.Read the article in English here
ينجرّ العراق بشكل متزايد إلى الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران، حيث يهاجم الطرفان بعضهما البعض على أراضيه. وقد عانى المدنيون من سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة بالقرب من المباني السكنية في مدن مثل بغداد وأربيل.
كما كشفت الحرب عن هشاشة الاقتصاد والمجتمع العراقيين. ويواجه معظم العراقيين هذا الصراع الدائر مؤخراً بموارد مالية محدودة ومدخرات ضئيلة، مع تدنّي ثقتهم في قدرة الدولة على حمايتهم من تداعيات الحرب.
وقد تسبّبت هذه الحرب بإثارة القلق لدى العديد من الأُُسر العراقية بشأن ما إذا كانت ستستمر في تلقّي رواتبها أو ستتمكن من تأمين الغذاء والأدوية. وثمة مخاوف أيضاً بشأن استمرار إمدادات الكهرباء بينما ترتفع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف.
كما سلّطت الهجمات التي يُشتبَه بمسؤولية إيران عنها على ناقلتين في المياه العراقية قرب مدينة الفاو الساحلية في مطلع آذار/ مارس الضوء على اعتماد العراق الكبير على التجارة البحرية. وقد بدأ اضطراب حركة الشحن في الخليج بالفعل في تقييد الواردات، وتعطيل الشحنات المتجهة إلى العراق أو تأخيرها.
وبالنسبة إلى بلد ينقل أكثر من 90 في المئة من تجارته عن طريق البحر، فإن امتداد فترة الاضطراب في الخليج يهدد بضرب الاقتصاد العراقي وحرمانه من صادرات النفط الحيوية التي تموّل غالبية ميزانية الدولة.
شبكة الأمان العراقية تتآكل
يواجه العراق الحرب بهياكل حوكمة أضعف، وقدرة أقلّ على حماية المجتمع من تداعياتها مقارنة بالعديد من جيرانه.
وتُعدّ ميزانية الدولة العراقية شبكة الأمان الرئيسية لجزء كبير من السكان. فهي توفّر الرواتب لملايين العراقيين، ولا تزال العديد من الأسر تعتمد على الإنفاق الحكومي من أجل تأمين احتياجاتها اليومية، سواء من خلال الرواتب، أو المعاشات التقاعدية، أو الإعانات الاجتماعية المرتبطة بالإنفاق العام.
ولا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، إذ تُشكّل مبيعات النفط الخام أكثر من 90 في المئة من دخل الدولة. وعندما تتعطل تدفقات النفط، يتأثر الإنفاق الحكومي. وبالتالي، يؤثر ذلك على ميزانيات المواطنين من خلال ارتفاع تكاليف الإيجار والغذاء والنقل والأدوية والتعليم.
وقد كشفت الحرب على إيران عن هذا الاعتماد المفرط من خلال الضرر المباشر الذي لحق بقدرة العراق على التصدير. فقد أعلنت بغداد حالة القوة القاهرة في حقول النفط التي تديرها شركات أجنبية بعد أن أدى تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى توقّف معظم صادرات النفط الخام.
وما يزال العراق يمتلك احتياطيات تُقدَّر بنحو 97 مليار دولار، إلّا أن جزءاً كبيراً منها غير متاح نقداً بشكلٍ فوريّ، كما أن هذه الاحتياطيات لا توفر سوى متنفسٍ قصير الأمد. ويقدّر خبراء اقتصاديون أنّ لدى العراق مهلة تقارب شهرين قبل أن تتأثر الرواتب بشكل مباشر، وبعدها ستضطر الحكومة إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة لضمان استمرار دفعها.
وشهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية في جميع أنحاء العراق ارتفاعاً بنسبة تتراوح بين 15 و25 في المئة. وفي إقليم كردستان، أفاد مسؤولون بأن أسعار الخضار التي تُستورد عادةً من إيران قد تضاعفت، في حين أفادت التقارير بأنّ أسعار المحروقات ارتفعت بأكثر من 20 في المئة في بعض المدن.
وفي الوقت نفسه، انخفض سعر الدينار في السوق السوداء من السعر الرسمي البالغ 1,300 إلى نحو 1,550 مقابل الدولار، مما زاد من الضغط على القوة الشرائية للأسر.
أزمة كهرباء تلوح في الأفق
من المرجّح أن تكون الكهرباء هي الجانب الأسوأ الذي ستشعر به الأسر العراقية من جرّاء الحرب.
ورغم امتلاك العراق احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، إلا أنه يهدر معظم هذا الغاز عبر الحرق بسبب افتقاره إلى البنية التحتية اللازمة لاستخدامه في توليد الكهرباء. ومنذ عام 2017، اعتمد العراق بدلاً من ذلك على استيراد الغاز الطبيعي الإيراني لتوفير الكهرباء. ويعتمد أكثر من 30 في المئة من توليد الكهرباء الحالي في العراق على تلك الواردات، مما يجعله عرضة للتوترات الإقليمية.
وأدّى هجوم إسرائيل في 18 آذار/مارس على حقل بارس الجنوبي للغاز الإيراني إلى تعطيل جزء كبير من واردات العراق من الغاز. وقد استؤنفت إمدادات الغاز إلى العراق الآن، ولكن بشكل جزئي فقط، ما ساهم في استقرار الشبكة الكهربائية مؤقتاً، لكنه ترك هامشاً ضئيلاً لأي اضطرابات إضافية.
ولا يزال نظام الكهرباء هشاً مع اقتراب فصل الصيف، حين يرتفع الطلب بشكل حاد بسبب الحرارة. ومع قدرة توليد إجمالية لا تتجاوز 27-28 غيغاواط، وطلبٍ يتوقع أن يبلغ ذروته في عام 2026 عند نحو 57 غيغاواط، فإنّ أي انقطاع إضافي قد يؤدي سريعاً إلى تفاقم العجز.
وقد تبيّن هذا الضعف بالفعل في 4 آذار/مارس، عندما تعرَّض العراق لانقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد بعد انخفاض مفاجئ في إمدادات الغاز إلى محطة الرميلة لتوليد الكهرباء التي تعمل بالغاز في البصرة.
وقد سبق وأن بحَث العراق عن بدائل للغاز المستورد من إيران، بما في ذلك استيراد الغاز من قطر وعمان، والجهود الرامية إلى توسيع إنتاج الغاز المحلي. لكن هذه ليست بدائل فورية.
ولطالما أثارت أزمات نقص الكهرباء احتجاجات على مر التاريخ في العراق، حيث يعتقد العديد من المواطنين أن سنوات من ارتفاع عائدات النفط كان ينبغي أن تؤدي إلى تحسينات في البنية التحتية للكهرباء في البلاد. ويكشف الصراع الحالي عن ضآلة ما بُذِل من جهود لجعل النظام الكهربائي أكثر موثوقية، على رغم التحذيرات المتكررة.
تبعات سياسية؟
تُنذر الضغوط الناجمة عن الحرب بتأجيج جُملةٍ من المظالم الموجودة مسبقاً والمشحونة سياسياً.
لقد تآكلت شرعية الدولة في العراق بالفعل بسبب سنوات من الفساد والسياسات قصيرة النظر والتوزيع غير المتكافئ للخدمات، ومع تصاعد الأثر الاقتصادي للحرب، تغدو قناعة الرأي العام بعدم إمكانية الاعتماد على الحكومة في أوقات الأزمات عاملاً لا يقل أهمية عن التأثيرات المادية المباشرة.
وكانت الاحتجاجات بشأن الوظائف والخدمات قد بدأت تعاود الظهور بالفعل قبل الحرب. وقد استهدفت موجات الاحتجاج السابقة النخبة الحاكمة بسبب الفساد والفشل في توفير الخدمات. كذلك رفض العديد من المتظاهرين النفوذ الإيراني تاريخياً، إلى جانب رفضهم للنمط الأوسع من التدخلات الخارجية الذي أتاحه النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003.
وقد أعادت الحرب الحالية إحياء كثير من هذه المظالم، لكنها لم تُفضِ إلى رد فعل شعبيّ موحّد.
فقد أعرب بعض العراقيين عن غضبهم من إيران وحلفائها في العراق لتعريض البلاد لصراع لا يمكنها تحمّله. بينما احتج آخرون مؤخّراً للتعبير عن تضامنهم مع إيران، وحاولوا اقتحام السفارة الأميركية في بغداد.
وبالنسبة إلى كثير من العراقيين، فإن هذه المواقف لا تتعارض مع بعضها البعض. إذ يمكن أن يتعايش الغضب من نفوذ طهران مع رفض التدخل العسكريّ الأميركي. وبالمثل، يمكن أن يترافق انتقاد الجماعات المسلحة العراقية مع الاستياء من دور إسرائيل والولايات المتحدة في توسيع نطاق الحرب.
ولا يُنظر إلى هذه المواقف على أنها متناقضة، بل هي ردود فعل متداخلة تجاه صراع ساهمت فيه الجهات الخارجية والجماعات المسلحة المحلية والدولة الضعيفة في تعريض البلاد لعنف لا يمكنها السيطرة عليه.
الحاجة إلى استجابة عاجلة
بالنسبة إلى العراق، فإن الاختبار الأشدّ إلحاحاً الآن هو كيفية استجابة الدولة للضغط الذي تفرضه الحرب على المجتمع.
ولئن لم يكن في مقدور الحكومة التخفيف من جميع آثار الحرب الإقليمية المتوسعة، إلّا أنها تستطيع الحد من عمق تأثيرها على الأسرة العراقية.
وهذا يتطلب من الحكومة إيجاد حلول مبتكرة قصيرة الأجل لحماية الرواتب. وقد تشمل هذه الحلول استراتيجيات استُخدمت في فترة جائحة كوفيد-19، عندما أعطت بغداد الأولوية لدفع الرواتب والمعاشات التقاعدية بالاعتماد بشكل أكبر على سندات الخزانة والاقتراض المحلي، واعتمدت على البنك المركزي والنظام المصرفي للحفاظ على السيولة وتدفّق المدفوعات.
وعلى المدى الطويل، يحتاج العراق أيضاً إلى تنويع إيراداته بعيداً عن الاعتماد المفرط على عائدات النفط. كما ينبغي للعراق أن يحمي نفسه من الاضطرابات في مضيق هرمز، من خلال تأمين طرق بديلة وموثوقة لاستيراد الضروريات، على سبيل المثال عبر الأردن وتركيا وسوريا.
يعيش العراقيون بالفعل آثار هذه الحرب، وما يهمُّ الآن هو ما إذا كانت الدولة قادرة على حماية المواطنين من تحمّل وطأة أزمة جديدة مرة أخرى.




