إقبال الناخبين سيحدد نتائج انتخابات العراق لعام 2025

عندما يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، لن يكون السؤال عن أيّ الأحزاب ستفوز بالمقاعد هو السؤال المحوريّ، بل ما إذا كان عدد الناخبين الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع كافياً. وذلك لأنّ نسبة المشاركة ستكون بمثابة استفتاء على أداء المنظومة السياسية في حدّ ذاتها. فمنذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، كانت الانتخابات هي الوسيلة الرئيسية لمنح الحكومات شرعيتها، حتى عندما شابتها عمليات تزوير أو عنف أو منافسة طائفية. غير أن التهديد الأبرز هذا العام، لا يتمثّل في العنف أو التدخل الأجنبي، بل في انخفاض نسبة المشاركة، الأمر الذي قد يجرّد الانتخابات من شرعيتها تماماً.

وقد تتبّعت المجموعة المستقلة للأبحاث، التي رصدت كل الانتخابات العراقية منذ عام 2005، المزاج العام عن كثبٍ قبل الانتخابات. وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن السكان يشعرون بخيبة أمل عميقة، وتساورهم الشكوك في صناديق الاقتراع من حيث كونها وسيلة للمساءلة. وإذا استمرّ هذا المنحى، فقد تكون نسبة المشاركة في عام 2025 هي الأدنى في تاريخ العراق بعد عام 2003. ولن تُحدّد هذه النتيجةُ تركيبةَ مجلس النواب فحسب، بل سوف تُحدّد ما إذا كانت الانتخابات ستظلّ أداة مهمة للمساءلة، أم أنها ستغدو مجرّد تقليد فارغ في نظام يعاني أصلاً في الحفاظ على مصداقيته.

أهمية نسبة المشاركة

ستكون نسبة المشاركة عاملاً حاسماً في الانتخابات المقبلة في العراق. وتشير استطلاعات المجموعة المستقلة للأبحاث إلى أنّ المشاركة قد تنخفض إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2003. ومن العوامل الرئيسية في ذلك أنّ نحو 70 في المئة فقط من البالغين يمتلكون بطاقات انتخابية بيومترية. وهذا يجعل ما يقرب من 9 ملايين عراقي من المؤهلين للتصويت غير قادرين على الإدلاء بأصواتهم. وحتى بين حاملي البطاقات، لم يُعرِب سوى النصف عن أنّهم واثقين أو واثقين إلى حدٍّ ما من أنهم سوف يُدلون بأصواتهم يوم الانتخابات. واستناداً إلى المقارنات بين نسبة من يقولون في الاستطلاعات إنّهم سوف يُدلون بأصواتهم، ومعدّلات المشاركة الرسمية في الانتخابات السابقة، تُقدّر المجموعة المستقلة للأبحاث أنّ معدل المشاركة قد يتراوح بين 40 في المئة كحدّ أقصى، و25 في المئة كحدٍّ أدنى. ويجدر التنويه إلى أنّ هذه الأرقام قد تتغيّر تبعاً لديناميّات الحملات الانتخابية أو تأثير حركة المقاطعة أو التطورات السياسية عامّةً. ومع ذلك، فإنها تُظهر أيضاً أنّ انخفاض المشاركة ليس مبعث قلق نظريّ، بل هو شأنٌ سوف يُلقي بظلاله على عملية توزيع السلطة.

ويوضح رئيس الوزراء محمد شيعي السوداني كيف أنّ الكتل الكبيرة هي الأكثر عرضة لانخفاض المشاركة. على الرغم من انخفاض معدلات المقبوليّة بعد صيفٍ شهِد نقصاً في الكهرباء ونزاعات على المياه وكوارث كبيرة، إذ انخفضت شعبية السوداني إلى 64 في المئة في سبتمبر/ أيلول، وتراجعت نسبة التفضيل لأدائه إلى ما دون 60 في المئة لأول مرة، إلّا أن ائتلافه، «البناء والتعمير»، يتصدر في معظم المحافظات ذات الأغلبية العربية، ولا سيما بغداد. ومع ذلك، إذا كانت نسبة المشاركة منخفضة، فقد يشهد الائتلاف انخفاضاً يتراوح بين 1-3 في المئة من حصته المتوقعة من الأصوات، التي تُقدّر بنسبة 20-30 في المئة. ويلي ائتلاف السوداني كتلة «تقدُّم» بقيادة محمد الحلبوسي، وتحالف «دولة القانون» بقيادة نوري المالكي، وكلاهما منافس، ولكنهما متأخّران. في حين تظلّ الأحزاب المتبقيّة متأخرة أكثر، ويبدو أن الديناميات الكرديّة، التي لم يشملها الاستطلاع الأخير، ستزيد من تعقيد النتائج.

في حال انخفاض نسبة المشاركة، يمكن للأحزاب الأصغر والأكثر أدلجَةً أن تنتعش. فمن المرجح أن يحشد الأنصار من قواعدها الصلبة أنفسهم بغضّ النظر عن الإحباط العام، ما يمنحهم تأثيراً مفرِطاً مع انخفاض نسبة المشاركة. وسوف يكون من شأن ذلك إذكاءُ الاستقطاب بدلاً من تعزيز محاولات الحُكم الذي يتّسِم بالشمول. وقد عزّز استبعاد المفوّضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق للفائزين سابقاً أو الذين تولّوا مناصب مهمة في الدورات السابقة مِن ترسيخ الاعتقاد بأن الانتخابات “محسومةٌ سلفاً”، وهذا وحده قد يُثني الآلاف عن المشاركة.

المعركة حول المشاركة

تكشف بيانات الاستطلاع عن مفارقة مثيرة. فمع أنّ من النادر اختيار رؤساء الوزراء العراقيين مباشرة من قِبل الناخبين – حيث تقرر مفاوضات الائتلاف في أعقاب الانتخابات من سيشغل المنصب – وجدت دراسة المجموعة المستقلة للأبحاث أنّ 60 في المئة من المستجيبين يؤيّدون السوداني. وترتفع هذه النسبة إلى الثلثين في المناطق ذات الأغلبية السنية. ويشير هذا إلى أنه رغم الإحباط، باستطاعة العراقيين التمييز بين الخلل في المنظومة وبين الأداء الفردي، وأنّهم يكافئون القادة الذين يرونهم ذوي كفاءة. ومع ذلك، يبقى هناك خطر ألّا تُتَرجَم مقبولية السوداني إلى أصوات فعلية. وهذا افتراقٌ خطير، فهو يدلّ على أنّ العراقيين ينظرون بشكل متزايد إلى الانتخابات ليس كوسيلة للتأثير في السياسة، بل كإجراء صوريّ بالكاد له أيّ تأثير في الحُكم.

لهذا السبب، تُعدّ نسبة المشاركة في الانتخابات “أمّ المعارك”. فإذا ارتفعت نسبة المشاركة إلى ما يزيد عن 40-50 في المئة، فقد تتغير النتائج بصورةٍ جذريّة. وعند نسبة 60 في المئة، يمكن أن تتغير الخريطة السياسية للعراق بالكامل. ومع ذلك، سيكون من الصعب تحقيق مثل هذه المستويات بالنظر إلى إعلان مقتدى الصدر مقاطعة الانتخابات، ودعوات الامتناع عن التصويت من قِبل الأصوات المؤثرة، والمناخ السياسي السلبيّ بشكل عام. ومع ذلك، لا يزال هناك متسع من الوقت أمام القوى السياسية وأصحاب المصلحة الآخرين لإقناع العراقيين بأهمية المشاركة في الانتخابات. ومن الأهمية بمكان أن تُكثّف اللجنة العليا المستقلة للانتخابات والحكومة جهودهما لتسجيل المزيد من الناخبين وإصدار بطاقات بيومترية.

أزمة الشرعية

ليس الإقبال على التصويت مجرّد معطى إحصائيّ، بل هو أساس الشرعية الانتخابية. إذ يعتمد النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 على فرضيّة أنّ المشاركة الشعبية يمكن أن تحوّل الصراع إلى صناديق الاقتراع. وبالتالي فإنّ كل انخفاض في الإقبال على التصويت يقوّض هذا الأساس الهش.

وإذا لم يُدلِ سوى ربع العراقيين بأصواتهم في تشرين الثاني/ نوفمبر، فما مدى مصداقية مجلس النواب بكونه هيئةً تمثيلية؟ وما مدى إقناع حجّته في الإشراف على العلاقات الخارجية والتعامل مع المتظاهرين أو نوابه المتنازعين؟ لقد أدى الانطباع السائد بأنّ النخب تتقاسم السلطة فيما بينها إلى إثارة موجاتٍ من الاضطرابات، بما في ذلك احتجاجات تشرين 2019. وقد تؤدي انتخاباتٌ هزيلةٌ في عام 2025 إلى اندلاع مواجهة أخرى بين جمهورٍ محبَط وطبقةٍ سياسية غير راغبة في الإصلاح.

ليس ثمّة من حلٍّ واحد لأزمة الشرعية في العراق. لكن هناك أمر واحد جليِّ وهو أنّ المشاركة في الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر ستكون بمثابة اختبار حقيقي. فإذا تمكنت النخب السياسية من إقناع العراقيين بالمشاركة – من خلال توزيع البطاقات الانتخابية وإجراء حملاتٍ أكثر نزاهة، وإظهار الاستجابة – فلربما يظلّ للمنظومة السياسية بعض المصداقية. أمّا خلاف ذلك فيعني أنّ العراق يجازف بمواصلة السير في اتجاه إجراء انتخابات لا يؤمن بها سوى القليل.

وإنّ نتيجةً كهذه لن تتسبّب في تراجع آلية المساءلة فحسب، بل ستُفضي أيضاً إلى تآكل أحد آخر مصادر الشرعية المتبقية في النظام السياسي الهشّ في العراق.