.This article is available in English here
يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر. ولكن وسط توقُّع مشاركة عدد قليل من العراقيين في التصويت، فإن المنافسة الحقيقية تكمن في كيفية تقاسم السلطة بين النُّخب التي تهيمن على المنظومة السياسية.
من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. ولكن، على رغم اكتظاظ الشوارع بملصقات الحملات الانتخابية، لا يوجد الكثير من الحماس في أوساط العراقيين. ومن المتوقع أن يلزم العديد من العراقيين بيوتهم، بعد أن خابت آمالهم في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير على مدار عقدين من الديمقراطية منذ تغيير النظام بقيادة الولايات المتحدة.
وهناك بالفعل إجماع واسع على النتائج المحتملة للانتخابات، إذ يُنظر إلى القائمة الانتخابية لرئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني على أنها القائمة الأوفر حظاً، حيث من المتوقع أن يحتفظ ائتلاف الأحزاب الشيعية الحاكم، وهو الإطار التنسيقيّ الشيعي، بالسلطة من خلال حكومة توافقية تضمّ أبرز الكتل الكردية والسنية.
ولكن يُعتقَد أنّ السوداني نفسه قد لا يظلّ رئيساً للوزراء على الأرجح، حتى لو فازت قائمته بأكبر عدد من الأصوات. فهذا الأمر سيُقرر في المحادثات المعقّدة بين الأحزاب لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات. حيث تكشف نتائج الدورات السابقة أن منصب رئاسة الوزراء لم يكن من نصيب الفائز في الانتخابات.
ولكن رغم أنّ هذه النتائج هي المتوقعة، إلّا أن الانتخابات ما تزال محلَّ تنافس شديد. وتُغدِق الكتل الرئيسية أموالاً طائلة على حملاتها الانتخابية. وكما يُقِرّ رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، فإن الانتخابات “لن تعتمد في المقام الأول على الشعبية، بل على إنفاق الأموال وعلى شراء الأصوات”.
وفي الواقع، فإن الانتخابات ليست استفتاءً على أداء الحكومة، بقدر ما هي فرصة للنخب الحزبية الراسخة لإعادة توزيع السلطة فيما بينها. وستكون المقاعد التي تُكتسَب في الانتخابات بمثابة أوراق تفاوضية تستخدمها النخب إلى جانب أدوات أخرى للنفوذ – بما في ذلك العنف والتعبئة الشعبية – في ظل تنافس الأحزاب على المناصب الحكومية العليا.
وقد تختبر نتيجة هذه المفاوضات استقرار العراق، إذ تُقبِل البلاد على الانتخابات في فترةٍ نادرة من الهدوء تستند إلى اتفاق هشٍّ بين النُّخب يقوم على مقايضة الإصلاح بالنظام. وإذا سارت العملية بسلاسة، فسوف تُعيد تثبيت استقرار العراق المتَّفَق عليه من خلال دورةٍ أخرى من المنافسة داخل المنظومة السياسية. ولكن إذا رأت الجهات المتنافسة وجود خلل في التوازن، أو حاولت خلخلة الترتيبات القائمة منذ فترة طويلة، فإن الإخلال بحالة الاستقرار المؤقت، حتى وإن لفترة وجيزة، قد يزعزع التوازن الهش برمّته في العراق.
طريقة عمل آلية الديمقراطية في العراق
أرسى دستور العراق الذي صُدّق عليه في استفتاء عام 2005 نظاماً ديمقراطياً برلمانياً في البلاد يُمثّل فيه مجلسُ النواب السلطةَ التشريعية المنتخبة.
وكل أربع سنوات، يُفترض أن يقترع المواطنون المسجَّلون في جميع محافظات العراق الـ 19 (بما في ذلك المحافظات الواقعة في إقليم كردستان) لاختيار 329 نائباً في مجلس النواب.
من الناحية النظرية، يقوم مجلس النواب بعد ذلك بتسمية الرئيس، وهو منصب فخريٌّ إلى حد كبير، الذي يُسمّي بدوره رئيس الوزراء من “الكتلة الأكبر” في مجلس النواب. غير أنّ الكتلةَ الأكبر ليست بالضرورة الكتلةُ التي فازت بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، بل هي التحالف الأكبر، وتستلزم عملية تشكيل الحكومة مفاوضات ومساومات مطوَّلة بين الأحزاب.
ومع أنّ النظام السياسي لا يُقسّم السلطة صراحةً على أساس الإثنيّة أو المذهب الديني نَصَّاً، إلّا أنه في الممارسة الفِعليّة لا يزال متأثراً بشدّة بالنظام العرقي-الطائفي الذي تمَأسَس بعد عام 2003.
لقد أصبحت السياسة مرتبطة بالهُوية. إذ ينتخب الشيعةُ في المقام الأول الأحزابَ الشيعية، وينتخب السنّةُ الأحزابَ السنية، ويصوّت الأكرادُ للمجموعات الكردية التابعة لهم. وبموجب اتفاق غير رسمي ساري المفعول منذ عام 2005، يشغل منصب رئيس الوزراء شيعيّ، ومنصب الرئيس كرديّ، ومنصب رئيس البرلمان عربيٌّ سنّي.
من هم المتنافسون في الانتخابات العراقية؟
قبل عشرين عاماً، لم تكن الانتخابات الأولى تضمّ سوى عدد قليل من التحالفات الكبرى، وكان الائتلاف العراقي الموحَّد يمثل كلَّ الجماعات الشيعية الرئيسية، وقد حظي بتأييد آية الله العظمى علي السيستاني. ووحّد التحالف الوطني الكردستاني الأحزاب الكردية المهيمنة، بينما مثَّلت جبهة التوافُق العراقية القلة من العرب السنة الذين لم يقاطعوا الانتخابات. وكانت هناك أيضاً القائمة العراقية الوطنية، وهي ائتلافٌ عَلماني بقيادة أياد علاوي.
وفي الوقت الحاليّ، انقسمت تلك الكتل التي كانت موحَّدة في السابق إلى مجموعة من القوائم الانتخابية المتنافسة. وتضمّ انتخابات 2025 ما يصل عدده إلى 31 ائتلافاً و38 حزباً سياسياً و75 مرشحاً مستقّلاً.
ومِن الائتلاف العراقي الموحد تنبثق اليومَ مجموعة من المجموعات الشيعية المتنافسة. وتشمل هذه الجهات ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، وائتلاف دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بالإضافة إلى كتلة “الصادقون” بقيادة قيس الخزعلي، ومنظّمة بدر بقيادة هادي العامري، وتحالُف قِوى الدولة الوطنية بقيادة عمار الحكيم. وتربط بعض هذه الجماعات، وإنْ بدرجات متفاوتة، علاقاتٌ تاريخية وسياسية بإيران.
وتشكل هذه الأحزابُ الإطارَ التنسيقي الشيعي الحاكم، وهي كتلة تضمّ الأحزاب الشيعية التي دعمت في البداية السوداني لرئاسة الوزراء. وتخوض هذه الأحزاب الانتخابات بقوائم انتخابية منفصلة، لكن من المتوقع أن تتَّحد مرة أخرى بعد الانتخابات في محاولةٍ لتشكيل أكبر كتلة في البرلمان. ويواجه الإطار التنسيقي الشيعي معارضةً من رجل الدين الشيعي المؤثّر مقتدى الصدر، الذي تقاطع حركته هذه الانتخابات.
أمّا الأكراد، الذين كانوا متّحدين في السابق تحت لواء التحالف الوطني الكردستاني، فيخوضون الآن الانتخابات تحت رايات منفصلة، هي الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، ومجموعة من الحركات الكردية الأصغر.
كما انقسم تحالف جبهة التوافق والقائمة العراقية، مما أفضى إلى ظهور مجموعة متنوعة من الأحزاب التي يقودها السنّة، بما في ذلك حزب تقدُّم بقيادة محمد الحلبوسي، وحزب السيادة بقيادة خميس الخنجر، وتحالُف عزم بقيادة مثنّى السامرائي.
القوائم الانتخابية الرئيسية المتنافسة في انتخابات العراق 2025

كيف تُكتَسب الأصوات في العراق: تحشيدُ القِلّة
رغم أنّ العراقيين أحرارٌ نظرياً في التصويت لمن يريدون، إلا أنه من الناحية العملية فإنّ الكثير من الذين ما زالوا يشاركون في التصويت يفعلون ذلك على أساس شبكات المحسوبية والحوافز المالية أو المادية والتبعية. ولذلك ينظر العديد من العراقيين إلى الانتخابات على أنها ممارسة تقوم على الزبائنية والفساد.
تاريخياً، كان الساسة العراقيون يستعينون بسياسات الهُوية والولاءات الإثنية والطائفية لحشد قواعدهم، وإقناع الناخبين بأن المرشّح المعنيّ فقط هو القادر على حماية مصالحهم أو الدفاع عنهم في وجه التهديدات الخارجية. وفي الآونة الأخيرة، أدت الحركات الاحتجاجية في العراق – التي دعت إلى إنهاء النظام العرقي-الطائفي – إلى ظهور حركات تعبئة تستخدم خطاب الإصلاح المدني.
لكن في عام 2025، ووسط تراجع نسبة الإقبال على التصويت، ستكون السمة المميزة لهذه الانتخابات هي استخدام السياسيين لمناصبهم وأموالهم لكسب الأصوات. أما أولئك الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، فمن غير المرجح أن يكونوا مواطنين عاديين يدلون بأصواتهم بِحُريّة، بل هم بالأحرى أولئك الذين يرتبطون بالمنظومة السياسية بطريقة أو بأخرى.
وينفق السياسيون هذه المرة مبالغ طائلة في ما أطلق عليه أحد الخبراء في اجتماع مغلق لتشاتام هاوس اسم “انتخابات المليارديرات”. فقد أصبحت الانتخابات استثمارات مُجزِية بالنسبة إلى النخبة. ذلك أنّ النتائج القوية تُترجَم إلى نفوذ أكبر خلال المفاوضات التي تلي الانتخابات، إذ يجري التفاوض على النفوذ والوصول إلى موارد الدولة. ومن شأن القيود الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة على القطاع المصرفي العراقي أن دفعت العديد من العراقيين الأثرياء إلى توجيه رؤوس أموالهم نحو مشاريع محليّة، بما في ذلك الاستثمارات السياسية. وبالتالي، أصبحت هذه الانتخابات فرصة استثمارية مربحةً أخرى.
ولضمان الحصول على الأصوات، غالباً ما يستخدم رئيس الوزراء الشاغل للمنصب سلطته التنفيذية وصلاحيّاته في توزيع الوظائف في القطاع العام. فخلال السنوات الثلاث التي قضاها السوداني في منصبه، تضخمت رواتب الحكومة بصورة كبيرة، إذ أُعلِن عن نحو مليون وظيفة جديدة. وقبل الانتخابات، أصدر السوداني ما يقرب من 9000 كِتاب شكر يمكن أن تساعد في الترقيات المستقبلية لموظفّي الدولة. لكن توقيت هذه الخطوة أثار انتقادات حادة، وقد حذّر الرئيس عبد اللطيف رشيد من أن هذه الخطوة تنتهك تعهّد الحكومة الأخير بحماية شفافية الانتخابات.
ثم هناك الرجال والنساء ممّن يرتدون الزيّ العسكريّ، أي موظّفو وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والمجموعات المختلفة التي تُشكل قوات الحشد الشعبي والبشمركة، وقد أدلوا بأصواتهم مُبكّراً في أيام اقتراعٍ مُحدّدة رُتِّبت خصيصاً لهم. وعادةً ما تُدار مشاركتهم في الانتخابات بشكلٍ صارم تحت مراقبة قادَتهم، وتُوجَّه أصواتهم بسهولة أكبر نحو الأحزاب السياسية التي منحتهم مناصبهم، وهي من يقودهم ويوجّهُهم.
وبعيداً عن الثكنات العسكرية، توجد فئة أخرى من الناخبين تضمّ الزبائن المُنضوين في شبكات الأحزاب العراقية الواسعة. فقد تعلمت الأُسَر كيفية التعاطي مع المواسم السياسية وإدراك متى يكون ولاؤها مُنتَظَراً ومتى تكون المكافآت مستحَقة. وعلى سبيل المثال، لطالما اتُّهِم نوري المالكي بالسعي إلى كسب التأييد من خلال تقديم العطايا لزعماء العشائر، ليس فقط لضمان أصوات الأفراد، بل ولاء عوائل بأكملها.
كما تستغلّ الأحزاب أيضاً مسألة تقديم الخدمات كورقة انتخابية في المناطق التي تأمل في الحصول على الدعم فيها. على سبيل المثال، أطلق المرشح رعد الدليمي حملةً لتوسيع شبكات مياه الشرب إلى الأحياء السُنّية المحرومة من الخدمات في شمال بغداد. وفي حين أنّ مثل هذه المبادرات تعالج ثغرات حقيقية في البنية التحتية، إلا أنها تُظهِر بوضوحٍ كيف أنّ الأطراف السياسية الفاعلة تتولّى دور الدولة وتقديم الخدمات بشكلٍ متزايد لضمان الولاء في صناديق الاقتراع.
هناك أيضاً أساليب أكثر صراحة في شراء الأصوات. فقد تطورت تجارة الأصوات المزدهرة في العراق مع اقتراب انتخابات عام 2025، حيث ظهر سوق سوداء لبطاقات الناخبين البيومترية، وكشفت التحقيقات أن هذه البطاقات تُباع وتُشترى مقابل نحو 100 دولار للبطاقة الواحدة. وعادةً ما يتلقى الناخب نصف المبلغ مقدماً والنصف الآخر يوم الاقتراع، مقابل الإدلاء بصوته لمرشح محدد مسبقاً أو الامتناع عن التصويت تماماً.
كما تتجه الطبقة السياسية في العراق إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يُقال إن المرشحين والأحزاب يدفعون لمؤثرين لنشر محتوى إيجابي عنهم، أو للترويج لخطابات حملاتهم، أو لتشويه سمعة منافسيهم. وقد أفاد عدد من المؤثرين بأن الأسعار في هذه الانتخابات ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، إذ يمكن أن تصل قيمة المنشور الواحد من حساب واسع المتابعة إلى عدة آلاف من الدولارات الأمريكية.
أولئك الذين يلزمون بيوتهم: سبب انخفاض نسبة المشاركة في العراق
منذ ارتفاع نسبة المشاركة التي بلغت نحو 80 في المئة في كانون الأول/ ديسمبر 2005، انخفضت نسبة المشاركة بالانتخابات في العراق انخفاضاً مطّرداً. وهذا موقف يعكس حالة من التشكيك الواسع النطاق في إمكانية أن يغيّر الانتخابُ الأشخاصَ الذين يحكمون أو طريقة حُكمهم.
وغالباً ما تبالغ الأرقام الرسمية لنسبة المشاركة في العراق في تقدير مستوى المشاركة الشعبية. ويرجع ذلك إلى أنّ النسبة المئوية تُحسب على أساس عدد الناخبين بالنسبة إلى الناخبين المسجَّلين، أو أولئك الذين قاموا بتحديث سجلهم الانتخابي، وليس جميع السكان في سنّ التصويت، الذين يختار الكثير منهم عدم التسجيل. وفي عام 2025، من بين نحو 30 مليون ناخب مؤهلين للتصويت، لم يسجل سوى نحو 21 مليون ناخب، مما يعني أنّ معدلات المشاركة الرسمية تستثني ثلث الناخبين من الحساب.
نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية السابقة

وبالنسبة إلى الكثير من العراقيين الذين هم خارج شبكات السلطة المذكورة أعلاه، فإن النظام السياسي لا يبدو ممثِّلاً ولا مُستجيباً. فبعد عقدين من الانتخابات والوعود بالإصلاح، ما تزال الحياة اليومية لمعظم العراقيين تتَّسم بالمشقة والإهمال. وفي ما يتعلق بأبسط مقاييس الحوكمة، فإن الدولة مُقصرة باستمرار. فالعراق، على رُغم ثروته النفطية الهائلة، لا يزال يُصنَّف من بين أفقر الدول أداءً في تقديم الخدمات، ومن بين الأكثر فساداً على مستوى العالم.
كما ستساهم حملة مقاطعة الصدر في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات. فقد فاز تياره بأكبر عدد من المقاعد، بلغ 73 مقعداً من أصل 329 مقعداً في انتخابات 2021، لينسحب بشكل مفاجئ من مجلس النواب بعد فشله في تشكيل “حكومة أغلبية” في آب/ أغسطس 2022.
وقد حذّر الصدر أتباعه من الترشح على قوائم أخرى، بل وفصل 31 عضواً من حركته لدعمهم مرشّحين آخرين. وقد أحبط موقفه العديد من مستشاريه المقرَّبين الذين يجادلون بأن حركته لا تزال من بين القلائل الذين يمتلكون آلة انتخابية قوية ومنضبطة قادرة على حشد أعداد كبيرة من الناخبين. لكن الصدر يسعى إلى موضعةِ نفسه علناً خارج المنظومة السياسيّة، مما يسمح له بزعمِ النأي بنفسه أخلاقياً عن الانتخابات التي من المتوقع أن يشارك فيها عدد قليل جداً من العراقيين.
ما بعد الانتخابات: كيف تعمل آلية تشكيل الحكومة في العراق
ينصّ الدستور العراقي من حيث المبدأ على جدول زمني واضح لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات. إلا أن التطبيق العملي يحوّل كل خطوة من هذه العملية إلى فرصة أمام الكتل السياسية لانتزاع التنازلات، وتبادل المناصب، وترسيخ الاتفاق النخبوي الذي يقوم عليه النظام السياسي برمّته.
ومنذ عام 2005، بلغ متوسط الفترة الزمنية بين يوم التصويت وتشكيل الحكومة نحو 224 يوماً. وتُوزَّع المناصب الوزارية والدرجات العليا وفق “نظام نقاط” غير رسمي، يُحدَّد بناءً على عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب.

تبدأ المفاوضات على الفور تقريباً بعد تصديق المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات، بعد حل النزاعات المتعلقة بالاقتراع. وفي غضون 15 يوماً من التصديق، يتوجّب على الرئيس المؤقت دعوة البرلمان المنتخب حديثاً إلى الانعقاد.
وتهدف الجلسة البرلمانية الأولى، التي يرأسها أكبر الأعضاء سناً، إلى انتخاب رئيس لمجلس النواب ونائبين بالأغلبية المطلقة. إلّا أن هذه اللحظة غالباً ما تصبح في الممارسة الفعلية أوّل ساحة للتفاوض السياسي. ذلك أنّ الأحزاب تُؤخّر التصويت وتُبقي الجلسة “مفتوحة” لأشهُر، مثلما جرى في عام 2022، بينما تتفاوض فيما بينها على المناصب والتحالفات.
وبمجرد اختيار رئيس مجلس النواب في النهاية، يتحوّل الاهتمام نحو رئاسة الجمهورية، التي تقتضي تصويت ثلثي أعضاء البرلمان. وهنا أيضاً، تكون المناورات السياسية مكثّفة. فمنذ عام 2022، يلزم تحقيق نصاب الثلثين للتصويت على اختيار رئيس الجمهورية، مما يفرض فعلياً توافقاً في الآراء ويمكّن أقلية الثلث من عرقلة إحراز تقدم.
وعندما يُنتَخب الرئيس في نهاية المطاف، يكون أمامه 15 يوماً لتسمية رئيس وزراء من “الكتلة الأكبر.” وهذا في حد ذاته مصدر خلاف. ففي حُكمٍ تاريخي صدر في العام 2010، فسّرت المحكمة الاتحادية العليا “الكتلة الأكبر.” على أنها تعني الكتلة التي تشكلت بعد الانتخابات، وليس القائمة التي فازت بأكبر عدد من المقاعد. وقد سمح ذلك لائتلاف نوري المالكي بالتغلّب على تحالف إياد علاوي الفائز آنذاك. وأدت هذه السابقة، التي أعيد تأكيدها في عام 2019، إلى مأسسة المساومات التي تعقب الانتخابات باعتبارها سمة مميزة لتشكيل الحكومة.
وبمجرد تسمية رئيس الوزراء المكلف، يكون أمامه مهلة 30 يوماً لتقديم تشكيلة الحكومة وبرنامجها إلى مجلس النواب للحصول على الثقة. ويهيمن التفاوض على هذه المرحلة أيضاً. ويجري تقسيم الوزارات المتوقعة بين المجموعات الرئيسية، التي تطالب كل منها بحقائب وزارية بارزة تتناسب مع وزنها البرلماني.
مراحل تشكيل الحكومة في العراق

وفي كل مرحلة من هذه المراحل، لا تجري هذه المفاوضات في مجلس النواب، بل وراء الأبواب المغلقة للسلطة. ويتعامل صانعو القرار الفعليون، وهم رؤساء الكتل الحاكمة، مع نتائج الانتخابات كورقة مساومة في المفاوضات بشأن المناصب الوزارية ونحو 1000 منصب حكومي رفيع آخر يُعرف باسم “الدرجات الخاصّة.” وتتيح هذه المناصب إمكانية الوصول إلى موارد الدولة الهائلة، وشبكات المحسوبية، وآلية النفوذ.
غير أنّ المقاعد ليست سوى ورقة مساومة واحدة في التنافس على السلطة في العراق بعد الانتخابات. فقد حشدت النخب أيضاً أنصارها في الشوارع، بل واستخدمت العنف الموجّه للحفاظ على نفوذها. وعلى سبيل المثال، احتل أتباع الحشد الشعبي المنطقة الخضراء في بغداد بعد أن كان أداء الأحزاب التابعة لهم ضعيفاً في انتخابات 2021. وبعد أقل من عام، أي في أغسطس 2022، شن الصدريون حملة اجتياحهم للمنطقة الخضراء وسط فشلهم في تشكيل الحكومة، مما أسفر عن مقتل نحو 30 شخصاً. وخلال عملية تشكيل الحكومة تلك، هوجمت منازل السياسيين بمن فيهم الحلبوسي ورئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي. ولا تزال الاغتيالات المتبادلة، الشائعة خلال موسم الانتخابات، سمة معتادة في آلية عمل المنظومة.
وبالتالي، فإنّ الانقسام في الانتخابات العراقية لا يتعلق بالانقسام الأيديولوجي بقدر ما يتعلق بالإستراتيجية. إذ يتنافس كل فصيل على حدة، ساعياً إلى قياس وزنه الانتخابي ومراكمة أوراق المساومة لمفاوضات ما بعد الانتخابات.
وبمجرد الانتهاء من توزيع المناصب على أساس المقاعد البرلمانية، تعيد هذه المجموعات حتماً التقارب داخل كتلها الحاكمة التقليدية، وتعيد تجميع نفس تراتبية السلطة بشكل معدّل قليلاً. وهكذا تتواصل الحلقة من خلال نفس النخبة التي أعيد تشكيلها وتغييرها، لتعود إلى السلطة تحت قناع التجديد الديمقراطي المألوف.
إعادة بناء الثقة في الانتخابات العراقية: تشجيع المشاركة والمساءلة
صُمم النظام الانتخابي في العراق بعد عام 2003 لمنع عودة الديكتاتورية. وكان الهدف من الانتخابات أن تكون بمثابة آليةٍ دورية لإعادة التوازن، ووسيلة لتقويم التمثيل السياسي كل أربع سنوات، وإتاحة المجال للأحزاب المتنافسة بالتنافس السلمي على السلطة ضمن إطار دستوري متفق عليه. وكان الهدف من المنافسة تحقيق التعددية، في حين كان الحفاظ على الاستقرار هو الهدف من الإشراك عبر الخطوط الإثنية والطائفية. وكان الوعد الذي قُدِّم للجمهور هو أن يتمكن العراقيون من خلال الانتخابات من محاسبة الزعماء والحفاظ على مكاسب الديمقراطية التي تحققت بشقّ الأنفس.
ولكن بعد مرور عقدين من الزمن، تحوّل هذا النظام إلى نظامٍ مختلف. فبدلاً من منع الاستبداد، نجده يرسّخ منظومةً سياسيةً تنافسيةً تستمر فيها الانتخابات، في حين تتآكل الديمقراطية والمساءلة. فالمؤسسات ذاتها، المصممة لدعم الضوابط الديمقراطية والشفافية وسيادة القانون، قد استولت عليها النخبة نفسها أو سيّسَتها. وقد قُوِّضت السبل الأخرى لمحاسبة النخبة، مثل الاحتجاجات، بصورةٍ منهجية من خلال الاحتواء والترهيب والعنف.
على المدى المنظور، من غير المرجح إجراء أيّ إصلاح شامل للنظام السياسي العراقي المستدام ذاتياً. ومن المتوقع أن تواصل المحكمة الاتحادية العليا توجيه عملية تشكيل الحكومة، والحفاظ على دورها المركزي في تحديد رئيس الوزراء والحقائب التنفيذية. ومن المرجح أن يُبقي التيار الصدري “رِجلاً داخل المنظومة وأخرى خارجها،” بما يتيح له التأثير بما يكفي لبلورة النتائج، في حين يظلّ بعيداً بالقدر الذي يكفل له ادّعاء المعارضة. وفي الوقت نفسه، ستسعى الأحزاب الكردية والسنية الرئيسية إلى تعويض خساراتها التي تعرّضت لها خلال عملية تشكيل الحكومة الأخيرة، وتأمين حصة أكبر من السلطة.
وعليه فإنّ إعادة بناء الثقة تتطلب معالجة العجز الديمقراطي في العراق في جوهره، ومن ثَمّ استعادة الصلة بين الانتخابات والمساءلة. وعلاوةً على ذلك، يحتاج العراق إلى اعتماد قواعد انتخابية تجعل الأصوات ذات أهمية حقيقية. أي آليات أوضح لتوزيع المقاعد، وشفافية التدقيق في ملفات المرشحين، وتطبيق القواعد المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية والأحزاب السياسية، وهيئة انتخابية محصّنة من الاستحواذ السياسي.
ولا يقلُّ عن ذلك أهميةً تعزيزُ قدرة البرلمان على الرقابة، وتمكين اللجان من التدقيق الحقيقي في الميزانيات ومراقبة الوزارات واستجواب كبار المسؤولين مِن دون عرقلة حزبية.
وتتطلب مثل هذه الخطوات الإرادة السياسية من النخبة، وهي غائبة حتى الآن. كذلك فإنّ تنمية الإرادة السياسية اللازمة للتغيير تتطلب نهجاً ترابُطيّاً يصل المجتمع المدني بالجهات الفاعلة ذات العقلية الإصلاحية داخل المنظومة السياسية بُغيةَ إحداث ضغط حقيقي.
فمِن دون إصلاح هيكلي، ستبقى الانتخابات العراقية ساحات تنافس بين النخب، بدلاً من أن تكون أدوات لتمكين المواطنين من إعمال المساءلة. وستُواصل عرضَ مظاهِر الاختيار الديمقراطي مِن دون جوهره. ومِن خلال الإصلاح الحقيقي وحده يمكن للديمقراطية في العراق أن تبدأ في تحقيق ما وعدت به من قبل، وهو ما لا يقتصر على إعادة توزيع السلطة فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى استعادة الثقة.




