لم تكن فترة ما بعد الربيع العربي فترة تحوّلٍ بقدر ما كانت فترة احتواء. وبعد أكثر من عقد منذ اندلاع الاحتجاجات في أنحاء العالم العربي، لم تسقط معظم الأنظمة السياسية ولم تتحول إلى أنظمة ديمقراطية. بل إنّ هذه الأنظمة تكيّفت وأعادت صياغة إدارة الحُكم بطُرق استوعبت الضغوط الشعبية وأبقت على هياكل السلطة القائمة.
وعندما اندلعت الاحتجاجات في المنطقةِ عامَ 2011، كانت مدفوعة بالمظالم التي تمسّ الحياة اليومية، بقَدْر ما كانت مدفوعة بالمُثل السياسية. وقد خرج الناس إلى الشوارع مطالبين بالكرامة والإنصاف، وأن يكون لهم رأي يؤخذ بالحسبان في شؤون حُكمهم. وشكّل الفساد، والبطالة، وغلاء الأسعار، وغياب المساءلة عن السلطة، أرضيةً مشتركةً غذّت الحَراك، من تونس إلى القاهرة والمنامة ودمشق وما بعدها. ونظراً لاستمرار هذه الاحتجاجات واتساع نطاقها وانتشارها الجغرافي، بدا لوهلةٍ أنّ أنظمة الحكم الراسخة منذ زمن طويل قد تُضطر إلى إجراء تغييرات جذرية.
إعادة تعريف المساءلة بعد عام 2011
منذ الربيع العربي، أُعيدَ تأطير المساءلة في معظم أنحاء المنطقة. فقد حوّلت الحكومات معنى الاستجابة، من المشاركة السياسية، إلى النتائج الاقتصادية، والكفاءة الإدارية، والإصلاح التنظيمي، والأداء .ويُحَثّ المواطنون بصورة متزايدة على أن يحكموا على الدولة من ناحية شقّ الطرق ورَقمَنة الخدمات وخلقِ الوظائف، بدلاً من القدرة على مساءلة الزعماء. وقد لعبت التقنيات الجديدة دوراً مركزياً في هذا التحوّل. فقد أسهمت المنصات الرقمية في تبسيط الإجراءات البيروقراطية وتقليل الاحتكاك في تقديم الخدمات، في حين أنها ساعدت على توسيع قدرة الدولة على الرقابة عبر الإنترنت ومراقبة السلوك. وأسفر ذلك عن شكلٍ من أشكال المساءلة الإدارية، بدلاً من السياسية، مما عزز الامتثال وقلَّص مساحة المعارضة.
ولا يمكن القول إن هناك نموذجاً إقليمياً موحَّداً للحوكمة بعد الربيع العربي. فقد تباينت المسارات السياسية بناءً على قدرة الدولة ومواردها الاقتصادية، ومدى تعرّضها للاضطرابات. إذْ سعت بعض الحكومات إلى إجراء إصلاحات مدروسة بعناية، بينما أعطت حكومات أخرى الأولوية لتعزيز الأمن. وفي بلدان مثل سوريا وليبيا واليمن، أدت الاحتجاجات إلى صراع مديدٍ بدلاً من إحداث تغييرٍ على مستوى المنظومة السياسية. وعلى اختلاف هذه المسارات، اعتمد القادة بشكل متزايد على الشعور الوطني كخطابٍ يوحّد الصفوف، واصفين الولاءَ للدولة بأنه واجب مدني، والمعارضةَ بأنّها تهديد للنسيج الوطني. وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الضغوط التي تواجه المجتمعات، من التضخم إلى الهجرة، والضغوط المناخية، وتداعيات النزاع، هي بطبيعتها ضغوطٌ عابرة للحدود ولا يمكن احتواؤها داخل الحدود الوطنية.
النموذج الخليجي: تحييد السياسة من خلال الإنجازات الاقتصادية
تتجلى استراتيجية الحوكمة التكّيفية هذه بمنتهى الوضوح في منطقة الخليج. فقد استجابت الدول الأكثر ثراءً لدروس عام 2011 بمضاعفة الإصلاحات الاقتصادية، مع السعي الحثيث إلى إبعاد السياسة عن الحياة العامة. وفي المملكة العربية السعودية، أصبحت مبادرة “رؤية 2030″، التي أُطلقت في عام 2016، الإطار الأساسي الذي تُحدَّد من خلاله الحوكمة والمساءلة. وقد وسّعت الدولة دورها لتغدو مُخطِّطاً اقتصادياً ومستثمراً، وأطلقت مشاريع كبرى في مجال البنية التحتية والسياحة، وأعادت هيكلة أسواق العمل من خلال سياسات السعوَدة. واستُحدثت منصات رقمية مثل أبشِر، لتبسيط الإجراءات الحكومية، مما يتيح للمواطنين الوصول إلى الخدمات وتقديم الشكاوى والتفاعل مع المؤسسات الحكومية بطرق تبدو فعّالة وسريعة الاستجابة، مع الحفاظ على الرقابة الصارمة. كما عُزِّزت الهوية الوطنية بصورة نشطة من خلال مبادراتٍ ثقافية وسردياتٍ حكومية تربط بين الرخاء والتحديث والولاء. وكانت ردود فعل الجمهور براغماتية إلى حدّ كبير، فقد رحّب الكثيرون بتحسين الخدمات والفرص الجديدة، حتى مع استمرار القيود الصارمة على المشاركة السياسية.
سياسة الاحتواء خارج منطقة الخليج: الأردن والمغرب
كان الإصلاح أكثر صعوبة خارج منطقة الخليج. فالدول التي تمتلك موارد أقلّ، وتواجه تحالفات اجتماعية أكثر تعقيداً، تجِد نفسها في موقف صعب بين السيطرة والشمول. ويبرُز الأردن والمغرب في هذا الصدد، إذ أجرى البلدان تعديلات محدودة ولكنها ملحوظة في مجال الحوكمة منذ عام 2011، وذلك من باب الاستراتيجيات التي تهدف إلى الاحتواء أكثر منها إلى التحوّل.
في الأردن، أعقبت التعديلات الدستورية التي أُقِرّت في عام 2011، وإنشاء مؤسسات قضائية وانتخابية جديدة في عام 2012، مراجعات متكررة للقوانين الانتخابية. واعتمدت الإصلاحات بدرجة كبيرة على تعديلات وزارية وتدابير اقتصادية قصيرة الأجل لإدارة السخط الشعبي. وظلت ثقة الشارع ضعيفة، وتحولت الضغوط الاقتصادية مراراً إلى احتجاجات، لا سيما خلال مظاهرات ضريبة الدخل في عام 2018، واحتجاجات تكلفة المعيشة في عام 2022. ولئن أدى الإصلاح المؤسسي إلى تهدئة الاضطرابات، إلّا أنه لم يستعد الثقة في المساءلة السياسية.
وقد انتهج المغرب استراتيجية مماثلة، إذْ اعتمد إصلاحات دستورية وسّعت من الصلاحيات الرسمية للمؤسسات المنتخبة، مع الحفاظ على السلطة الفعلية في المركز. وقد أدت المنافسة الانتخابية في البداية إلى توجيه المشاركة العامة، لكن الانخفاض الحاد في الثقة في السياسة الحزبية بعد انتخابات عام 2021، كشف عن محدودية هذا النهج. وفي السنوات الأخيرة، تجاوزت الاحتجاجات المتعلقة بالتضخم والبطالة والحصول على الخدمات – بما في ذلك المظاهرات في أعوام 2023 و2024 و2025 – القنواتِ السياسية الرسمية بشكل متزايد، مما يعكس عزوفاً أوسع عن السياسة الرسمية.
عندما يفشل الاحتواء
يُعدّ اليمن أبرز مثال على ما يمكن أن تؤدي إليه المظالم التي لم تُعالج. فما بدأ كاحتجاج في عام 2011، سرعان ما تحوّل إلى انهيار سياسي وحربٍ طويلة الأمد. وحلَّ انقسامُ السلطة، والانهيار الاقتصادي، والأزمة الإنسانية، محلّ إصلاح الحوكمة. كما تغيب المساءلة إلى حدّ كبير، وأصبح البقاء أهمّ بكثير من المواطَنة. ويُجسّد اليمن أقصى مآلات الإخفاق في إدارة التحولات داخل الإقليم، إذ أدّى الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية إلى انهيارٍ منظوميٍّ بدلاً من تحقيق الاستقرار.
استمرار الاحتجاجات والضغوط المشتركة
سعى القادة بعد عام 2011 إلى نزع الطابع السياسي عن شعوبهم واستبدال الطموح الاقتصادي والحسّ الوطني بالتعبئة السياسية. ومع ذلك، لم تختفِ الاحتجاجات في جميع أنحاء المنطقة. ولئِن أصبحت أكثر محلية، ومدفوعة أكثر بالاقتصاد، وأكثر تجزّئةً، لكنها لا تزال سمة متكررة في الحياة السياسية. وتعكس المظاهرات الأخيرة بسبب أسعار المواد الغذائية، وتكاليف الوقود، ونقص المياه، وانقطاع الكهرباء، في دول مثل الأردن والجزائر والمغرب والعراق وتونس، الضغوط المشتركة العابرة للحدود. وقد زادت الحرب في غزة من اختلال هذا التوازن، وأعادت إحياء الغضب العام، وعززت الشعور بالظلم المشترك على مستوى المنطقة، وهو ما يتعدّى حدود السرديات الوطنية.
الضغوط المستقبلية: التكنولوجيا والمناخ والحوكمة
بالنظر إلى المستقبل، ستُشكّل التكنولوجيا وتغيّر المناخ ضغوطاً متزايدة على نماذج الحوكمة الحالية. ويطرح الذكاء الاصطناعي فُرصاً لتحسين الكفاءة والتخطيط وتقديم الخدمات، ولكنه ينطوي أيضاً على مخاطر تسريح العمالة وتوسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ما لَم تكن هناك إدارة واعية لتأثيراته الاقتصادية. ويُشكّل الضغط المناخي تحدّياً أعمق. فالحرارة الشديدة وانعدام الأمن الغذائي يعيدان بالفِعل تشكيل الحياة اليومية في جميع أنحاء المنطقة، مما يؤثّر على سبل العيش والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال التكيف مع تغيّر المُناخ، والتخفيف من آثاره، هاجِسَين ثانويَّيْن في معظم الدول العربية. كما إنّ الفجوة بين حجم التهديد والاهتمام السياسي الذي يحظى به، مهولة. وهذه الضغوط عميقة الجذور وعابرة للحدود الوطنية، وهي تُفاقِم أوجه الضعف الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وعليه، لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها من خلال السياسة الوطنية وحدها، وإنّ فشلها في رفع مستوى المَنعة المناخية لتكون أولوية أساسية للحوكمة، ينطوي على خطر تحويل أزمةٍ بطيئة الحركة إلى محفّز لعدم استقرار متجدد.
توازنٌ هشّ
تكمن المشكلة الكبرى في واقعِ أنّ المظالم الأساسية لعام 2011، أيْ عدم المساواة الاقتصادية، وبطالة الشباب، والفساد، والاستبعاد من صنع القرار، ما تزال مِن دون حلّ. وما تغيّر هو البيئة السياسية. إذ أصبحت الدول أكثر حِنكةً في إدارة المعارضة، واستُخدِمت الوطنية لتعزيز الشرعية، كما تراجعت الضغوطات الجيوسياسية الخارجية من أجل الإصلاح. وقد أدى ذلك إلى إيجاد توازنٍ هشّ، وإنّ بدا مستقراً، لكنّه يقوم على أُسسٍ متوترة، وفي بعض الحالات، قد يكون قابلاً للانفجار.
لقد أصبحت الحوكمة أكثر تكنوقراطية ورقمنَةً ورقابة، لكنّها لم تغدُ بالضرورة أكثر خُضوعاً للمساءلة. والسؤال المركزي الذي يواجه المنطقة، هو ليس ما إذا كانت الإصلاحات قد أُجرِيت، بل ما إذا كان بالإمكان استدامتُها في مجتمعات ما تزال تُكابد المطالب نفسها التي أعادت تشكيل العالم العربي في زمنٍ سابق.




