السويداء: نظرة على السلام غير الليبرالي في سوريا

يمكن القول إن التطوّرات الحاصلة في خريطة سيطرة السلطة الحالية التابعة للرئيس أحمد الشرع (الحكومة والجماعات المتحالفة معها) على الأراضي السورية، سواء أخذ مساحات شاسعة من شمال شرق سوريا، أو الاتفاق على منطقة اقتصادية منزوعة السلاح مع إسرائيل في الجنوب، قد تُحقق استقراراً قصير الأمد. لكنّ الاستقرار على المدى الطويل يظلّ رهناً بواقع أشمل. إذ تواجه حكومة الشرع المؤقتة تحديات في سعيها نحو مركَزةِ الدولة والاستحواذ عليها، وذلك نتيجة لرفضها الاستجابة للمطالب المجتمعات المحلية بتقاسم السلطة، فضلاً عن التدخلات الخارجية.

ولدى إدارة الرئيس أحمد الشرع شرعية محدودة في الأوساط غير السنيّة، التي ترى في تقاسم السلطة مطلباً أساسياً لحماية حقوقها ومصالحها. ووفقاً لاستقصاءٍ أجرته مؤسسة إيتانا، أفاد أكثر من 90 في المئة من أبناء الطائفة الدرزية بعدم رضاهم عن أوضاع حقوقهم وأمنهم وخدماتهم وحرياتهم، بينما اعتبر 98 في المئة أنّ الحكومة غير تمثيلية وتفتقر إلى الشفافية. وتُبرز محافظة السويداء القيود البنيوية التي تعتري السّلمَ السلطوي الذي تتبناه الإدارة الانتقالية. فهذا النهج يَعِد بالاستقرار من دون إحداث تحوّل حقيقي، متجاهلاً الحقوق، والعدالة الانتقالية الشاملة، والمشاركة الفاعلة، والإدماج الفِعليّ.

يمكن لتشارُك السلطة عبر اللامركزية في سوريا إيجادُ مسارٍ نحو سلام أكثر استدامة وبناءٍ أرسَخ للدولة، غير أنّ ذلك مشروط بأن يصاغ بالشراكة مع المجتمعات المحلية، لا أن يُفرَض حصرياً من خلال النُّخب الحاكمة في المركز أو الأطراف. وهذا يتطلب لامركزية السلطة، وليس إعادة تشكيل نظام سياسي شديد المركزية. فاللامركزية ليست مجرد عملية إدارية فحسب، بل ينبغي النظر إليها بوصفها عمليةً تفاعلية تنطلق من المجتمعات المحلية، وتُتيح الإدماج من خلال اتحادات ونقابات تمثيلية، وشبكات مجتمع مدني شعبية، ومجالس وأحزاب تعيد توزيع السلطة على المجتمعات المحلية.

مأزق السويداء في سياقٍ جيوسياسي متغيّر

تاريخياً، ظلّت علاقة جبل الدروز متوترة مع الدولة المركزية، منذ حقبتَي الاستعمارَين العثماني والفرنسي، وحتى سوريا ما بعد الاستقلال، إذ طالب الجبل مراراً بالاعتراف بخصوصيته ونصيبه من الحكم والموارد. وفي الواقع، تمتّعت محافظة السويداء بقدر كبير من الحكم الذاتي منذ انتفاضتها ضد الأسد عام 2023، وقد انتفضت الطائفة الدرزية بعد سنوات من التهديدات والصعوبات الاقتصادية التي وصلت إلى نقطةٍ حرجة، بما في ذلك هجمات تنظيم الدولة الإسلامية، والفساد، والتجنيد الإجباري، والفشل في توفير الحماية، واغتيال الشيخ البلعوس، زعيم ميليشيا رجال الكرامة الدرزية في عام 2015. كما أنّ التحوّل داخل مشيخة العقل، التي تعكس بنية المرجعية الدينية الدرزية، المتداخلة أحياناً مع الشأنين السياسي والاجتماعي، مِن مقاومةٍ محدودة إلى المقاومة الكاملة لنظام الأسد – لا سيما في عهد الشيخ حكمت الهجري، ساهم في تحفيز الثورة.

ورغم أن التوتر بين السويداء والمركز ليس جديداً، فإن السياق والرهانات اليوم مختلفان ويعكسان ديناميات قائمة في مناطق أخرى من سوريا. فعقب تولّيها الحُكم، سعت السلطة المؤقتة إلى فرض سيادتها على الأراضي غير الخاضعة لسيطرة الدولة. لكن الطوائف الحاكمة في هذه المناطق قاومت هذا المسعى، ذلك أنّها لم تكن مستعدة للتخلي عن هامش الاستقلالية الذي اكتسبته، ناهيك مِن أنها كانت تخشى سجلّ السلطات في العنف الطائفي. وفي المقابل، حاولت دمشق فرض سلطتها عبر قوى موالية وأخرى ذات اصطفاف طائفي. وأدّى ما أوردته التقارير عن جرائم حرب طائفية وإعدامات خارج نطاق القضاء في المنطقة الساحلية والغربية الوسطى من سوريا، تلَتها أنماط مماثلة من العنف في السويداء في تموز/ يوليو 2025، ما تزال من دون مساءلة؛ إلى تآكل الثقة لدى المكوّنات غير السنيّة، التي بات كثير منها ينظر إلى السلطة الانتقالية بوصفها تهديداً وجودياً.

وقد حالَ الغزو الإسرائيلي لأراضٍ سورية دون تمكّن السلطة الانتقالية من بسط سيطرتها الكاملة على السويداء، حتى وإن بدا أنها كانت تعتقد بوجود موافقة ضمنية على إرسال قواتها. وقد أسفر ذلك عن نشوء صراعٍ مجمَّد بين السلطة الانتقالية وممثلي السويداء المحليين، تجلّى في وقف شكليٍّ لإطلاق النار تتخلّله انتهاكات، ما أبقى السويداء معزولة عن الدولة، وترَك سكانها عالقين بين القوات الانتقالية والميليشيات المحلية والقوى الخارجية.

وتُواصل الميليشيات المحلية والدول المتدخلة السعي وراء مصالحها الأمنية والسياسية، بصرف النظر عن مسـألة السيطرة على الأراضي. ويُفيد نشطاء محلّيون بأن الميليشيات المتحالفة مع الهجري تمارس سيطرتها على الحياة اليومية، من الوصول إلى المساعدات وسبُل العيش، إلى التنقّل داخل السويداء وخارجها .[1] كما وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش مساعي إسرائيل الرامية إلى تعزيز نزع السلاح في جنوب سوريا، إلى جانب احتلالها للمناطق المجاورة وتهجير سكانها. ويتحمل المدنيون العبء الأكبر، إذ يعاني نحو 187 ألف نازح سوري داخلياً في السويداء حالياً من نقص الوقود ومن الفقر وانعدام الأمن في الغذاء والمسكن.

وسط هذا السياق الجيوسياسي المعقّد، الذي يتبدّى أيضاً في المناطق ذات الغالبية الكردية والعلوية، يبرز السؤال المحوري أمام السلطة الانتقالية في شأن ما إذا كانت قادرة على تحقيق الاستقرار الذي ينشده النظام الدولي، من دون إعادة إنتاج السياسات العُنفيّة والإقصائية التي أفرغت الدولة السورية من مضمونها في ظل النظام السابق.

غير أنّ الأحداث التي شهدتها سويداء حتى الآن لا تبعث على التفاؤل. فقد تلاشت الوعود بالأمن والازدهار والدولة المدنية ليحلّ محلّها الإكراه والعنف الطائفي ، وما تلاهما مِن إبرام صفقات أمنية واقتصادية خارجية لا تعكس بالضرورة الاحتياجات المحلية على المدى الطويل، مما يسلط الضوء على هشاشة أسس الانتقال غير الليبرالي الطابع.

“انتقال” بِلا تحوّل سياسيّ

كانت الخطوات التي اتخذتها السلطة المؤقتة نحو الشمول، مثل الحوار الوطني وتشكيل الحكومة والانتخابات البرلمانية، خطوات استعراضية إلى حد كبير. فقد أُنجزت هذه العمليات على عَجل وبصورة موجَّهةٍ ، ما أدى إلى إقصاء فاعلين أساسيين في المجالين المدني والحَوكمي، مع إعادة توزيع السلطة داخل شبكات موالية للشرع. كما أثارت الصلاحيات الواسعة الممنوحة للشرع بصفته رئيساً انتقالياً مخاوف إضافية بشأن ترسيخ نزعة سلطوية. ومع ذلك، ورغم إعطاء الأولوية للاستقرار قصير الأجل على حساب التحوّل طويل الأمد، اتجه النظام الدولي إلى إضفاء الشرعية على الحكومة الانتقالية.

وتبدو هذه الديناميات جليّةً في السويداء، إذ أسفر اجتماع ثلاثي بين سوريا والأردن والولايات المتحدة عن خريطة طريق تركّزت على استعادة الأمن والخدمات بوصفهما شرطين مسبقين للاستقرار، إلى جانب معالجة قضايا العدالة والتمثيل والثقة والمصالحة والمساءلة. غير أنّ هذه العملية، شأنها شأن اتفاق سوريا وإسرائيل المدعوم من الولايات المتحدة لإنشاء منطقة اقتصادية منزوعة السلاح، الذي أعقبها، هي عملية محكومة بالفشل لأنها تُدار من أعلى إلى أسفل، تتوسطها السلطة الانتقالية، وتُصاغ وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية، بدل أن تنبثق عن حوار وطني ومحلي حقيقي. وقد هُمِّش الممثلون المحليون والقنوات المجتمعية – الذين دعا كثير منهم إلى تقرير المصير ورفض اضطلاع السلطة بدورَي المحقّق والضامن في آن واحد.

ويعكس ذلك نمطاً عامّاً أوسع لما يمكن تسميته ببناء السلام غير الليبرالي، إذ تتشكّل ترتيبات الحكم الانتقالي من خلال صفقات بين النخب وعبر مقاربات تركّز على الاستقرار الأمني، فيما يُعامَل الفاعلون المحليون على أنهم عديمو الأهمية. ومع ترسّخ سيطرة الفاعلين السلطويين، يعمد فاعلون دوليون يقدّمون أنفسهم باعتبارهم تحرُّريين إلى تكريس هذه الديناميات عبر القبول بإصلاحات شكلية. ومن منظور لندن أو بروكسل، قد يبدو هذا النهج تقدمياً؛ غير أنه على أرض الواقع لا يسهم الكثير في تعزيز الحقوق أو العدالة أو السلام المستدام.

مخاطر “الاستقرار” قصير الأمد واحتمالات الفشل المتجدّد

تختزل السويداء أربع ديناميات مترابطة تواجه الفاعلين الدوليين عند صياغة تدخّلاتٍ ترمي إلى تحقيق سلام مستدام.

أولاً، وبالنظر إلى سجلاتهما السابقة، يُرجَّح أن تستثمر كلٌّ من قوات الهَجَري والسلطة الانتقالية في الأنماط ذاتها من علاقات العنف والإقصاء والطائفية والمحسوبية التي طبعت طويلاً بنية الدولة السورية. وقد استخدم فاعلون من داخل الدولة وما دونها أنماطاً مشابهة لترسيخ السيطرة، ما أسهم في إعادة إنتاج الصراع واستدامته.

ثانياً، إن تركيز السلطة الانتقالية على الشرعية الخارجية بدلاً من الشرعية الداخلية يهدّد بتقويض مسار الانتقال. فمع أن الشرعية الخارجية تفتح الباب أمام المساعدات والاستثمار، إلّا أنها لا يمكن أن تعوّض الثقة المحلية أو القبول المجتمعي. وتُظهر حالة السويداء تبعات غياب هذه الشرعية الداخلية.

ثالثاً، إن انصراف الفاعلين الدوليين إلى تحقيق استقرار محدود النطاق، بدلاً من إعطاء الأولوية للعدالة أو الشمول، يمنح الأفضلية لآليات تقودها النخب على حساب الاحتياجات والمسارات المحلية. ورغم أن هذا النهج قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، فإنه على المدى الطويل ينطوي على خطر تغير مكان ووقت الصراع بدلاً من معالجته جذرياً.

رابعاً، وعلى رغم هذه التحديات، تظلّ هناك بدائل مدنية واعدة، وإن كانت تفتقر إلى الدعم الكافي. وتُظهر مبادرات مثل «مبادرة الإنقاذ الوطني» أنّ التصوّرات السياسية الشاملة ما تزال قابلة للتحقق، لكنها تعمل في ظل محدودية التمويل وغياب الضمانات الأمنية وضعف الاعتراف الدبلوماسي، وتواضع الانخراط في السياسات العامة.

نحو مقاربة مختلفة للانتقال

تشير هذه الديناميات إلى أهمية تضمين مسار الانتقال في سوريا مكوّناً تصاعدياً ينطلق من المجتمعات المحلية. ذلك أن احتمال استدامة السلام يزداد عندما يخدم المجتمعات المحلية ويتيح للهُويات والاحتياجات المتنوعة أن تتعايش من دون إخضاعها لقالب سياسي واحد.

وبناءً عليه، لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يتعامل مع الدول المتدخلة والميليشيات والسلطات الانتقالية بوصفهم الفاعلين الوحيدين في المشهد السياسي السوري. إذ يجب أن يُفهَم الاستقرار الذي قد تسهم هذه الأطراف في تحقيقه بكونه وسيلة لتعزيز السلام، لا غايةً قائمة بذاتها.

وفي التطبيق العمليّ، يعني ذلك الاستثمار أوّلاً في الفاعلية المجتمعية المحلية، ودعم المشاركة المحلية الفاعلة والإدماج الحقيقي، إلى جانب نمط من اللامركزية تُحدّده المجتمعات المحلية نفسها بدل أن يتشكّل بفعل استحواذ النُّخب على السلطة. كما إن تمويل البدائل المدنية يمكن أن يؤدي دور النسيج الرابط وأن يكون قوّة موازِنة جماعية في مواجهة هيمنة النخب.

وفي السويداء، قد يشمل ذلك إنشاء مجالس محلية جامعة تضمّ شخصيات مستقلة وممثلين عن المجتمع المحلي وفاعلين من المجتمع المدني، إلى جانب اتخاذ تدابير لحماية هذه المجالس من عنف الدولة وعنف الجماعات اللادولتية. ويمكن عندئذٍ توجيه الانخراط مع السلطة الانتقالية وميليشيات الهجري عبر هذه الأطر المؤسسية.

إن الانتقال بسوريا لا يتمركز في دمشق وحدها، بل يمتد عبر مناطق ومجتمعات متعددة تسعى إلى أن يكون لها صوت في رسم مستقبل البلاد. وإنّ تجاهل هذه الأصوات قد يُكرّس سِلماً سلطوياً _Rقائماً اليوم، قد يفضي إلى موجات جديدة من الصراع. إلّا أن ثمّة إمكانية لمسارٍ أكثر شمولاً. فيما يبقى السؤال المُلحّ: أي رؤية للسلام ينبغي دعمها، وبأيّ شروط؟

[1]  مقابلة أجرتها الكاتبة عبر الإنترنت مع ناشط في دمشق في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

وصف الصورة: غرافيتي على حائط “من يحرّر يقرّر”، تعكس منطق السلام غير الليبرالي في سوريا.

المصدر: التقطتها الكاتبة (رنا خلف) في مدينة حمص، سوريا، في 10/01/2025