انعكست التوترات التجارية العالمية سلباً على توقعات النمو في الطلب على النفط خلال المدى المنظور، ما أدّى إلى هبوط الأسعار إلى أدنى مستوياتها في أربع سنوات، قبل أن تسجل مكاسب طفيفة في أعقاب تصاعد التوترات بين إسرائيل وإيران مؤخراً. لكن ارتفاع أسعار النفط تلاشى إلى حد كبير بفعل وفرة العرض في الأسواق وضعف الطلب الأساسي، مع توقعات بأن تستمر هذه الظروف حتى نهاية العقد الحالي.
وهذه أخبار سيئة للعراق. إذ يُشكل النفط معظم الصادرات، ويساهم فيما يقرب من 90 في المئة من الإيرادات الحكومية. ويهدد تأثير انخفاض أسعار النفط لفترة طويلة بهدمِ ما يقرب من ثلاث سنوات من الاستقرار النسبي للاقتصاد الكلي. وقد كان هذا الاستقرار مدفوعاً بالتوسّع في الإنفاق الحكومي التوسعي على خلفية استقرار عائدات النفط منذ عام 2022. وقد زادت حكومة رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني من التوظيف في القطاع العام واستثمرت في مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الطرق ومحطات الطاقة والمستشفيات، وحتى ميناء جديد من شأنه أن يجعل العراق مركزاً لوجستياً يربط بين آسيا وأوروبا.
في مشاورات المادة الرابعة مع العراق لعام 2025، خلُص صندوق النقد الدولي إلى أنّ ”التوسع المالي الكبير في السنوات الأخيرة زاد من هشاشة العراق، التي تفاقمت بسبب الانخفاض الأخير في أسعار النفط“. ويشير التقييم أيضاً إلى أنه ”يلزم إجراء تعديل مالي كبير للتخفيف من المخاطر المالية الكُلّية واحتواء مخاطر السيولة واستقرار الديون على المدى المتوسط. وعلى المدى القصير جداً، ينبغي للسلطات مراجعة خطط الإنفاق الحالية ونفقات رأس المال لعام 2025 والحد من جميع النفقات غير الضرورية أو تأجيلها“.
لقد أدى انهيار أسعار النفط إلى مواجهة العراق لأزمات مالية في الماضي. ولم تُسفر فترات الركود في عامي 2014 و2020 سوى عن محاولات شكلية للحد من اعتماد الاقتصاد على النفط وإصلاح ممارسات الإدارة المالية للحكومة. في ظل انخفاض عائدات النفط هذا العام، سوف تتردد الحكومة في تنفيذ أي إصلاحات مع استعداد البلاد للانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني/ نوفمبر.
واجه العراق تحديات أمنية جمَّة على مدى العقدين الماضيين، مما أعاق التنمية الاقتصادية والإدارة الرشيدة. وكان عجز الحكومة عن اعتماد الإصلاحات نتيجة للفساد المستشري والتنافس السياسي على موارد الدولة وطغيان النهبَوية. وقد أدى النظام الرّيعي إلى إعادة توزيع الثروة النفطية من خلال الإنفاق غير الكفء، مما كرّس الاعتماد على النفط في صميم العقد الاجتماعي.
وفي غياب الإصلاحات المُلِحة والقيود على الإنفاق، من المتوقع أن تواجه الحكومة عجزاً أكبر في الميزانية هذا العام، مما لن يترك لها خياراً سوى الاعتماد على الاقتراض المحلي، الذي ينطوي على مخاطر متعددة على المدى البعيد. بالإضافة إلى الضغوط التضخمية وتعقيد جهود البنك المركزي للحفاظ على ثبات سعر الصرف، فإن القروض المحلية مملوكة في المقام الأول للبنوك التابعة للدولة، التي تستلزم إعادة هيكلة. وفي الوقت نفسه، يهدد اعتماد العراق المفرط على الواردات حسابه الجاري، مما يزيد الضغط على الاحتياطيات الأجنبية التي تبلغ قيمتها حالياً 96 مليار دولار.
فرص الإصلاح المُهدرة: الصمود في وجه عاصفة انخفاض أسعار النفط
قد يأمل العراق في تجاوز هذه الفترة من انخفاض أسعار النفط كما فعل في الماضي. في عام 2014، إذ واجهت البلادُ صدمةً مزدوجة تمثّلت في انهيار أسعار النفط وصعود تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، مما أدى إلى عجزٍ مهول بلغ نحو 25 مليار دولار بحلول عام 2016. ولجأت الحكومة حينذاك إلى الاقتراض، وحصلت على قروض بشروط مُيسَّرة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودائنِين ثنائيّين بلغت قيمتها 22 مليار دولار.
وقد دعمت اتفاقية الاستعداد الائتماني التي أبرمها صندوق النقد الدولي مع العراق في عام 2016 بقيمة 3.5 مليار دولار الإنفاق، وساعدت في حماية الاحتياطيات الأجنبية، وقدّمت المساعدة في بناء القدرات. وفي المقابل، تعهّد العراق بتنفيذ إصلاحات مختلفة على مدى ثلاث سنوات من مدة الاتفاقية. وكان من المقرر وضع سقف للرواتب في القطاع العام، التي تشكل عادةً الجزء الأكبر من الإنفاق التشغيلي. كما كان من المقرر إعادة تقييم الإعانات السخيّة وبرامج الرعاية الاجتماعية التي لا تذهب إلى الفئات المستحقة.
كذلك وعدَت الحكومة بتنويع الاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، وإحداث أُطُر ضريبية موحَّدة. وكان الهدف من ذلك تعزيز الإيرادات غير النفطية التي تُشكّل عادة أقل من 10 في المئة من إيرادات الحكومة. كما وعد العراق بمضاعفة جهوده لمكافحة الفساد وتحسين الحوكمة والقدرات الإدارية.
وقد تمكنت الحكومة من خفض الإنفاق بشكل كبير والحفاظ على ربط العملة. غير أنَّ صندوق النقد الدولي قال في 2019، قبل انتهاء اتفاق التسوية، إن العديد من الإصلاحات ”أُلغيَت أو لم تُنفّذ“، في حين أن استجابة السلطات لتوصياته كانت ”متباينة“.
وتلاشى إلى حدٍّ كبير الاستعداد لاعتماد الإصلاحات في 2018، مع انتعاش أسعار النفط، ما أدى إلى زيادة غير متوقعة في الإيرادات وتراكُم الاحتياطيات الأجنبية. وهذه سِمة من سمات اعتماد العراق على النفط بشكل متزامن مع الدورة الاقتصادية، إذ يؤدي انخفاض الإيرادات إلى خفض الإنفاق، مما يثير نقاشات في شأن الإصلاح، لكنّ زخم الإصلاح سرعان ما يتلاشى بمجرد ارتفاع الأسعار ووفرة الإيرادات. ونتيجة لانتعاش الأسعار، أعطت الحكومات اللاحقة الأولوية للأهداف قصيرة الأجل، وقوَّضت المساءلة، وأبقت على الإدارة غير الكفؤة للموارد.
لقد بُذِلت محاولة حقيقية لإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد ومعالجة الاعتماد على النفط في عام 2020 عندما تسببت جائحة كوفيد-19 في أزمة مالية. وقاد وزير المالية علي علاوي أول مبادرة شاملة بقيادة عراقية في هذا الاتجاه، إذ طرح ورقة بيضاء حددت عدة أهداف قصيرة وطويلة الأجل. وتحسنت السيولة الحكومية من خلال تخفيض قيمة الدينار، في حين ساعدت التدابير السريعة في التغلب على الأزمة.
غير أنّ الورقة البيضاء كانت إطاراً مستقبلياً يفتقر إلى خطة تنفيذ تدريجية. كذلك سُرعان ما فقدت الورقة الدعمَ السياسي بعد تشكيل الحكومة الحالية في أواخر عام 2022، التي عكست خفض قيمة العملة الذي لا يحظى بشعبية. وجرى التخلي عن أهداف الورقة البيضاء شيئاً فشيئاً مع بدء ارتفاع أسعار النفط والعائدات اعتباراً من عام 2021.
تزامُن الأزمة والانتخابات: المخاطرة بالاستقرار طويل الأمد من أجل مكاسب سياسية قصيرة الأجل
لا يوجد لدى الحكومة العراقية أيّ حافز لاتخاذ أيّة تدابير تقشّفية صارمة قبل الانتخابات المقرر إجراؤها في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
عِوضاً عن ذلك، تضاعف الحكومة الإنفاق، إذ تضمَن الميزانية الاتحادية للفترة 2023-2025 الإنفاق حتى نهاية عام 2025، مما يحدّ من العملية الطويلة والمثيرة للجدل سياسياً لإقرار الميزانية البرلمانية، ويقصُرُها على تحديث الإنفاق من خلال التعديلات. وعادةً ما تؤدي الخلافات السياسية بشأن الإنفاق إلى تأخير إقرار الميزانية إلى ما بعد بداية السنة المالية الجديدة.
وفي هذه الأثناء، يبلغ عدد موظفي القطاع العام الآن أكثر من 4.2 مليون موظف، بالإضافة إلى 3 ملايين متقاعد و3 ملايين آخرين مستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وقد شكَّلت هذه التكاليف مجتمعةً ما لا يقل عن 60 في المئة من الإنفاق البالغ 116 مليار دولار في عام 2024، مما أدى، إلى جانب الاعتماد على عائدات النفط، إلى التصلُّب في الميزانية.
وتستند آمال رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني في ولاية ثانية على ”حكومة الخدمات“ التي يقودها للحفاظ على زخم تنفيذ مختلف مشاريع البنية التحتية العامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن البيئة السياسية التنافسية مع اقتراب الانتخابات تُعقّد التوازن بين المسؤولية المالية والمطالب السياسية والشعبية. كذلك لم يُتَّفَق بعد على تعديل الميزانية لهذا العام، ولا يقتصر دور زيادة الإنفاق العام على كسب الدعم الشعبي للحكومة، بل إنه يفيد أيضاً مختلف الفاعلين السياسيين، الذين يُديم حصولُهم على موارد الدولة نظامَ المحاصصة العرقية والطائفية في العراق. كما أن التوافق داخل إطار تقاسم السلطة السياسية يُعدّ عاملاً أساسيّاً للفوز برئاسة الوزراء.
ومن المتوقع أن تستمر عملية تشكيل الحكومة بعد الانتخابات حتى أوائل عام 2026، وهو ما سيتزامن مع انخفاض عائدات النفط، مما سيؤثر على الإنفاق الحكومي. وسيكون اللجوء إلى الدين المحلي، على الأرجح في شكل تمويل غير مباشر من البنك المركزي، أحد المصادر الفورية للتدفقات النقدية الإضافية. وتُقدَّر ديون العراق المحلية بأكثر من 65 مليار دولار، وحتى قبل الانخفاض الأخير في أسعار النفط الناجم عن الرسوم الجمركية، توقّع صندوق النقد الدولي أن ترتفع ديون الحكومة من 44 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2023، إلى أكثر من 86 في المئة بحلول عام 2029، مدفوعة بالاقتراض المحلّي.
تحقيق المستحيل: الإرادة المفقودة لإجراء إصلاحات حقيقية
من المرجّح أن تؤجل الحكومة الإصلاحات العاجلة، تاركة إياها للحكومة المقبلة. وينطوي هذا على خطر تفاقُم أزمة التمويل وتعقيد تشكيل الحكومة بعد الانتخابات. ومن شأن اتّباع مسار أكثر إيجابية أن يشمل تعديل الميزانية الآن لوضع أهداف إنفاقٍ واقعية تستند إلى سيناريوهات معقولة لأسعار النفط.
يكمن جوهر أيّ إصلاح مالي ذي مغزى في الحاجة إلى كسرِ عادة العراق في الإنفاق المدفوع بالنفط والمواكِب للدورة الاقتصادية. ولا يزال العنصر المفقود الأساسي هو الإرادة السياسية لإعطاء الأولوية للمساءلة والشفافية على المدى الطويل، على حساب المكاسب السياسية قصيرة الأجل واسترضاء الجمهور. ويوضّح التخلي السريع عن الورقة البيضاء لعام 2020 ذلك بجلاء.
منذ عام 2003، شكّلت الطائفية والعقد الاجتماعي المُتَمحور حول الإعانات الحكومية والتوظيف في القطاع العام النظامَ السياسي في العراق. ونتيجة لذلك، من المستَبعَد أن تحظى الإصلاحات الضرورية – مثل زيادة الإيرادات الضريبية، وخصخصة الشركات الحكومية ذات الأداء الضعيف، وإجراء تقييمات للتكلفة والعائد من أجل خفض الإعانات وبرامج الرعاية الاجتماعية التي لا يمكن استمرارها – بشعبيّةٍ لدى الناخبين.
من الناحية الواقعية، سيتطلب التحوّل الهيكلي للاقتصاد العراقي ودور الدولة فيه نقلةً على مستوى الأجيال. إذ تقلُّ أعمار نحو 60 في المئة من السكان عن 25 عاماً، ومع ذلك لا يزال الشباب مستبعدين إلى حدٍّ كبير من صنع القرار السياسي، على الرغم من تزايد الوعي السياسي في أعقاب الاحتجاجات التي قُمِعت بقسوة في عام 2019.
ومن شأن الإصلاحات المصرفية الأخيرة واعتماد لائحة الدفع الرقمي العام الماضي أن تحفز التوحيد المالي والشفافية اللذَّينِ طال انتظارهما. علاوة على ذلك، يوفّر التعداد السكاني الأخير في العراق بيانات تتيح توفير مخصصات رعاية اجتماعية أكثر دِقّةً في التوجيه. وفي حين أنّ تقليص القطاع العام مسألة حساسة سياسياً، فإن الامتناع عن الوعود بزيادة التوظيف، وإصلاح قوانين العمل في القطاع الخاص، قد يشجّعان على خلق المزيد من الوظائف النظامية وتقليص القطاع غير الرسمي. ومن شأن تمكين صندوق العراق للتنمية من إقامة شراكات مع الشركات المحلية أن يقلل من أعباء الاستثمار غير النفطي.
بالإضافة إلى مواصلة دعم برامج إصلاح القطاع المالي والقطاع الخاص في العراق، ينبغي لشركاء العراق الدوليين – بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع والبنك الدولي، من خلال مجموعة الاتصال الاقتصادي للعراق – تركيز جهودهم على زيادة الوعي بالإصلاحات بين شباب البلاد، وإرساء الأسس لتغييرٍ تقوده القواعد الشعبية في المستقبل.
وتأتي سلسلة مرصد الإصلاح هذه في إطار مسار العمل في الاقتصاد السياسي للإصلاح، ضمن مبادرة العراق في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يقودها مدير مشروع المبادرة الدكتور ريناد منصور.




