لماذا لا تستطيع الضغوط الأميركية نزع سلاح الميليشيات العراقية؟

لم تُفضِ مساعي إدارة ترمب لنزع سلاح الميليشيات العراقية المدعومة من إيران بحلول 30 أيلول/ سبتمبر إلى النتيجة المنشودة، وذلك ليس بسبب نقص الضغوط، بل نتيجة تناقض راسخ في السياسة الأميركية. فمنذ عام 2003، أسهمت الإجراءات الأميركية التي قُدّمت صراحةً على أنها تهدف إلى تحقيق الاستقرار في العراق، مرارًا وتكرارًا، في زعزعة استقراره. وقد أدى الاضطراب الناجم عن ذلك إلى تعزيز قوة الميليشيات. ويواصل الرئيس ترمب اتّباع النهج نفسه. فمثل أسلافه، يبالغ في التعويل على فكرة أنّ القوة الأميركية قادرة على إخضاع المشهد السياسي العراقي المنقسم لإرادتها على المدى الطويل.

الضغوط الأميركية وحدود تأثيرها

مارست إدارة ترمب ضغوطاً كبيرةً على الحكومة العراقية لاتخاذ إجراءات ضد الميليشيات. فقد علّقت وصول العراق إلى بعض شحنات الدولار من عائداته النفطية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك منذ عام 2003، في خطوة هدفت إلى توجيه تحذير واضح إلى رئيس الوزراء الجديد، علي الزيدي. وقد برز الزيدي مرشحاً مقبولاً بعدما رفض ترمب الخيار الأول للائتلاف الحاكم، وهو رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. وزعم ترمب أن العراق “غرق في الفقر والفوضى العارمة” خلال ولاية المالكي السابقة. وفي المقابل، تعهّد الزيدي بنزع سلاح الميليشيات بحلول 30 أيلول/ سبتمبر 2026، قبل أن تُمدَّد المهلة لاحقاً إلى حزيران/ يونيو 2027. وتأمل واشنطن وبغداد أن يؤدي الانسحاب النهائي للقوات الأميركية من العراق إلى إضعاف سردية المقاومة التي تتبناها الميليشيات، وبالتالي تعزيز فرص نزع سلاحها.

غير أنّ الضغوط الأميركية لا تستطيع إحداث تحوّل جذري في توجهات الدولة العراقية. فأيّ محاولة من جانب الزيدي لإقصاء الميليشيات عن المشهد السياسي العراقي قد تُنذر باندلاع حرب أهلية. ولا تفضي أوراق الضغط التي تمتلكها واشنطن إلّا إلى امتثال ظاهري على المدى القصير، بدلاً من إحداث تغيير بنيوي في الدولة على المدى الطويل. فكثير من مراكز النفوذ في العراق تبدي من الامتثال ما يكفي لتجنّب التدقيق الأميركي في ممارساتها، سعياً إلى كسب الوقت ريثما يتحول اهتمام الإدارة الأميركية إلى قضايا أخرى. ولعل هذا ما يفسّر تعهّد قيس الخزعلي في حزيران/ يونيو بنزع سلاح جماعته، عصائب أهل الحق، إذ لم تسلّم الجماعة أسلحتها حتى الآن، ولا توجد مؤشرات ملموسة على أنها ستفعل ذلك.

ويُبرز تطوران آخران حدود تأثير الضغوط الأميركية.

أولاً، على خلاف عصائب أهل الحق، لم تُبدِ الميليشيات الأوثق صلةً بإيران، مثل كتائب حزب الله و«حركة النجباء، حتى امتثالاً شكلياً لمطلب نزع السلاح. ففي أواخر تموز/ يوليو، عندما أُرسلت قوات عراقية لتفتيش مقرّ تابع لحركة النجباء بحثاً عن صواريخ، أطلق مسلحون من الميليشيا أعيرةً تحذيريةً، وصدرت أوامر للقوات بالتراجع.

ثانياً، تتمتع الأجنحة السياسية للميليشيات بنفوذ راسخ في أعلى مستويات السلطة في العراق. فقد ضاعف الجناح السياسي لعصائب أهل الحق، صادقون، عدد مقاعده في البرلمان ثلاث مرات بعد انتخابات عام 2025. كما أُسندت حقيبتا الموارد المائية والنقل المهمتان إلى منظمة بدر المدعومة من إيران. وتشكّل كتلٌ من هذا القبيل الركيزة الأساسية للإطار التنسيقي الشيعي الذي اختار الزيدي لرئاسة الوزراء، مما يحدّ من هامش المناورة المتاح له.

مفارقة الميليشيات

يعكس عجز الولايات المتحدة عن إجبار الميليشيات على نزع سلاحها تناقضاً مزمناً في سياستها، إذ يُصرّ الرئيس ترمب، شأنه شأن أسلافه، على نزع سلاح الميليشيات، فيما يواصل تعزيز الظروف التي تتيح لها ترسيخ نفوذها.

ويعود هذا النهج إلى عام 2003، حين أدى قرار الولايات المتحدة حلّ الجيش العراقي التابع للنظام البعثي رسمياً إلى نشوء فراغ أمني، ملأته لاحقاً، بصورة جزئية، ميليشيات شيعية مثل منظمة بدر وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، ثم عصائب أهل الحق. وفي عام 2010، دعمت الولايات المتحدة نوري المالكي باسم الحفاظ على الاستقرار. غير أن سياساته التي اتخذت طابعاً طائفياً متزايداً، بما فيها القمع العسكري الذي مارسته حكومته ضد المحتجين السنّة، أسهمت في تهيئة الظروف لصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد أدت الحرب ضد داعش إلى تعزيز قوة هذه الميليشيات وإضفاء شرعية سياسية عليها، ثم ترسّخ وضعها المؤسسي، إلى جانب تمويلها، في إطار قوات الحشد الشعبي.

واليوم، باختيارها شنّ حرب على إيران، عادت الولايات المتحدة لتؤدّي دوراً مزعزعاً للاستقرار في المنطقة، إذ أشعلت صراعاً إقليمياً امتد إلى العراق. وقد أحيا ذلك الخطاب الأيديولوجي الذي تستند إليه الميليشيات العراقية في حشد أنصارها، في الوقت الذي تكثّف فيه واشنطن ضغوطها لنزع سلاحها. أما الميليشيات التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين علناً، فقد منحتها الحرب شعوراً متجدداً بجدوى وجودها، وفرصةً لإظهار قدرتها على زعزعة الاستقرار، بما في ذلك دقّ إسفين بين العراق ودول الجوار. وقد تجلّى ذلك في التوترات التي نشأت عقب الغارات الجوية السعودية على العراق، رداً على هجمات نُسبت إلى ميليشيات عراقية واستهدفت البنية التحتية للطاقة في المملكة.

وفي غضون ذلك، تستطيع ميليشيات مثل عصائب أهل الحق، التي شنّت غارات جوية محدودة على أهداف أميركية وتعهّدت بنزع سلاحها، أن تقدّم نفسها باعتبارها مستقلةً نسبياً عن إيران، فيما تواصل أجنحتها السياسية ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية بعيداً عن الأضواء. وبالنظر إلى الدمار والخسائر الاقتصادية التي خلّفتها الحرب، فمن المرجح أن يظل خطاب مقاومة الولايات المتحدة أداةً فعّالةً تستند إليها الميليشيات لحشد التأييد الشعبي. وهكذا، يبدو أن الحرب ستؤدي إلى تعزيز قوة الميليشيات العراقية، لا إضعافها، وأنّ ترمب يمثّل في هذا الصدد امتداداً لنهج أسلافه، لا قطيعةً معه.

استشراف المستقبل

تُعدّ الميليشياتُ المستفيدَ الأكبر من حالة الاضطراب في العراق. ومن وجهة نظر بغداد، يشكّل ذلك سبباً إضافياً يدعو إدارة ترمب إلى السعي لإنهاء الحرب على إيران فوراً، لما تنطوي عليه من خطر تصاعد العنف الذي تغذّيه الميليشيات في العراق. ولن يؤدي إحلال السلام، بحدّ ذاته، إلى زيادة استعداد الميليشيات لنزع سلاحها، لكنه شرط أساسي لجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية اللازمة لتعزيز قدرات الدولة العراقية. فلا يمكن إعادة بناء مشاريع مثل خط أنابيب كركوك ـ بانياس في ظل استمرار الحرب. ومن شأن إنهاء الحرب أيضاً أن يُضعف خطاب مقاومة الولايات المتحدة الذي تعتمد عليه الميليشيات.

ليس في استطاعة إدارة ترمب حلّ الميليشيات، تماماً مثلما لا يستطيع الزيدي ذلك. وما ينبغي لصنّاع السياسة الأميركيين فعله هو الإقرار بأنهم دفعوا باتجاه نزع سلاح الميليشيات، في الوقت الذي أسهموا فيه في تهيئة الظروف التي تتيح لها تعزيز نفوذها. وعندئذ فقط، يمكن للولايات المتحدة وضع جدول زمني أكثر واقعية لنزع السلاح. فقد انقضت مهلة 30 أيلول/ سبتمبر من دون تحقيق الهدف المنشود، واهتزّت مصداقية الولايات المتحدة في العراق مجدداً.

كذلك لن يؤدي إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى إضعاف الميليشيات العراقية.  فقد تغلغلت هذه الميليشيات في مؤسسات الدولة العراقية، وأعادت تشكيل المشهد السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، وأصبح لها شبكاتها الخاصة من الأتباع والمنتفعين، وخطاباتها الأيديولوجية، ودينامياتها الذاتية التي تضمن استمرار نفوذها. وامتناع عصائب أهل الحق عن الانضمام إلى المقاومة الإسلامية في العراق في مهاجمة الأهداف الأميركية إنما يعكس براعتها في المناورة، لا ضعفها. كما أن انسحاب القوات الأميركية لم يخفف من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، ولا سيما في ظلّ الغارات الجوية الأميركية على العراق في سياق الحرب على إيران. وسيظل العداء للولايات المتحدة والسعي إلى مراكمة الثروة والنفوذ، على نحو يتجاوز قدرة الدولة على ضبطه، محرّكَين أساسيَّين لهذه الميليشيات، سواء بقي النظام الإيراني أم سقط. وبعد أن تمكّنت الميليشيات من الوصول إلى السلطة في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003، يبدو أنها ستصمد في وجه الضغوط الأميركية وتتجاوز حدود السيطرة الإيرانية عليها.