو الطاقة في المنطقة ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود وخسائر في الإيرادات من العملات الأجنبية، مما سيؤدي إلى ارتفاع التضخّم وتفاقم التوترات الاجتماعية والاقتصادية.

ومن المثير للدهشة أنّ إيران، في خضم هذه الأزمة، وبينما يتعرض اقتصادها لأضرار جسيمة من جرّاء الحرب، ما تزال تصدّر النفط إلى الصين عبر مضيق هرمز – حتى في الوقت الذي تُغلق فيه الممر أمام سفن دول الخليج.

ومن الوارد أن الولايات المتحدة تمتنع عن مهاجمة حركة المرور الإيرانية أملاً في الحفاظ على البنية التحتية التي سيعتمد عليها أيّ نظام إيراني جديد. وقد يكون خوف دول الخليج العربية من مزيد من التصعيد، وحذر ترمب من إثارة عداء الصين قبل قمة مقررة في وقت لاحق من هذا الشهر، من العوامل المؤثرة أيضاً.

خسائر دول الخليج

تتدبّر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مسألة بيع كميات مخفضة عبر خطوط الأنابيب إلى محطات خارج مضيق هرمز. وتبلغ طاقة خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب، الذي يمرّ عبر المملكة العربية السعودية إلى ينبع على البحر الأحمر، 5 ملايين برميل في اليوم، في حين أنّ الخط الممتد من أبو ظبي إلى الفجيرة، على بحر العرب، يمكنه نقل 1.5 مليون برميل في اليوم.

ومع ذلك، حتى عند تشغيلها بكامل طاقتها، لا يمكن لهذه المسارات سوى تلبية نحو ربع احتياجات النفط الذي يمرّ عادة عبر مضيق هرمز. كما أنها عُرضة للهجوم من جانب إيران والحوثيين في اليمن. ولم تدخل الجماعة اليمنية بعد في الصراع، ولكنها إذا فعلت ذلك، فقد تعطل الصادرات السعودية من ينبع إلى منطقة آسيا.

وسيكون بمقدور المملكة العربية السعودية تعويض بعض خسائر إيراداتها بفضل ارتفاع أسعار النفط. لكن وضعها المالي كان يُظهر بوادر توتُّر بالفعل قبل الحرب.

فقد بلغ العجز المالي 5.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وكان الإنفاق الرأسمالي يواجه تخفيضات. وقد أصبحت المملكة تعتمد بشكل متزايد على تدفقات رأس المال الواردة، بما في ذلك الاقتراض الخارجي، الذي بلغ 156 مليار دولار. وأظهرت الأصول الأجنبية الصافية لبنوكها التجارية عجزاً قدره 57 مليار دولار في نهاية كانون الثاني/ يناير. وسيقوم المقرضون والمستثمرون الأجانب بإعادة تقييم المخاطر السعودية، حتى لو عادت صادرات النفط إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون بضعة أشهر.

بدورها، تتمتع الإمارات العربية المتحدة باقتصاد أكثر تنوعاً من المملكة العربية السعودية، وعدد سكان أقل، وبالتالي فهي أقل اعتماداً على النفط. ومع ذلك، فقد تضرّر مركز جبل علي التجاري والصناعي بشدة من جرّاء تعطّل الشحن البحري، كما تضررت قطاعات السياحة والتجزئة والطيران وسوق العقارات. كما أن دور الإمارات العربية المتحدة بوصفها مركزاً للخدمات والتجارة بالنسبة إلى إيران سيصبح موضع تساؤل بسبب الحرب.

وستكون الخسائر المالية التي ستتكبدها قطر بسبب توقّف صادراتها من الغاز الطبيعي المسال لمدة شهر واحد متواضعة نسبياً، إذ ستبلغ 4 مليارات دولار (بافتراض 6 ملايين طن بسعر 14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية). ويمكن تعويض هذه الخسائر بسهولة مع عودة الأمور إلى طبيعتها.

ومع ذلك، فإن الخطط طويلة الأجل لقطر والإمارات لتوسيع صادراتهما من الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير تواجه حالة من عدم اليقين. وقد أُرجئ بالفعل بدء تشغيل مشروع التوسع الخاص بقطر إلى منتصف عام 2027. كما أن التوقعات بشأن احتمال حدوث زيادة مطردة في الطلب الآسيوي تبدو الآن أقل تأكيداً بكثير.

ويتمتع المشترون الآسيويون بخيار زيادة الواردات من منتجين آخرين، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وروسيا. ويمكن لشركات توريد الطاقة في آسيا الاستمرار في الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء، مع زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة والبطاريات والطاقة النووية. ولكي تحافظ على حصتها في السوق، قد تضطر قطر إلى تخفيف شروطها التجارية، التي تَقِلّ مرونةً عن تلك التي يقدمها المصدرون الأميركيون.

ويُعدّ الاقتصاد العراقي الأكثر اعتماداً على النفط في منطقة الخليج الأوسع. إذ يأتي نحو 90 في المئة من إيرادات ميزانيته من صادرات النفط الخام. ويتدفق الجزء الأكبر من هذه الصادرات من محطة البصرة النفطية عبر الخليج ومضيق هرمز.

ويُنتَج النفط العراقي في الحقول الجنوبية، التي لا ترتبط بشبكات الأنابيب في الشمال. وتتدفق كميات محدودة حالياً من الحقول الشمالية الأصغر عبر خط الأنابيب إلى تركيا. كما ويُنقل بعض النفط من الجنوب بواسطة صهاريج برية إلى الأردن. لكن الخسارة المطوّلة لإيرادات النفط ستجعل من الصعب على الحكومة تغطية رواتب الموظفين العموميين والمعاشات التقاعدية، التي تُمثّل أكثر من نصف نفقات الميزانية.

شمال أفريقيا

خارج منطقة الخليج، تضررت مصر كثيراً من ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال وفقدان الغاز الطبيعي المسال القطري. فمصر مستورد صافٍ للنفط، وتعتمد على الواردات في توفير نحو ثلث إمداداتها من الغاز الطبيعي. ويأتي نصف هذا تقريباً من إسرائيل، بينما يشكل الغاز الطبيعي المسال النسبة المتبقية. وقد جرى تعليق الإمدادات الإسرائيلية، في حين كانت قطر توفر جزءاً كبيراً من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي كانت مصر قد طلبتها لتعزيز إمداداتها الصيفية.

وقد سحب مستثمرو المحافظ الأجنبية، الذين تعتمد عليهم مصر بشدة لتمويل عجزها المالي، ما يقرب من 6 مليارات دولار من السوق المصرية بسبب المخاوف من تأثير ارتفاع تكاليف الاستيراد، والخسارة المحتملة في الإيرادات من السياحة وقناة السويس، ومخاطر انخفاض التحويلات المالية من المصريين العاملين في الخليج.

وقد سمح البنك المركزي بانخفاض قيمة الجنيه المصري استجابة لهذه الضغوط، بدلاً من طرح الاحتياطيات. وقد منح ذلك بعض الطمأنينة للمستثمرين، ووردت تقارير مؤخراً عن انتعاش متواضع في مشتريات الأجانب من السندات الحكومية.

لكن الحرب أوجدت أيضاً بعض الفرص. فمصر في وضع يؤهلها لتقديم خدمات لوجستية بديلة إلى دول الخليج عبر الأردن وموانئ المملكة العربية السعودية. ومن المحتمل أن يزداد استخدام قناة السويس لنقل النفط السعودي من ينبع إلى البحر الأبيض المتوسط. كما قد يشهد خط أنابيب سوميد، الذي يمتد من خليج السويس عبر مصر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، زيادة في التدفقات.

بالإضافة إلى ذلك، ستحقق صادرات مصر من الأسمدة والألومنيوم أسعاراً أعلى، مع توقف المبيعات من الخليج. ويمكن أن يستفيد قطاع السياحة من محنة دبي.

ومع ذلك، سيكون الأثر الصافي على مصر سلبياً، مع ارتفاع التضخم واحتمال ارتفاع أسعار الفائدة. ومن شأن ذلك أن يرفع تكاليف خدمة الدين العام المرتفعة أصلاً، مع كبح استثمارات القطاع الخاص.

ومن بين الدول المصدِّرة للطاقة في المنطقة، من المتوقع أن تستفيد الجزائر أكثر من غيرها من الحرب مع إيران، على رغم أن قدرتها على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط والغاز مقيدة بقدرتها المحدودة على زيادة الإنتاج، فهي تنتج أصلاً بكامل طاقة إنتاجها.

أما تأثير ذلك على المغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فسيكون متبايناً. فهو سيتضرر بشدة من ارتفاع أسعار النفط، لكن هذا سيعوّضه إلى حد ما الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة، فالمغرب هو أحد أكبر مُصدّري الأسمدة الفوسفاتية في العالم. ومع ذلك، سترتفع تكاليف الإنتاج بسبب الحاجة إلى استيراد الأمونيا.

آثارٌ دائمة

في حال هدأت حِدّة الصراع خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وظلت الأضرار الهيكلية التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الخليج محدودة، فقد تعود الثقة تدريجياً إلى قطاع الطاقة في المنطقة، وإلى نموذج اقتصادي لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، على رغم كلّ الجهود المبذولة للتنويع.

غير أنّ صدمة الحرب ستُخلّف آثاراً سلبية دائمة على الاقتصادات الأكبر والأكثر قابليةً للتأثر، بما في ذلك إيران نفسها، بالإضافة إلى العراق ومصر. كما ستثير أسئلة جديدة في شأن اعتماد الاقتصاد العالمي على تدفقات الموارد من منطقة تعاني من مشاكل سياسية عميقة الجذور.

وإذا اشتد الصراع، فستكون الاضطرابات داخل المنطقة، وانهيار الطلب العالمي على النفط والغاز، على نطاق أوسع بكثير.