لقد تبددت الآمال في إمكانية إصلاح النظام السياسي العراقي من الداخل بسبب الأداء الانتخابي الضعيف للمرشحين المرتبطين بحركة احتجاجات تشرين.
في انتخابات 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي في العراق، فشلت الأحزاب والشخصيات المرتبطة بحركة احتجاجات تشرين في الفوز بمقاعد في البرلمان. وكانت حركة تشرين قد ظهرت في عام 2019، مطالبة بإصلاح النظام السياسي العراقي. وقد دخل عشرات النواب المدنيين والمؤيدين للإصلاح البرلمان بعد انتخابات 2021، مما أحيا الآمال في أن يتمكنوا من الضغط بهدف الإصلاح من داخل النظام السياسي.
لكن نتائج انتخابات عام 2025 بدّدت هذه الآمال. فقد دفع عدم التكافؤ في الساحة السياسية، والضغط المستمر على النواب غير المنتمين إلى المؤسسة السياسية الفاعلين المرتبطين بحركة تشرين إلى هامش السياسة الرسمية.
البرلمان ينقلب على الوافدين الجدد
بعد انتخابات عام 2021، واجه العديد من النواب الجدد غير المنتمين إلى المنظومة السياسية مزيجاً من الضغوط والإغراءات والعقبات الإجرائية التي جعلت عملهم صعباً. بل إن بعضهم استُهدفوا بصورة مباشرة. فقد طُرد نواب من حزب “امتداد”، وهو منبثق عن حركة “تشرين”، قسراً من جلسة برلمانية في عام 2023 بعد أن رفضوا التصويت على تعديلات قانون الانتخابات، بينما تعرّض مكتب النائب المستقل سجّاد سالم للهجوم بعد أن انتقد الجماعات المسلحة. كما استُبعد سالم مرتين في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2025، واضطر إلى تقديم طعون قانونية متكررة للعودة إلى السباق الانتخابي. وتبعث مثل هذه الحوادث برسالة واضحة حول مدى استضعاف النواب غير المنتمين إلى أيّ تيار سياسي داخل المنظومة السياسية العراقية.
وعلاوة على ذلك، جرى تهميش النواب الذين رفضوا الانضمام إلى الكتل الكبيرة من اللجان المؤثرة، في حين سعت الأحزاب القائمة إلى شرائهم بوعود بمنحهم مناصب أو حمايةٍ أو إمكانية الوصول إلى الموارد. وفي نهاية المطاف، انضم عدد من النواب الذين خاضوا الحملة الانتخابية بصفتهم مستقلين، أو بصفتهم من الأصوات الاحتجاجية، إلى الأحزاب القائمة. وخلال مداخلة ألقاها في فعالية نظّمها معهد تشاتام هاوس، أشار النائب السابق محمد عنّوز إن النظام السياسي العراقي شديد المقاومة للإصلاح لأنّ النخب السياسية تواصل السيطرة على العملية السياسية والهياكل البرلمانية، مستبعدةً أولئك الذين ليسوا جزءاً من المنظومة.
انهيار انتخابيّ
مع بدء حملة 2025، كانت هذه الضغوط الهيكلية قد تركت آثارها بالفعل. فقد اختار علاء الركابي، الرئيس السابق لحزب “امتداد”، عدم الترشح مرة أخرى واعتذر علناً لأولئك الذين دعموه في 2021. ولم يخُض حزب “امتداد” هذه الانتخابات، وانضمّ نوابه إلى كتل أخرى، وجاءت النتائج مخيّبة للآمال كما كان متوقعاً. في عام 2021، حصل مرشحو “امتداد” على قرابة 236 ألف صوت على مستوى البلاد، ونالوا بذلك 16 مقعداً في البرلمان. وقد ترشح 11 نائباً من هؤلاء النواب مرة أخرى في عام 2025، وحصلوا معاً على ما يزيد قليلاً على 20 ألف صوت. وتشير النتائج الأولية إلى أنّ واحداً منهم فقط سيعود إلى البرلمان، وإن كان هذه المرة في إطار حزب آخر.
لقد ظلَّ المرشحون الذين حاولوا الابتعاد عن الكتل الكبرى متفرّقين يعانون من نقص الموارد ويكافحون لإقناع الناخبين بأنّ ولايةً أخرى ستكون مختلفة. وبدلاً من الترشح على أساس برنامج واحد، انقسموا إلى ثلاثة تحالفات مختلفة – شارك سجّاد سالم بقيادة أحدها – وقد ظهرت معاناتهم في النتائج. إذْ تراجعت الأصوات التي حصل عليها سالم نفسه من أكثر من 10,000 صوت في عام 2021 إلى نحو 3,000 صوت، وخسر بذلك مقعده.
ميدان غير متكافئ
تفاقمت الصعوبات التي واجهها النواب غير المنتمين إلى المنظومة السياسية بسبب وجود بيئة انتخابية تنحاز بشكل ساحق إلى الأحزاب الموجودة أصلاً في الدولة. فبين عامي 2022 و2025، استخدمت الأحزاب المنتمية إلى المنظومة السياسية موارد الدولة لتعزيز مكانتها والحد من المساحة المتاحة للجهات الفاعلة المدنية. وقد أتاحت لها سيطرتها على الوزارات ومجالس المحافظات توزيع الوظائف والعقود والمشاريع المحلية على الشبكات الموالية لها.
وقد ظلَّ قانون الأحزاب السياسية لعام 2015، الذي يحظر على الأحزاب أن يكون لها أجنحة مسلحة، ويشترط الشفافية في تمويل الأحزاب، غير مطبَّقٍ إلى حد كبير. ومِن دون التطبيق الجادّ لأحكامه الأساسية، لا تواجه الأحزاب التي تجمع بين الاستفادة من ميزانيات الدولة والأجنحة المسلحة سوى عواقب قليلة، في حين أن الجماعات التي لا تعتمد على القسر أو الأموال العامة تبدأ كل سباق انتخابي في وضع غير مواتٍ من الناحية الهيكلية.
ما يتعدى صناديق الاقتراع
لا يعني اختفاء الأحزاب المرتبطة بتشرين من البرلمان أن العراقيين قد قبِلوا بالمنظومة السياسية. فقد كان إقبال الناخبين في العديد من المدن ذات الأغلبية الشيعية التي شهدت احتجاجات عام 2019 من بين الأدنى في البلاد. ويدلُّ هذا النمط على أن العديد من المتظاهرين السابقين اختاروا العزوف عن عملية انتخابية لم يعودوا يرونها وسيلة للتغيير.
ثمّة عزوف واضح عن التصويت في العديد من هذه المناطق، لكن هذا لا يعني عزوفاً عن السياسة. إذ لا يزال العراقيون متفاعلين للغاية، لكنهم يختارون توجيه هذا التفاعل نحو المجالات التي يشعرون أنها قد تُحدِث تأثيراً. فحملات مثل “حماة دجلة” تعمل على حشد الرأي العام حول مستقبل النهر والإجراءات المناخية الأوسع نطاقاً، وتتعاون مع الخبراء للدفع قُدماً بهذه القضايا. وبالمثل، تلجأ بعض المجتمعات المحلية إلى رجال الدين المحليين لقيادة الاحتجاجات والمفاوضات، بينما تركز مجتمعات أخرى على تحسين محيطها المباشر والنجاة في ظلّ أنظمة قائمة على المحسوبية.
ما هو القادم بالنسبة إلى من لا يزالون ينشدون الإصلاح؟
أظهرت انتخابات 2025 أن زخم الاحتجاجات وظهورها العلني لا يكفيان إزاء منظومةٍ تقاوم التغيير بشدة. فما الخطوات التالية التي ينبغي أن يتخذها المرشحون غير المنتمين إلى المنظومة السياسية، وكذلك الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، التي لا تزال ترغب في المشاركة برسم مستقبل العراق؟
أولاً، عليهم إعادة بناء الثقة مع قواعدهم، ولا سيّما مع الأغلبية الصامتة التي لم تشارك في التصويت. وهذا يعني تواصلاً أوضح يعترف بحالة عدم الثقة في المنظومة السياسية ويطرح تطلُّعات واقعية في شأن ما يمكن تحقيقه، مثل الدفع المتأنّي والمستدام نحو التغيير، بدلاً من السعي إلى إجراء إصلاح شامل لهذه المنظومة.
ثانياً، إن وحدة الصف أمر بالغ الأهمية. ومن شأن توحيد الكلمة على مستوى المحافظات، ووضع أجندة سياسية مشتركة، والتوصل إلى اتفاقات للتعاون بدلاً من التنافس في ذات الدوائر الانتخابية، أن يساعد في تلافي الخسائر الناتجة عن أخطاء ذاتية، وأن يثبت أنّ المرشحين غير المنتمين إلى المنظومة السياسية قادرون على العمل بصورة جماعية.
ثالثاً، يتعيّن على المرشحين غير المنتمين إلى المنظومة أن يضعوا مسألة إيجاد ميدان منافسةٍ متكافئ على رأس جدول أعمالهم. ومن الأولويات الرئيسية الضغطُ من أجل أن يصبح قانون الأحزاب السياسية أكثر من مجرّد حبرٍ على ورق. بل يجب أن يُنفّذ ويُطبّق على جميع الأحزاب.
لقد أظهرت انتخابات 2025 أن أولئك الذين يسيطرون على الدولة العراقية يكافَؤون، بينما يُستبعد أولئك الذين يسعون إلى إصلاحها. ولتجنُّب مواجهة نفسِ العوائق الهيكلية في الانتخابات المستقبلية، ينبغي أن يستفيد الإصلاحيون والمجتمع المدني الأوسع نطاقاً من هذه الهزيمة لتحويل الحوار نحو تغيير قواعد اللعبة.




