أحدث انهيار نظام الأسد في سوريا في أواخر عام 2024 نقطة تحوّل في التنافس الإيراني-التركي. فهو لم يقوّض محور المقاومة الإيراني فحسب، بل منح تركيا أفضلي حاسمة في سوريا وعزّز نفوذها في جنوب القوقاز. وقد زاد هذا التحول من شعور إيران بالتهديد في كلا المنطقتين، لا سيّما وأنّ تعزيز موقف أنقرة قد يشجعها على المضي قدماً في مشروع ممرّ زنغزور الخلافيّ منذ فترة طويلة، كجزء من مشروعٍ أوسع يربط آسيا الوسطى بالبحر الأبيض المتوسط. وترى طهران في ذلك حصاراً استراتيجياً من شأنه أن يقطع طرقها البرية إلى أرمينيا ويهمّش دورها في النقل الإقليمي. كما أن الدور الناشئ لأذربيجان كوسيط بين تركيا وإسرائيل في سوريا – وتنسيقها الأوسع معهما – زاد من مخاوف إيران من الحصار وعمّق إحساسها بالتهديد إقليميّاً.
تكشف هذه التطورات عن تحوّل بنيويٍّ أوسع في العلاقات بين إيران وتركيا. فبينما كانت المنافسة تدور في مجالات منفصلة نسبياً في الماضي – إيران باعتبارها قوة مهيمنة في بلاد الشام والعراق، وتركيا بكونها شريكاً استراتيجياً وثيقاً لأذربيجان – أصبحت الآن تتلاقى في ساحة جيوسياسية واحدة. وبالتالي، لم تعد المنافسة متوازية، بل أصبحت مترابطة تماماً، تدفعها طموحات متداخلة ومشاريع ربطٍ متنافسة وتحالفات متغيّرة. ومع تفاقم الإحساس بالتهديد المتبادل، يتضاءل هامش إدارة الأزمات، مما يزيد من خطر اندلاع مواجهات أكثر تقلّباً في مشهد إقليمي يزداد تشابُكاً.
تغيُّر موازين القوى في الشرق الأوسط
تسبّبَ سقوط الأسد بضربة قوية لموقف إيران في المنطقة. فقد كانت سوريا، الحليف الرئيسي لطهران في العالم العربي، قناة استراتيجية لنفوذها في بلاد الشام. وأدى انهيار النظام، إلى جانب ضعف حزب الله عسكرياً وسياسياً، على الصعيدين الإقليمي والداخلي في لبنان، عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل، إلى تقليص قدرة إيران على بسط نفوذها غرباً بشكل حاد.
في غضون ذلك، برزت تركيا بكونها أحد أبرز المستفيدين من انتقال السلطة في سوريا. فقد تطور دعمها الطويل الأمد للفصائل المتمردة والمعارضة في إدلب إلى تحالف استراتيجي مع السلطات الجديدة في دمشق. وتتمتع أنقرة الآن بالنفوذ من خلال سيطرتها على مناطق الشمال السوريّ، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتنامي نفوذها السياسي في دمشق، وخطواتها التي اتخذتها مؤخّراً لتأمين وجود عسكري مباشر. ورغم حذرها من الاختلافات المحتملة مع القادة السوريين الجدد، فإنّ التزامات تركيا العسكرية والدبلوماسية الحالية تعكس أفضليّةً استراتيجية مهمة في تشكيل النظام السوري بعد الأسد.
في العراق، اشتدت المنافسة بين إيران وتركيا، فقد أقيمَ العديد من القواعد التركية في شمال العراق. وتقول تركيا إن هذه القواعد تهدف إلى مواجهة حزب العمال الكردستاني.
وأدى ذلك إلى حدوث توتّرات مع قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، التي ترى أنّ تصرفات تركيا انتهاك لسيادة العراق. وفي حين تحافظ إيران على نفوذ كبير في بغداد وجنوب العراق من خلال الميليشيات الشيعية وحلفائها السياسيين، فإن علاقات تركيا المتنامية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني والتزاماتها الاقتصادية مع كل من أربيل وبغداد تشكل تحديات لهيمنة طهران التقليدية.
كما أن المشهد الكردي المتغيّر قد يعيد تشكيل الديناميّة القائمة بين القوّتين الإقليميتَين. فقد رأت تركيا، تاريخياً، في حزب العمال الكردستاني وأتباعه تهديداً أمنياً، مما دفعها إلى شنّ عمليات عسكرية في كلّ من سوريا والعراق. ومن جانبها، فإنّ إيران، ورغم إدراجها رسمياً حزب العمال الكردستاني بين المنظمات الإرهابية، اتّبعت نهجاً براغماتياً، إذ وازنت بين احتواء النزعة الانفصالية الكردية داخل حدودها، والتعاون مع الفصائل المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في الخارج – وذلك لمعاوضة نفوذ تركيا جزئياً. إلّا أنّ تبنّي أنقرة مؤخراً لموقف أكثر تساهلاً – تجلّى في دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في شباط/ فبراير 2025 إلى حلّ الجماعة، وقرار حزب العمال الكردستاني اللاحق بحلّ نفسه – قد يعزز موقف أنقرة. وإنّ قدرة إيران على استغلال الجماعات الكردية هي إحدى الأدوات القليلة المتبقية لها لموازنة نفوذ تركيا في المنطقة. وإذا نجحت تركيا في استمالة مكوّنات من المشهد السياسي الكردي، فإن قدرة طهران على تشكيل الديناميات الكردية في العراق وسوريا ستتضاءل. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى طهران هو أنّ المقاتلين الأكراد الإيرانيين الموالين لحزب العمال الكردستاني قد يوجّهون تركيزهم نحو إيران، خاصة أن حزب الحياة الحرة في كردستان (PJAK) – الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني – رفض نزع السلاح وما يزال نشطاً. وفي هذا السياق، قد يزداد نفوذ أنقرة، مما يحوّل أحد نقاط القوة الإيرانية السابقة إلى عبء على طهران.
ولربما تحدُثُ تحوّلات مماثلة في سوريا، فقد سعت إيران إلى استغلال الانسحاب الأميركي الذي كان وشيكاً، والتوترات بين الأكراد السوريين والحكومة الجديدة في دمشق. وتأمل طهران من خلال ذلك في إعادة إيجاد موطئ قدم لها في البلاد. غير أنّ الديناميات المتغيرة بين تركيا والأكراد تُنذِر بتقليص قدرتها على القيام بذلك. وفي هذا الصدد، يتزايد انحسار النفوذ النسبي لإيران عبر جبهاتها التقليدية في الشرق الأوسط – من سوريا إلى العراق – في مواجهة تركيا.
مأزق إيران في جنوب القوقاز
بدأ صدى نفوذ تركيا المتزايد في سوريا ما بعد الأسد يتردد خارج نطاق الشرق الأوسط، مع ظهور تجليّاته الآن في جنوب القوقاز. فقد أدى توسيع أنقرة لوجودها في شمال العراق وسوريا، ونفوذها السياسي المتزايد في دمشق، إلى توسيع نطاق نفوذها الاستراتيجي من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى بحر قزوين. ويعزّز هذا التحول طموح تركيا الطويل الأمد في أن تصبح مركزاً رئيسياً للعبور بين الشرق والغرب. ومن بين المبادرات الرئيسية التي روّجت لها أنقرة، ممرُّ زنغزور، الذي سيربط الأراضي الأذربيجانية بإقليم ناخيتشيفان عبر مقاطعة سونيك الأرمينية، ليربطها مباشرة بتركيا.
وتفوقُ أهمية الممرّ مجرّد النقل. فهو محوريّ لمبادرة الممر الأوسط التي طرحتها أنقرة، وهي طريق تجاريّ وبِنى تحتية تهدف إلى ربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا. وفي سياق التحولات في التحالفات العالمية والجهود الرامية إلى التنويع بعيداً عن الطرق الروسية والإيرانية، يُنظر إلى هذا الممر بشكل متزايد على أنه نقطة ارتكاز محتملة لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
بالنسبة إلى طهران، فإن الآثار المترتبة على ذلك كبيرة. فقد أدى سقوط الأسد بالفعل إلى تعطيل مسارٍ مقترح لمبادرة حزام وطريق إيرانية كانت تتوخّى ربط العراق وسوريا بالبحر الأبيض المتوسط. ومن شأن إنجاز ممر زنغزور أن يقطع الوصول البري المباشر لإيران إلى أرمينيا ويستبعدها من مشاريع الربط الإقليمية الكبرى. ومن الناحية الإستراتيجية، سيعزز هذا مبادرة ممرِّ القوس التركي على طول الحدود الشمالية لإيران مع آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، مما يزيد مخاوف طهران من الحصار ويحدّ من عمقها الاستراتيجي المُفتَرض. كما سيجعل ذلك إيران أكثر اعتماداً على تركيا وأذربيجان للوصول إلى جنوب القوقاز وما وراءه.
أدى هذا الشعور بالتهديد إلى تغيير سلوك طهران. فقد أجرت إيران تدريبات عسكرية بالقرب من حدودها مع أذربيجان وعمّقت علاقاتها مع أرمينيا، بما في ذلك الجهود الرامية إلى إنشاء إطار للتعاون الدفاعي وفتح قنصلية في سيونيك. وتهدف هذه الإجراءات إلى توجيه رسائل ردع وتأكيد الخطوط الحمراء. لكنها تعكس أيضاً موقف إيران المتزايد التفاعل في ظل التوازنات الإقليمية المتغيرة، مع محدودية الأدوات المتاحة لها لمنع إنشاء الممر بشكل كامل.
ويزيد دور أذربيجان المتنامي في الوساطة الدبلوماسية بين خصوم إيران – لا سيما وساطتها النشطة بين تركيا وإسرائيل بهدف إدارة التوترات في سوريا – من قلق طهران. كما يعزز المخاوف الإيرانية الطويلة الأمد بشأن التنسيق الاستراتيجي بين تركيا وأذربيجان وإسرائيل، خاصة مع تزايد بروز هذه العلاقات في عموم أنحاء الشرق الأوسط وجنوب القوقاز. وتزيد الشراكة العسكرية والاستخبارية المتعمقة بين أذربيجان وإسرائيل من مخاوف إيران من الحصار. ويضفي امتداد هذا التنسيق الآن إلى سوريا – التي كانت في يوم من الأيام ركيزة أساسية لنفوذ إيران في المنطقة – أهمية رمزية واستراتيجية. وفي الوقت نفسه، قد يحفز تعميق أنقرة لشراكتها الدبلوماسية واللوجستية مع باكو دعم تركيا لطموحات أذربيجان بشكل أنشط، بما في ذلك التحركات التصعيدية المحتملة حول زنغزور، مما سيزيد الضغط على موقف طهران.
ويضيف الموقف المتغيّر لروسيا بُعداً آخر من التعقيد. فقد أصبحت موسكو، التي كانت في يوم من الأيام الضامن لنظامٍ مستقرٍّ نسبياً في جنوب القوقاز، أكثر تساهلاً مع المصالح التركية منذ غزوها لأوكرانيا. وبحلول عام 2022، كانت قد قبلت بالفعل الدور الأعمق لتركيا في المنطقة في أعقاب الحرب بين أرمينيا وأذربيجان. ومع رحيل الأسد، تتطلع موسكو إلى أنقرة للمساعدة في الحفاظ على وجودها العسكري وأهميتها السياسية في سوريا. وفي ظل هذه الظروف الجديدة، تجد إيران نفسها مهمشة بازدياد في منطقة كانت تعتمد فيها فيما مضى على الهيمنة الروسية لموازنة نفوذ تركيا وأذربيجان. وبهذا المعنى، تشعر طهران بآثار إعادة التوازن في الشرق الأوسط بشكل حاد في جنوب القوقاز.
ما الذي ينتظر إيران وتركيا؟
أدى ضعف النفوذ الإقليمي لإيران، وتوسُّع نفوذ تركيا في كل من الشرق الأوسط وجنوب القوقاز إلى تغيير التوازن بين البلدين، وتحويل التنافس التقليدي بينهما إلى صراع مترابطٍ ومتعدد الأطراف. ولا يعتمد النفوذ الاستراتيجي لتركيا الآن على وجودها العسكري وشراكاتها الدبلوماسية فحسب، بل على دبلوماسيتها المتحفّزة في مجال النقل والممرات.
وتنظر طهران إلى هذه التطورات على أنها أزمة جيوسياسية لها آثار طويلة الأمد على أمنها القومي ومكانتها الإقليمية. ورداً على ذلك، اعتمدت إيران استراتيجية ذات شقين. يتضمّن الأول رفع الجاهزية العسكرية، وإجراء تدريبات على الحدود، وتعميق العلاقات مع أرمينيا – وهي تدابير تهدف إلى ردع أي تطوّرٍ على صعيد الحزم التركي الأذربيجاني في جنوب القوقاز. أمّا الشق الثاني، فإقراراً بقيودها المتزايدة، تُركّز طهران على إدارة التوترات من خلال التواصل الدبلوماسي. وتعكس زيارة الرئيس مسعود بزشكيان الأخيرة إلى باكو، والاتفاق الجديد مع أنقرة، الذي يهدف إلى توسيع التجارة الثنائية إلى 30 مليار دولار، هذا المسار الموازي لإدارة الأزمة. ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الاتفاقيات التجارية أو المحادثات الأمنية أو الدبلوماسية الإقليمية قادرة على تعويض أوجه الخلل البنيوية لطهران بشكل ملموس.
ويضيف مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران المزيد من حالة عدم اليقين. إذ تُوفِّر المحادثات المتجددة التي توسطت فيها عُمان مخرجاً محتملاً لطهران من الضغوط الخارجية. وإذا نجحت، فقد تقلل من التوترات الإقليمية، وتخلق، من خلال رفع العقوبات، مساحة اقتصادية قد تعزز الموقف الاستراتيجي لطهران تجاه أنقرة. ومع ذلك، فإن الفشل – أو التصعيد في الموقف إلى مواجهة مفتوحة تشمل إسرائيل أو الولايات المتحدة – لن يؤدي فقط إلى تعميق نقاط ضعف إيران، بل قد يعزز بشكل غير مباشر مكانة تركيا الإقليمية على المديَيْن المتوسط إلى الطويل، على رغم التحديات الأمنية المحتملة على المدى القصير لتركيا باعتبارها جارة لإيران.
وسط هذا المشهد المتغير، تحاول إيران وتركيا إدارة علاقاتهما المتزايدة الهشاشة من خلال دبلوماسية تتعامل مع كلّ وضعٍ على حِدة. لكن أجنداتهما الجيوسياسية لا تزال متضاربة. كذلك يزيد التداخل المتنامي بين المسارح الإقليمية وتكاثر الساحات المتنازع عليها من احتمال ظهور بؤر توتُّر في المستقبل، مما يجعل هذا التنافس أكثر تقلّباً وأصعب احتواءً. ورغمَ أنّ المواجهة المباشرة قد لا تكون وشيكة، إلّا أنّ المخاطر أصبحت الآن أكبر بكثير.
هذا المقال جزء من سلسلة مقالات لنقاش السياسات في إطار مشروع “العلاقات التركية-الإيرانية الآخذة في التطور وانعكاساتها على إعادة ترتيب المنطقة” التابع لشبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS).
يتلقّى مركز دراسات تركيا التطبيقية (CATS) في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، تمويلاً من مؤسسة ميركاتور ووزارة الخارجية الاتحادية في ألمانيا. ويشرف مركز دراسات تركيا التطبيقية على شبكة مركز دراسات تركيا التطبيقية، وهي شبكة دولية من مراكز الأبحاث والمؤسسات البحثية العاملة في الشأن التركي.




