.Read the article in English here
في ظل الحرب مع إيران، لم يعد وقف إطلاق النار في غزة أولوية بالنسبة إلى الأطراف الدولية أو الإقليمية، رغم أن القضية الفلسطينية ما تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببقية الصراعات في المنطقة. وفي هذه الأثناء، وبينما تتجه أنظار العالم إلى مكان آخر، تتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، وتتقلص فرص المسارات السياسية، فيما تزداد المخاوف من أن تتحول الحدود والإجراءات الأمنية التي يُفترض أنها مؤقتة إلى واقع دائم.
كان من المرجح دائماً أن يكون الانتقال من وقف إطلاق النار الأولي إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكونة من 20 نقطة أمراً صعباً، نظراً إلى أنها تتضمن اثنتين من أكثر القضايا الخلافية تعقيداً، وهما نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي. غير أن الحرب مع إيران، وما تبعها من غياب الضغط الخارجي على كل من حماس وإسرائيل، منحت الطرفين وقتاً إضافياً للتشبث بمواقفهما وترسيخ الوضع القائم، مع ما يحمله ذلك من عواقب خطيرة.
حماس ترفض نزع السلاح
في أبريل/ نيسان، رفضت حركة حماس خطة لنزع السلاح طرحها نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في “مجلس السلام” الذي تقوده الولايات المتحدة، وكانت الخطة تربط بين تفكيك السلاح وجهود إعادة الإعمار. وأكد مسؤولون في حماس أنهم لن يتفاوضوا بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار ما لم تُنفذ إسرائيل بالكامل المرحلة الأولى، بما في ذلك السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة بالمستويات المنصوص عليها في الاتفاق.
وفضلاً عن ذلك، لا ترى حماس أي حافز للتخلي عن سلاحها في غياب إطار واضح لإقامة دولة فلسطينية. فعلى خلاف إيرلندا الشمالية أو جنوب أفريقيا – وهما حالتان تاريخيتان كثيراً ما تُقارن بهما القضية الفلسطينية الإسرائيلية – لا تلوح في الأفق أي عملية سلام، ولا يوجد مسار سياسي متاح أمام حماس إذا ما ألقت السلاح.
وكثيرٌ من الفلسطينيين الذين تحدثتُ إليهم، بمن فيهم أشخاص لا يؤيدون حماس، يدعمون مساراً قد يسمح للحركة بالاحتفاظ بدور سياسي في إدارة الشأن الفلسطيني. غير أن هذا الطرح مرفوض تماماً بالنسبة إلى إسرائيل، كما أنه مستبعد في خطة النقاط العشرين. وبينما تعرض الخطة عفواً فردياً لعناصر حماس إذا نزعوا سلاحهم و”التزموا بالتعايش السلمي”، فمن المرجح أن يشكك هؤلاء في جدية هذا العرض أو أن يخشوا من أعمال انتقامية.
وإذا كانت دوافع نزع السلاح محدودة أصلاً، فإن إسرائيل أضافت عوامل جديدة تُثني عنه، عبر دعمها – بحسب تقارير – مجموعات فلسطينية مسلحة أخرى لتنفيذ هجمات ضد حماس. ومن بين هذه الجماعات “القوات الشعبية” قرب رفح، و”قوة مكافحة الإرهاب” قرب خان يونس، ومجموعة أشرف المنسي قرب مدينة غزة، وجميعها تنشط في المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل داخل القطاع. وتنفذ هذه الجماعات عمليات داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس، حيث يعيش معظم سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة.
وتمنح هذه الميليشيات حماس سبباً إضافياً لرفض نزع سلاحها، إذ تضيف تهديداً مسلحاً جديداً إلى جانب الغارات الجوية الإسرائيلية المستمرة. كما يُنظَر كثيرون داخل غزة إلى هذه الجماعات، وفقاً للتقارير، باعتبارها متعاونة مع إسرائيل، ما قد يؤدي بغير قصدٍ إلى تعزيز شعبية حماس، وفي الوقت نفسه يجعل من الصعب بروز أي أصوات فلسطينية بديلة ومعارضة للحركة.
لا ضغوط على إسرائيل للانسحاب
وكما لا يرى قادة حماس حافزاً يُذكر لنزع السلاح، لا يرى القادة الإسرائيليون بدورهم حافزاً كبيراً للانسحاب من غزة. فبحسب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المؤلفة من 20 نقطة، كان من المفترض أن يتزامن انسحاب الجيش الإسرائيلي مع نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. غير أن الجهود الرامية إلى تشكيل هذه القوة الدولية جاءت بطيئة، إذ أبدت دول قليلة فقط اهتماماً بالمشاركة فيها. وبينما أعلن القائد الأميركي للقوة أن خمس دول ستنضم إليها، لا يزال الغموض يحيط بطبيعة مهمتها، كما تتزايد الشكوك بشأن ما إذا كانت ستُنشر فعلياً إذا كان ذلك سيعني مواجهة مباشرة مع حماس داخل غزة.
ويزيد ذلك من احتمالات استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في القطاع على المدى الطويل. فبعد وقف إطلاق النار، سيطرت القوات الإسرائيلية على نحو 53 في المئة من مساحة غزة، وهي المنطقة المحددة على الخرائط بما يُعرف بـ “الخط الأصفر”. كما أشارت تقارير حديثة إلى خرائط صادرة عن الجيش الإسرائيلي تُظهر توسيع منطقة السيطرة المقيدة داخل القطاع، بما يضيف نحو 11 في المئة إضافية من أراضي غزة خارج نطاق “الخط الأصفر”. وبينما قد تتغير خطوط السيطرة الدقيقة مع الوقت، فإن هذه الخطوط الجديدة تواجه اليوم خطر التحول إلى حدود أمر واقع راسخ.
ومثلما لا يرى قادة حماس حافزاً كبيراً لنزع السلاح، لا يرى القادة الإسرائيليون بدورهم حافزاً يُذكر للانسحاب من غزة.
وينسجم ذلك مع تبنّي إسرائيل لما يُعرف بـ”المناطق العازلة” كاستراتيجية مركزية في كل من سوريا ولبنان، ضمن إعادة التموضع الإقليمي التي أعقبت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر التي نفّذتها حماس. وهذه المقاربة ليست جديدة؛ فقد احتلت إسرائيل أجزاءً من جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، كما حافظت حتى قبل عام 2023 على منطقة عازلة بعرضٍ يقارب 300 متر على امتداد محيط قطاع غزة.
ويبدو من المستبعد للغاية أن يُقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تقليص مساحة السيطرة الإسرائيلية داخل غزة، خصوصاً في عام انتخابي، حتى لو قدمت حماس تنازلات. وفي حين قد تحقق سياسة “المناطق العازلة” بعض المكاسب الأمنية قصيرة الأمد لإسرائيل، فإنها قد تصبّ أيضاً في مصلحة خطاب “المقاومة” الذي تتبناه حماس وحزب الله ضد استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.
تعذّر دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة
ولا تزال تدابير رئيسية أخرى مرتبطة بوقف إطلاق النار تراوح مكانها. ويشمل ذلك خطوات إدارية كان يمكن أن تسهم في تحقيق قدر من الاستقرار داخل القطاع، مثل السماح بدخول “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي هيئة حكم انتقالية فلسطينية أنشأها “مجلس السلام.”
ومنذ إطلاقها في كانون الثاني/ يناير، تتخذ اللجنة المؤلفة من 15 عضواً من القاهرة مقراً لها، فيما أفادت تقارير بأن أعضاءها مُنعوا من دخول غزة. ومنذ البداية، أثار منتقدون تساؤلات بشأن شرعية اللجنة واستقلاليتها وحدود صلاحياتها. ومع ذلك، عبّر كثير من سكان غزة عن أملهم في أن تتمكن اللجنة، على الأقل، من إحداث بعض التحسينات بقيادة فلسطينية. لكن هذا التفاؤل الحذر تحوّل الآن إلى حالة من الإحباط، بعدما عزز غياب اللجنة الفعلي عن غزة الانطباع بعجزها وانعدام تأثيرها.
ومن خلال منع اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، مع الاستمرار في رفض أيّ دور فعلي للسلطة الفلسطينية هناك، تسهم إسرائيل في تكريس ظروف تجعل القطاع يبدو وكأنه منطقة خارجة عن السيطرة وغير قابلة للحكم. كما يؤدي ذلك أيضاً إلى تعزيز موقع حماس، عبر الحيلولة دون ظهور أي بدائل سياسية أو إدارية أخرى.
مواقف أكثر تصلباً
لم تؤدِّ الحربان في كلٍّ من إيران ولبنان سوى إلى مزيد من ترسيخ هذه المواقف المتشددة. فبالنسبة إلى حماس، من المرجح أن يُعزز صمود النظام الإيراني وحزب الله ـ حتى الآن ـ في وجه جولات متعددة من العمليات العسكرية، قناعتها بجدوى نهج التحدي والمواجهة.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن غياب “الضربة القاضية” سواء في إيران أو لبنان، سيدفع على الأرجح نحو مزيد من التشدد في موقفها تجاه غزة، وسيؤدي إلى تأجيل أيّ مفاوضات جدية تتعلق بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، حتى في ظل حكومة إسرائيلية جديدة.
وفي الأثناء، همّش الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مفاوضيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ملف غزة، مع تركيز اهتمامهم على إيران. كما انشغلت قوى إقليمية مثل قطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، منذ اندلاع الحرب، بأوضاعها المالية وترتيباتها الدفاعية في منطقة الخليج.
إبقاء غزة على جدول الأعمال
لكن غزة لا تستطيع تحمّل المزيد من التجاهل. فالأوضاع الإنسانية لسكان القطاع تزداد سوءاً، في وقت ما تزال فيه جهود التأهيل وإعادة الإعمار مؤجلة. وقد أدى ارتفاع الأسعار وقيود الإمدادات إلى تفاقم نقص الغذاء، فيما تسببت مواقع النفايات غير المعالجة في انتشار التلوث والآفات والأمراض.
ولا تملك أطراف خارجية مثل المملكة المتحدة نفوذاً كبيراً على القضايا الأكثر تعقيداً في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. لكن بإمكانها، بالتعاون مع شركائها الأوروبيين والإقليميين، الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل الالتزام بالحد الأدنى من الإجراءات الواردة في خطة ترمب. ويشمل ذلك السماح بدخول “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” إلى القطاع، والحفاظ على الحد الأدنى من حصص المساعدات الإنسانية.
ورغم تواضع هذه الخطوات، إلّا أنها تظل ضرورية. فهي ستسهم في تلبية الاحتياجات الأساسية لسكان غزة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، بما يساعد على تحقيق قدر من الاستقرار الأوسع ـ وهو ما يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل نفسها. كذلك، فإن أي دول تشعر بالقلق إزاء مستقبل المنطقة لا بد أن تُبقي غزة ضمن أولوياتها. أما البديل، أي تَركُ غزة لمزيد من الإهمال، فلن يؤدي سوى إلى تغذية الصراعات القائمة وتهيئة الظروف لاندلاع صراعات جديدة.




