فيما عدا موجات الاحتجاجات الواسعة، كنتُ شاهداً على تعبيرَين واسِعين من تعبيرات الوحدة الاجتماعية في العراق. وقد كان كلاهما على علاقة بكرة القدم. فقد أدى الفوز بكأس آسيا عام 2007 وتأهُّل العراق إلى بطولة كأس العالم في نيسان/أبريل 2026 إلى احتفالات وطنية جماهيرية تجاوزت الانتماءات الطائفية والعِرقية. وفي عام 2007، انضممنا، مع أفراد العائلة الذين فرّوا إلى سوريا هرباً من الحرب الأهلية الطائفية، إلى مسيرات استمرت طوال الليل في مختلف المدن السورية، حيث تلاشى الخوف من الحرب لفترة وجيزة. وفي عام 2026، شاركتُ في احتفالات في بغداد في الساعة 8 صباحاً، ومن ثمّ مرّة أخرى في الليلة نفسها بينما كانت الطائرات المسيّرة الأميركية والإسرائيلية وتلك الموالية لإيران تستهدف قاعدة النصر والقائم وجرف الصخر ومطار بعداد الدولي ومناطق مكتظّة بالسكان في المدينة. وقد دأبَ المحلّلون على تناول تلك اللحظات من منظور ثقافيّ بحتْ. إلّا أن هذا التفسير يُغفل جوهر المسألة، فكرة القدم لم تُنهِ أيّاً من الحربَين المذكورَتين آنفاً، لكنَّ استمرار هذه الموجات من الابتهاج الوطنيّ التي تكررت على مدى عقدين، بصرف النظر عن العنف الذي أحاط بهما، إنّما يستدعي تحليلاً سياسياً، لا سيّما في سياق تراجُع ثقة الشارع بالدولة العراقية وخيبة الأمل المتزايدة بنظام المحاصصة الطائفية.
ما كشفَته سنة 2007
كُتب الكثير عن عام 2007، وتحديداً عن اللحظة التي بدا فيها اللاعبون وكأنّهم يوحّدون شملَ بلَدٍ ممزَّق، وعن قوة الدعم الجماهيري الواسع الذي اصطفّ خلفَ علَمٍ عراقي واحد. وقد جاء ذلك الانتصار وسط مآسي لا حصر لها، من بينها قنبلة أودت بحياة 50 مشجِّعاً قبل المباراة النهائية مع السعودية، ومقتل أخصائّي العلاج الطبيعي للفريق قبل أياّم قليلة من انطلاق البطولة. ومع ذلك، كان هناك ما يقابل كل هذا، وهي أم رفضت دفن ابنها حتى يفوز المنتخب العراقي بـالكأس، في عمل تحدٍ وتضامن كان يهدف إلى تحويل حزنها إلى لفتة أمل وطني. وما جعل صورة الوحدة هذه قوية للغاية هو أنها وقفت في مواجهة مباشرة للعنف الطائفي السائد في ذلك الوقت.
لقد أظهر الفوزُ قدرةَ كرة القدم على إبرازِ ديناميّات مجتمعية أوسع نطاقاً. فقد نظر العراقيون إلى الاحتفالات بإحراز كأس آسيا بوصفها إنجازاً واضحاً لا لبس فيه، وإنجازاً عراقياً خالصاً تحقَّق من دون مساومات مع قوى خارجية ومن دون حسابات طائفية. وربما يندرج هذا التفسير في إطار الانطباعات الشخصية أكثر منه في إطار الحقائق القابلة للقياس، لكنه يقدّم رواية مضادة للسردية السائدة التي تختزل العراق في انقساماته وحدها.
2026: الفرح نفسُه ونقدٌ يتطوّر
تُمثّل احتفالات عام 2026 تطوراً يتجاوز مجرّد التنديد بالطائفية. فهي تأتي في أعقاب حركة تشرين، التي رفعت شعار مواجهة الفساد والاحتجاج على تردّي الخدمات العامة، ودعت إلى بناء مجتمع عراقي جامع. وفي هذا السياق، لا يقتصر الاحتفاء بإنجازات المنتخب على كونه تعبيراً عن روحٍ جماعية مناهضة للطائفية، بل يشكل أيضاً نقداً هادئاً ومدروساً للسياق الاجتماعي والسياسي الذي تجري فيه هذه الإنجازات. كما أن الموقف المناهض للفساد في العراق يسبق حركة تشرين، وقد تجلّى بصورة خاصة في احتجاجات عامي 2015 و2018 في البصرة. ولَئن انطلقت كلّ حركة احتجاجية من دوافع ومظالم محددة خاصة بها ـ مثل البطالة، وتلوث المياه، وتدهور الخدمات العامة ـ فإن احتفالات عام 2026 ينبغي أن تُقرأ في ضوء هذه السرديات أيضاً.
ما تزال هذه المظالم البنيوية من دون حلّ. فالبطالة المتفاقمة والفساد اللذان أشعلا شرارة حركة تشرين، لا يزالان يغذّيان الاحتجاجات حتى وقت قريب يعود إلى أيار/ مايو 2026. غير أن النظام السياسي لم يُبدِ استجابة مماثلة. فقد استمرت عملية تشكيل الحكومة للفترة 2025-2026 منذ تشرين الثاني/ نوفمبر. ورشّح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء، غير أنَّ الولايات المتحدة اعترضت على ترشيحه، قبل أن يبرز في نهاية المطاف علي الزيدي، وهو شخصية غير معروفة نسبياً، بوصفه مرشّح توافقياً. وقد تشكل هذا التوافق تحت تأثير الاعتراضات الخارجية والاصطفافات الإقليمية، علماً أنه لم يكن الفائز في انتخابات 2025. وهذا ليس بالأمر الغريب عن النظام السياسي العراقي منذ عام 2003. وبينما قد يرى بعض من هم في قمة السلطة في نشوة الأول من نيسان/ أبريل فرصة لالتقاط الأنفاس، فقد يكون الأمر على العكس تماماً.
وليس المنتخب الوطني بمنأى عن الانقسامات السياسية التي ينجح مؤقتاً في تجاوزها. فثمة توترات قائمة بين اللاعبين المغتربين واللاعبين المحليين، وغالباً ما تُستخدم هذه التمايزات للتشكيك في أحقية هذا اللاعب أو ذاك بتمثيل العراق. وقد اصطفّ بعض اللاعبين علناً إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، فيما سعى آخرون إلى تهدئة هذه الانقسامات. كما أن الاتحاد العراقي لكرة القدم لا يخلو من فضائح فساد خاصة به. ومع ذلك، وبرغم المخاوف المتعلقة بالحَوْكمة والانقسامات الداخلية داخل الاتحاد، نجح المنتخب واحتُفي بإنجازه. فَكُرة القدم لم تكن في حاجة إلى انسجامٍ مطلَق بين اللاعبين، أو إلى اتحاد يُدار بكفاءة مثالية، لكي تُنتج حالة من الوحدة الوطنية؛ بل كان يكفي وجود هدف مشترك وتعليقٍ ـ ولو مؤقتاً ـ لمنطق الفساد والطائفية الذي يقسم الحياة السياسية العراقية. وإذا كانت كرة القدم قادرة على تحقيق ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على النخبة السياسية العراقية هو: لماذا لا تستطيع هي أن تفعل الأمر نفسه؟
حدود النشوة
بالنسبة إلى الحكومة الجديدة قيد التشكيل برئاسة علي الزيدي، يمكن النظر إلى التأهل لكأس العالم باعتباره تحذيراً وفرصة في آنٍ معاً. فقد يبدو أن موجة النشوة الجماهيرية تُخفّف من حدة نارٍ تتأجج بسرعة. غير أن كرة القدم أظهرت، مرة أخرى، أن الإنجاز الوطني في نظر الجمهور لا يتوقف على الهوية، بل على وجود رغبة مشتركة في تحسين أوضاع البلاد. فعندما تتصدر المصلحة الوطنية المشهد، يصبح الانتماء الطائفي لمن يتولى القيادة أمراً بلا أهمية. وعلى رغم الدعم الواسع الذي يحظى به المنتخب العراقي، لم أرَ حتى الآن أحداً يتحدث عن إثنيّة أو طائفة أيمن حسين أو علي الحمادي وهو يحتفي بالأهداف التي سجّلاها في مرمى بوليفيا وأسهمت في تأهّل العراق. ويفقد نظام تقاسم السلطة الطائفيّ شرعيته بوتيرة متسارعة، وتُعدّ هذه الإنجازات الكروية دليلاً إضافياً على حقيقة الأولويات التي تشغل العراقيين اليوم.
عِبَر للسياسات العامة
إن أمام القادة السياسيين فرصة لإدراك أنَّ تطلُّع الجمهور إلى تحسين الخدمات وتحقيق الإنجازات الوطنية ـ لا إلى المحاصصات الطائفية ـ آخذ في التنامي منذ عام 2007 على الأقل. فعلى الرغم من خسارة العراق أمام النرويج في مباراته الأولى ضمن كأس العالم 2026، فإن الشوارع والمقاهي المكتظة، والاحتفالات الصاخبة التي اندلعت عند الساعة الثانية فجراً عندما نجح العراق لفترة وجيزة في تعديل النتيجة، كلُّها تشير إلى تنامي هذا الشعور الذي قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من السياسة العراقية.
سيتعيّن على حكومة الزيدي التحرك سريعاً، فقد مُنحت قدراً من الوقت لالتقاط الأنفاس. وحتى الآن، أدى تأخر اشتداد حرارة الصيف إلى الحد من الشكاوى المعتادة المرتبطة بالكهرباء، وإن كان الضرر الذي لحق بالبنية التحتية الإيرانية ـ وإيران هي أكبر مورّد للغاز إلى العراق ـ قد يجعل هذا العام أسوأ من معظم الأعوام السابقة. ولا تزال أمام العراق مباراتان أخريان على الأقل في كأس العالم، وهما ستعيدان، بصرف النظر عن نتائجهما، شيئاً من الفرح الوطني. غير أن هذه النافذة الزمنية ضيقة.
ينبغي للحكومة الجديدة أن تُظهر إنجازات ملموسة وواضحة للعيان، لا أن تكتفي بالإنجازات الرمزية. وقد لا يكون الاتكاء على الغطاء الذي توفّره الحرب الإقليمية خياراً قابلاً للاستمرار إلى ما لا نهاية، في وقتٍ يواجه فيه العراقيون ارتفاع معدلات البطالة، وخفض الرواتب، وتردّي الخدمات، بينما يجري تذكيرهم باستمرار بما يمكن أن يحققه فريق موحَّد من أبناء بلدهم عندما تُقدَّم المصلحة الوطنية على الحسابات الطائفية.




