نشر هذا المقال أولاً باللغة الإنجليزية في العربي الجديد
مع تحوّل انتباه العالم إلى وقف إطلاق النار في غزة، ينبغي أن نتذكر أحد التحديات اللوجستية الرئيسية التي تواجه الدبلوماسية المتعددة الأطراف بقيادة الأمم المتحدة، ألا وهو موقع مقرّها داخل الولايات المتحدة.
يجب على الدبلوماسيين والقادة العالميين البدء في العمل على نقل مقر الأمم المتحدة قبل انعقاد الجمعية العامة العام المقبل. وقد بدَّد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي استمر قرابة ساعة، والذي سخر فيه من المؤسسة من على منبرها في الجمعية العامة الأخيرة، أيّ شكوك حول هذه الحاجة الملحّة.
لقد كان بمثابة تذكير فظّ، لكنه ضروري، بمدى عدم ملاءمة الولايات المتحدة لاستضافة المؤسسات المتعددة الأطراف الرائدة في العالم. إذ إنّ الموقع الحالي للمقر قد كشف مراراً وتكراراً عن قيود السياسة الأميركية، مما قوّض شرعية المنظمة وأضعف قدرتها على التوسط في النزاعات ودعم عمليات السلام وإعلاء أصوات المهَّمشين.
لقد كان ذلك الخطاب بمثابة تذكير فظّ، لكنه ضروري، بمدى عدم ملاءمة الولايات المتحدة لاستضافة المؤسسات المتعددة الأطراف الرائدة في العالم. إذ إنّ الموقع الحالي للمقر قد كشف مراراً وتكراراً عن قيود السياسة الأميركية، مما قوّض شرعية المنظمة وأضعف قدرتها على التوسط في النزاعات ودعم عمليات السلام وإعلاء أصوات المهَّمشين.
تقويض ولاية الأمم المتحدة
قبل أسابيع من خطاب ترمب، ألغت الولايات المتحدة تأشيرات دخول أعضاء الوفد الفلسطيني، بمن فيهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ما حال دون مشاركتهم في الجمعية العامة، في الوقت الذي كانت فيه الحاجة ماسة إلى ذلك. ولم تكن هذه حادثة منفردة، فطوال عقود، كانت تصرفّات الولايات المتحدة تتعارض مع ولاية الأمم المتحدة المتمثلة في دعم القانون الدولي وسيادة الدول.
في عام 1988، رفضت إدارة ريغان منح تأشيرات دخول لياسر عرفات والوفد الفلسطيني بعد إعلان فلسطين استقلالها، على الرغم من اعترافهم بحق إسرائيل في الوجود.
إن ازدراء الولايات المتحدة للأمم المتحدة واضح للعيان. فقد قوّضت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش عمل مفتّشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة وتحدّت مجلس الأمن والجمعية العامة من أجل غزو العراق، وهو قرار متهوّر أدى إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط وما زال صداه يتردد حتى اليوم. بل إنّ سفير بوش لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، قال إنّ “مبنى الأمانة العامة في نيويورك يتألف من 38 طابقاً. ولو خسر 10 طوابق، فلن يُحدث ذلك أيّ فرق”.
وبالفعل، تقع الأمم المتحدة باستمرار في شرك السياسة الداخلية الأميركية، فقد فرض ترمب خلال ولايته الأولى حظر سفر شامل على مواطني الدول ذات الأغلبية المسلمة، بما في ذلك السودان واليمن والعراق، وكثير منها مناطق صراع تلعب فيها الأمم المتحدة دوراً حيوياً في الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية.
وقد أدت هذه القيود إلى إسكات الأصوات الأكثر تضرراً من النزاعات، مما زاد من ابتعاد الجمعية العامة للأمم المتحدة عن أولئك الذين من المفترض أن تمثلهم. وأدت عودة ترمب لمنصبه إلى إعادة فرض حظر السفر على اليمن ودول أخرى من الجنوب العالمي.
كما أن الإدارة الحالية كانت أكثر عدوانية في محاولاتها لتقويض الأمم المتحدة. فقد هاجم الرئيس، إلى جانب كبار المسؤولين، من أمثال مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية مارك روبيو، هذه المؤسسة بشكل متكرر إلى جانب هيئات دولية أخرى.
توجيه رسالة قوية
إن انتقاد عدم كفاءة الأمم المتحدة ليس جديداً، وهو ليس بدون أساس تماماً. ومع ذلك، فقد ظلت المنظمة منذ عام 1945 منتدى حيوياً للتعاون المتعدد الأطراف وحل النزاعات. وقد حدد الأمين العام أنطونيو غوتيريش الإصلاحات، من توحيد الوكالات، إلى وضع أجندات مواضيعية جديدة، لكنّ التطورات الأخيرة تُظهر بوضوح أن هناك حاجة إلى تغيير هيكلي أعمق.
في حين أن ميثاق الأمم المتحدة الحالي ينصّ على وجوب أن يكون للمنظمة مقرّ، إلا أنّه لا يحدّد مكانه. ومن شأن نقل المقرّ إلى خارج أراضي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن أن يكون له تأثير رمزيّ وموضوعي. إذ سيزيل هذا الإجراء خطر عرقلة سياسات إحدى الدول الأعضاء للمشاركة، ويبعث برسالة قوية عن الالتزام بالشمول والحياد.
ثمّة عدة بلدان يمكن أن تكون بديلة، مِثل كندا وبلجيكا وسويسرا والبرازيل، فجميعها تمتلك البنية التحتية والقدرات الأمنية، ولديها سجلٌّ حافل في استضافة الفعاليات العالمية. وقد أظهرت البرازيل، على وجه الخصوص، استعدادها من خلال قمة بريكس، ومجموعة السبع، واستعداداتها للمؤتمر الثلاثين للأطراف.
وهناك سوابق حتى لحالات انتقال مؤقتة. ففي عام 1988، انعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف بعد أن رُفض منح تأشيرات دخول للممثلين الفلسطينيين. ومن الممكن أيضاً اتّباع نموذج موزَّع، إذ أنّ مقرّات العديد من وكالات الأمم المتحدة تقع بالفعل خارج نيويورك، مثل هيئات حقوق الإنسان في جنيف.
ومن شأن المزيد من اللامركزية عبر عدة بلدان مضيفة أن يخفف العبء اللوجستي على أي دولة، مع تعزيز الطابع العالمي للأمم المتحدة.
صحيح أنّ نقل مقر الأمم المتحدة لن يحلّ جميع التحديات التي تواجهها، ولن يقضي على النفوذ غير المتناسب للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لكنه سيزيل عائقاً متكرراً أمام المشاركة ويعيد الثقة في حياد المنظمة.
وبالنسبة إلى البلدان المتضررة من النزاعات، التي من المفترض أن تُعلي الأمم المتحدة صوتها لا أن تستبعدها، فإن مثل هذا التغيير سيزيل العوائق التي تحول دون تمثيلها ومشاركتها، ويتيح مجالاً للجهود الدبلوماسية لإنهاء الأعمال العدائية.
إن فعالية الأمم المتحدة تعتمد على مشاركة الدول الأعضاء فيها بحُسن نيّة. وفي حين أنّ للولايات المتحدة كل الحق في إعادة ضبط سياستها الخارجية، لكنّ عندما تعرقل مثل هذه التغييرات عمل مؤسسة دولية، فإنّ العواقب تكون ذات أثرٍ عالمي.
للجمعية العامة الحق في التصويت على موقع جديد، ويجب على الدول الأعضاء، ولا سيما دول الجنوب العالمي، أن تتحرك لقيادة جهود نقل المقرّ وإنقاذ الأمم المتحدة من تدخّل الولايات المتحدة. والوقت المناسب لبدء مثل هذه العملية ليس آب/أغسطس 2026، عندما توقف إدارة ترمب مرة أخرى منح التأشيرات للبلدان التي لا تعجبها. بل هو الآن.




