تيح المنظمات اللامركزية المستقلة (DAOs) مساراً عملياً لإعادة تفعيل دور البلديات في لبنان، من خلال تمكين الشباب وتحسين كفاءة آليات تخصيص الأموال؛ شريطة الانتباه إلى إدارة مخاطر الإكراه والثغرات التقنية بعناية.
أدى الشغور الرئاسي في لبنان، الذي بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، إلى تعطيل عمل السلطة التنفيذية في الدولة لأكثر من عامين، فيما أرجأ البرلمان الانتخابات البلدية لثلاث سنوات متتالية، في 2022 و2023 و2024. ومع تولّي الرئيس جوزاف عون منصبه في كانون الثاني/ يناير 2025، جعل استعادة الاستقرار المحلي أولوية، وقاد حملة ناجحة أعادت الناخبين إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية التي أُجريت في أيار/ مايو 2025.
وجاء ذلك في ظل ظروف صعبة، إذْ كان أكثر من نصف المجالس المحلية في البلاد قد حُلّ أو أصبح معطلاً. ويؤكد هذا الواقع الحاجة إلى إطار يتعامل مع البلديات بوصفها ركائز لاستمرارية المجتمع، لا مجرّد أجهزة إدارية ملحقة ـ وهو تحوّل يطلق عليه باحثون مثل أوليفر ريتشموند وروجر ماك غينتي اسم “التحوّل المحلّي”. غير أن المؤسسات المحلية في لبنان تعاني هي نفسها من التآكل بفعل الجمود البيروقراطي، واستنزاف الموارد المالية، وتنامي عزوف الشباب، الذين يهاجر كثير منهم سعياً وراء فرص في الخارج. وعملياً، يعني ذلك إجراءات اعتماد ورقية تمرّ عبر مستويات متعددة، وتأخر صرف أموال سبق اعتمادها، وتعطل أعمال الإصلاح أو المشاريع لأشهر في انتظار التوقيع البيروقراطي التالي ـ ما يقوّض ثقة السكان بالمؤسسات المحلية.
يمكن لأدوات الحوكمة الرقمية، ولا سيما المنظمات اللامركزية المستقلة، أن تتيح للبلديات القفزة اللازمة في بنيتها التحتية، نظراً إلى أنها تُمثّل حجر الزاوية للحوكمة اللامركزية في لبنان. وفي وسع هذه الأدوات أن تمكّن السلطات المحلية من تجاوز البيروقراطيات الموروثة، وأن تحوّل بدورها الفئة العمرية من 21 إلى 35 عاماً، التي تعاني من الاغتراب السياسي، من مجرد مراقبين سلبيين إلى مشاركين فاعلين في صياغة التنمية البلدية، بما يتيح مساراً ملموساً لإحراز تقدم نحو تحقيق هدفي الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 11 و16، المتعلقين بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والسلام والعدل والمؤسسات القوية.
التحول المحليّ والقفزة الرقمية
عندما تصاب مؤسسات الدولة بالشلل على مستوى المنظومة، تصبح المجالس المحليّة خط الدفاع الأخير في تقديم الخدمات العامة. وتتيح الحوكمة الرقمية آلية لتحقيق “قفزة” تتجاوز المستويات الإدارية المتقادمة. فبدلاً من الانتظار لأشهر للحصول على موافقات حكومية ورقية لإصلاح البنية التحتية المحلية أو تخصيص أموال البلديات، يمكن للمجتمعات المحلية استخدام المنظمات اللامركزية المستقلة، وهي في جوهرها منصات رقمية تحكمها قواعد آلية وشفافة، ومشفّرة في سجل مشترك.
ويمكن للبلديات استخدام هذه البروتوكولات الآلية لإدارة الأموال العامة والمشاريع المجتمعية وفق قواعد تصويت مبرمجة مسبقاً. فعلى سبيل المثال، بمجرّد موافقة السكان على مشروع لإنارة الشوارع، يمكن صرف التمويل اللازم تلقائياً للمقاولين المعتمدين، من دون الحاجة إلى موافقات بيروقراطية وسيطة. والأهم أن ذلك لا يتطلب أي أموال جديدة من الحكومة المركزية، إذ تقتصر مهمة المنظمة اللامركزية المستقلة على أتمتة صرف الأموال المخصصة بالفعل ضمن الموازنة السنوية المعتمدة للبلدية، وفق سقوف إنفاق محددة مسبقاً ونِصابٍ مقرَّر للتصويت يحول دون تجاوز الصلاحيات. وتقلل هذه الأتمتة من التعقيدات الإدارية، وتحد من فرص التربح غير المشروع على المستويات الإدارية الوسطى، وتنشئ سجلاً غير قابل للتلاعب يوضح كيفية استخدام الموارد العامة.
الانتقال بمشاركة الشباب من الرمزيّة إلى الفاعلية
تعتمد أيّ محاولة لإعادة تنشيط الحوكمة المحلية إلى حد كبير على مشاركة الشباب. وفي لبنان، تتمتع الفئة العمرية من 21 إلى 35 عاماً بمستوى عالٍ من الإلمام بالتقنيات الرقمية، لكنها مستبعدة من عمليات صنع القرار الرسمية. وقد عانت مشاركة الشباب في الشؤون العامة من “الحضور الشكلي”، إذ توجد مجالس شبابية أو هيئات استشارية، لكنها لا تتمتع بأي سلطة فعليّة على الموازنات أو صلاحيات تشريعية. ويمكن لمنصات الحوكمة الرقمية أن تساعد الأجيال الشابة على الارتقاء إلى مستويات أعلى من المشاركة المدنية. فعندما يمتلك الشباب مفاتيح تصويت مباشرة داخل منظمة لامركزية مستقلة تابعة للبلدية، تصبح مشاركتهم مؤثرة بدلاً من أن تظل رمزية. وعملياً، يمكن للشباب اقتراح مشاريع بيئية محليّة، والتصويت على موازنات الأنشطة الثقافية المجتمعية، أو متابعة مؤشرات الأداء الرئيسية للبلديات في الوقت الفعلي. وتُحفظ الأموال المخصصة للمشاريع المعتمدة في عقد ذكي مغلق، ولا تُصرف إلا بعد التحقق من إنجاز مراحل محددة، مثل اعتماد المقاول أو تقديم دليل مصوّر على إنجاز العمل، فيما تُعاد الأموال غير المنفقة تلقائياً إلى موازنة البلدية إذا لم يُنفّذ المشروع. ويضع ذلك الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالتخطيط الحضري الشامل للجميع، والهدف 16، المتعلق بالمؤسسات المحلية الشفافة والخاضعة للمساءلة، موضع التنفيذ.
المخاطر الرقميّة: الإكراه والاستحواذ والاختراق
ينطوي استخدام المنظمات اللامركزية المستقلة ضمن البنية الاجتماعية والسياسية المعقدة في لبنان على بعض المخاطر، إذ لا بد أن تتفاعل التقنيات اللامركزية مع الديناميات الطائفية المتجذرة بعمق. ومن أبرز المخاوف أن يؤدي التصويت القائم على تقنية البلوك تشين إلى أتمتة أنماط المحسوبية التقليدية. ففي الدوائر البلدية شديدة الترابط، قد تتمكن الشبكات الحزبية الراسخة وأصحاب النفوذ المحليون من تقويض سِريّة الاقتراع المشفّرة، فإذا افتقرت آلية التصويت في المنظمة اللامركزية المستقلة إلى بروتوكولات متقدمة لحماية الخصوصية، فقد يطالب القائمون على هذه الشبكات المواطنين بتقديم إثبات مرئيّ لتوقيعهم الإلكتروني، ما يحوّل بنيةً لامركزية يُفترض أن تعزز قدرتهم على المشاركة إلى آلية فعالة لفرض علاقات الولاء والمنافع بالإكراه.
وتنطوي البنية التقنية للمنظمات اللامركزية المستقلة على مواطن ضعف إضافية. فنظراً إلى اعتماد هذه المنظمات بالكامل على العقود الذكية، قد يتيح أيّ خلل برمجي أو استغلال لثغرة في الشيفرة لجهات خبيثة التلاعب بعمليات التصويت المسجلة على البلوك تشين أو الاستيلاء على أموال المشاريع المجتمعية، وهو خطر لا يمكن القبول به في ظل الاستنزاف الذي تعانيه الموارد المالية المحلية في لبنان أصلاً. وإذا تعرّض النظام للاختراق ولو لمرّة واحدة، أو ساور الجمهور شك في أنّ نخباً متمرّسة تقنياً تتلاعب به، فقد تنهار الثقة بالمؤسسات بالكامل. أما بالنسبة إلى الأجيال الأكبر سناً أو الأقل إلماماً بالتقنيات الرقمية، فقد يبدو نظام تجريدي قائم على الشيفرات أقلّ جدارة بالثقة من صندوق اقتراع مادي، ما قد يعمّق الفجوة بين الأجيال.
دروس من النموذج السويسري
لبناء الثقة العامة والحدّ من هذه المخاطر في الوقت نفسه، يمكن للبلديات اللبنانية الاستفادة من تجارب ديمقراطيات مباشرة راسخة، وفي مقدمتها سويسرا، حيث يسهم التصويت المتكرر على قضايا محدودة الأهمية في تكريس عادات راسخة من المسؤولية المدنية. ففي النظام السويسري، لا يقتصر دور المواطنين على انتخاب ممثليهم كل بضع سنوات، بل يصوتون مباشرة على قضايا محددة تتعلق بالسياسات العامة، بدءاً من موازنات المدارس المحلية، وصولاً إلى قوانين الهجرة الوطنية. وتسهم هذه المشاورات المتكررة في تبسيط فهم آليات الحوكمة، وتعزيز شعور المواطنين بأن لأصواتهم أثراً مباشراً.
وعند تطبيق هذا الدرس ضمن إطار رقمي للبلديات، تتضح الخلاصة، وهي أنّه ينبغي للسلطات المحلية إدخال المنظمات اللامركزية المستقلة تدريجياً، من خلال عمليات تصويت مصغَّرة بشأن قضايا محدودة الأهمية، لا قرارات بنيوية كبرى. ويمكن أن تركز المقترحات الأولية على اختيار موقع حديقة عامة، أو تحديد أولويات إصلاح الطرق، أو تخصيص مِنح ثقافية صغيرة. ومن شأن إدارة هذه العمليات المحدودة بشفافية أن تتيح للبلديات إثبات نزاهة المنصّة المعتَمدة، ومعالجة مواطن الضعف فيها، وبناء الثقة العامة اللازمة للانتقال إلى مستويات أوسع من الحوكمة اللامركزية.
مسار عملي للمضي قدماً
لا تمتلك سوى بلديات قليلة الموارد اللازمة لبناء هذه البنية التحتية بمفردها. ويبدأ المسار الواقعي بإطلاق مشاريع تجريبية مموَّلة من الجهات المانحة أو وكالات التنمية، باستخدام أُطرٍ قائمة ومفتوحة المصدر للمنظمات اللامركزية المستقلة بدلاً من تطوير أنظمة مصممة خصيصاً لهذا الغرض، مع توفير الدعم التقني من الجامعات المحلية أو مبادرات المجتمع المدني المعنية بالتكنولوجيا. وبعد أن يثبت المشروع التجريبي موثوقيته في القرارات محدودة المخاطر، يمكن للجهة الإدارية المختصة إصدار إرشادات رسمية لتوحيد آليات اعتماد هذا النموذج، بما يتيح للبلديات توسيع نطاق تطبيقه من دون الحاجة إلى تطوير التكنولوجيا بنفسها.
تتيح أدوات الحوكمة الرقمية اللامركزية ما يلزم من شفافية وسرعة لتجاوز التأخيرات البيروقراطية، كما تُوفّر منصة آمنة يمكن للبلديات من خلالها توجيه طاقات الشباب نحو العمل المدني وبعيداً عن الإحباط السياسي. غير أن هذا التحول يجب أن يُدار في ظلّ فهم واضح للمخاطر، إذ ينبغي لواضعي السياسات ومصمِّمي الأنظمة التقنية إعطاء الأولوية لبروتوكولات تصويت آمنة ومحصنة ضد الإكراه، وتطبيق هذه الأنظمة تدريجياً من خلال مبادرات محلية محدودة المخاطر. وإذا أُديرت هذه العملية بعناية، يمكن للحوكمة الرقمية أن تحوّل البلديات في لبنان إلى مراكز شفافة وقادرة على التكيف لتحقيق تنمية مجتمعية مستدامة.
