من دون أيّ مقدمات تُذكر، استؤنفت المفاوضات رفيعة المستوى بين المغرب وحركة استقلال الصحراء الغربية بعد توقّف دام قرابة سبع سنوات.
ومما يثير الدهشة بالقدر نفسه وتيرة هذه اللقاءات، فقد عُقدت ثلاثة لقاءات حتى الآن منذ أواخر كانون الثاني/يناير 2026 – اثنان منها في واشنطن العاصمة، وواحد في مدريد.
على مدى عقدين من الزمن، كان الوسطاء الأمميون محظوظين إذا تمكنوا من إقناع المغرب والقوميين الصحراويين، بقيادة جبهة البوليساريو، بالاجتماع أكثر من مرتين في السنة – هذا إن تمّ ذلك أصلاً. وبخلاف ذلك، أصبحت عملية السلام حالة نموذجية للدبلوماسية الفاشلة.
والسبب البسيط وراء هذه الطفرة الدبلوماسية المفاجئة هو إدارة ترمب الثانية، التي ترغب في حل النزاع المستمر منذ خمسين عاماً حول آخر إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي في أفريقيا بأسرع ما يمكن.
ولهذه الغاية، قادت الولايات المتحدة هذه المفاوضات الأخيرة؛ في خروج ملحوظ عن سابقة الأمم المتحدة المستمرة منذ 40 عاماً. ويشارك ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية منذ عام 2021، الآن في رئاسة هذه الاجتماعات، إلى جانب مايكل والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. كما لعب مسعد بولص، أحد كبار مستشاري ترمب للشؤون الأفريقية والعربية، دوراً رائداً، من خلال جلب اهتمام رفيع المستوى من البيت الأبيض إلى طاولة المفاوضات.
ويبدو أنّ هذه التطورات غير المسبوقة تشير إلى إمكانية إنهاء أحد أقدم الصراعات في أفريقيا، والذي كان أيضاً أكبر عائق أمام العلاقات الوديّة بين القوتين الإقليميتين المهيمنتين، المغرب والجزائر.
ولكن في حالة الصحراء الغربية، لن يغيّر نهج إدارة ترمب في السياسة الخارجية، المتمثل في “التحرك بسرعة وتغيير الأمور”، الجذور العميقة للنزاع من خلال السعي إلى فرض ضمّ المغرب للأراضي.
ثمّة حاجة إلى نهجٍ أكثر توازناً يقبل فيه كلّ من المغرب والبوليساريو قدراً متساوياً من المخاطرة من أجل فرصة السلام. ولتحقيق ذلك، يتعين على الوسطاء الأميركيين والأمميين أولاً تبديد “الغموض الهدّام” الذي يكتنف عملية السلام في الوقت الراهن. ويمكنهم القيام بذلك عبر انتزاع التزام من الطرفين بإجراءات بناء الثقة، واعتماد إطار تفاوضي ينسجم مع تفويض مجلس الأمن الحالي بشأن الصحراء الغربية، رغم ما يعتريه من قصور.
حالة الجمود في مسألة الصحراء
مثلما كان الحال في محادثات الصحراء الغربية السابقة، حضر ممثّلو موريتانيا والجزائر – بصفتهما رسمياً دولتين جارتين – جولتي مباحثات كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير. ولطالما كانت الجزائر أقوى داعم معنوي ومادي لحركة استقلال الصحراء الغربية منذ أن غزا المغرب الإقليم عام 1975، وطرد إسبانيا الاستعمارية.
وفي عام 1991، انتهى صراع منخفض الحدة دام خمسة عشر عاماً بين المغرب وجبهة البوليساريو، عندما اتفق الطرفان على إجراء استفتاء على الاستقلال تحت رعاية الأمم المتحدة. ونظراً للطبيعة (غير القسرية) التي ينصّ عليها الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتميز بها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو)، أدرك مجلس الأمن في مطلع الألفية أنّه قد يواجه سيناريو مشابهاً لسيناريو تيمور الشرقية إذا ما رفضت المملكة المغربية ببساطة مغادرة الإقليم بعد تصويت الصحراويين لصالح إقامة جمهورية مستقلة.
وعلى مدى العقدين ونصف العقدين التي تلت ذلك، حاول خمسة مبعوثين للأمم المتحدة، مِن دون جدوى، إقناع الأطراف إما بقبول مقترحات الأمم المتحدة، أو بوضع صيغ خاصة بهم لجَسر الهوّة التي تبدو غير قابلة للرأب بين تمسُّك المغرب بالسيادة والحق القانوني الدولي للصحراء الغربية في الاستقلال.
تفويض ملتبس
رسمياً، استندت أحدث جولات المحادثات بشأن الصحراء الغربية إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتُمِد – ومن المفارقات – في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهي الذكرى الخمسين لغزو المغرب لما كان يُسمى آنذاك بالصحراء الإسبانية.
وكما في القرارات السابقة، واصل القرار 2797 التأكيد على حق الصحراء الغربية في تقرير المصير وفق قواعد الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، وعلى ضرورة إجراء مفاوضات دون شروط مسبقة، تفضي إلى حل سياسي عادل ودائم يحظى بقبول الطرفين.
لكنّ القرار 2797 أدرج مرتين طلباً صيغ بشكل مُحرجٍ للطرفين للعودة إلى المفاوضات من خلال “اتخاذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها. [حسبما ورد في النص الإنجليزي للقرار، فإنّ عبارة “as basis” غير سليمة نحوياً، والأصح قول “as a [basis”.
وسوف يدرك أيّ شخص على دراية بالجهود التي تُبذل في صياغة قرارات مجلس الأمن أهمية استخدام أداة التعريف أو التنكير – أيْ ما إذا كان الاقتراح يُصاغ باعتباره الأساس للمفاوضات أم مجرد أحد الأسس من بين عدّة خيارات. وفي هذه الحالة، أدخل الوفدان الفرنسي والأميركي صيغة غامضة تتحدى قواعد النحو لغرض تأطير خطة الرباط لعام 2007 للحكم الذاتي المحدود – التي تستبعد أيّ مسار نحو الاستقلال – بكونها عنصراً ضروريّاً للمفاوضات المستقبلية. وعقِب تمرير القرار 2797، سارعت الرباط ومؤيدوها إلى الادّعاء بأن الأمم المتحدة قد أيّدت الضّم النهائي للإقليم.
وفي أفضل الأحوال، لم يحقق الغموض البنّاء في القرار 2797 سوى انتصارٍ بطعم الهزيمة. فقد بات يُعدّ الأقل دعماً والأكثر إثارةً للانقسام بين قرارات مجلس الأمن في شأن الصحراء الغربية خلال ما يقارب أربعة عقود من انخراط المجلس في هذا الملف.
ويبرز مثال مضاد دالّ في الدعم الموحّد الذي قدّمه مجلس الأمن عام 2003 لمقترحٍ يجمع بين الحكم الذاتي وتقرير المصير، طرحه المبعوث الأممي آنذاك وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر. غير أنّ المغرب رفض بشدة ما عُرف بـ “خطة بيكر”، التي لا تزال جبهة البوليساريو تقبلها .وقد حظي الاقتراح بتأييدٍ أقوى بكثير وإجماع تام (15-0) من المجلس، مقارنة باقتراح الضم الذي قدمه المغرب في القرار 2797.
وفي الواقع، شهد القرار 2797 امتناع كلٍّ من الصين وروسيا، وكذلك باكستان، عن التصويت. فيما ذهبت الجزائر، التي كانت تشغل مقعداً دوريّاً آنذاك، إلى حدّ الامتناع عن المشاركة في التصويت من الأساس. ولو حاولت واشنطن المضيّ قدماً في مسودتها الأولى المتحيزة للقرار في تشرين الأول/أكتوبر، التي كانت ستخرج عن حياد مجلس الأمن بفرض اقتراح المغرب الخاص بالحكم الذاتي كأساس حصري ونهائي للمفاوضات، لكان من المرجّح أن تستخدم موسكو وبكين حق النقض ضد تلك الجهود، مما كان سيؤدي إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية وإعادة عملية السلام إلى نقطة البداية. وكما أوضحت روسيا والصين في تفسيرات تصويتهما، فإن امتناعهما عن التصويت يعكس قلقاً عميقاً إزاء المسار الحالي لعملية السلام في الصحراء الغربية في ظلّ الأحادية الأميركية، ومع ذلك فإن هذه المخاوف لم تصل بعد إلى المستوى الذي يستدعي استخدام حق النقض من جانب موسكو وبكين.
هل يُبعثُ الأمل من اليأس؟
مع ذلك، لم تُغلق كلّ الأبواب بعد. إذ تكشف التصريحات الأخيرة للمسؤولين الأميركيين عن تزايد الإدراك بأنّ حلّ نزاع إقليمي عمره 50 عاماً في غضون شهرين، ليس بالأمر السهل كما قد يبدو.
ويكشف الاختلاف في فهم المغرب وجبهة البوليساريو لمعالم المحادثات أنّ غموض القرار 2797 ليس غموضاً بنَّاءً على الإطلاق.
فمن ناحية، يُصرّ المغرب على أنّ هذه محادثات فنية تهدف إلى تنفيذ اقتراحه الذي جرى تعديله وتوسيعه مؤخراً لضمّ الإقليم مع منح استقلالية إدارية محدودة.
ومن ناحية أخرى، فإنّ البوليساريو مستعدة للدخول في مناقشات واسعة النطاق وشاملة قد تشمل اقتراح المغرب، شريطة ألا تقتصر المفاوضات عليه في ظلّ دعوة مجلس الأمن الطويلة الأمد لإجراء محادثات دون شروط مسبقة، التي أكّدها القرار 2797.
وقد تفاقم هذا الاختلاف في التصوّرات بفعل الانحياز الأميركي الذي طغى على التحضير لهذه المحادثات.
لذلك تبدو الحاجة ماسّةً إلى مقاربة أكثر صبراً وتوازناً وشفافية. إذ يتطلّب التوصل إلى تسوية في الصحراء الغربية إطاراً تفاوضياً واضحاً ومتفقاً عليه، يستوعب القرار 2797 بكامل عناصره. ورغم التزام القوى الرئيسية في شمال الأطلسي داخل مجلس الأمن بهذا القرار، ينبغي التنبيه إلى أنّ المغرب وجبهة البوليساريو ليسا ملزمَين به رسمياً؛ وبموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، لا يمكن إرغامهما على ذلك.
وكنقطة انطلاق، يتعيّن على الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بصفتهما راعيتين للعملية، أن تطلبا من المغرب وجبهة البوليساريو حثّ المغرب وجبهة البوليساريو على اتخاذ خطوات جدّية لبناء الثقة خلال ما تبقى من شهر رمضان المبارك، بدءاً بإطلاق سراح السجناء السياسيين الصحراويين البارزين في السجون المغربية ووقف هجمات قوات البوليساريو طوال مدة المحادثات.
وانطلاقاً من ذلك، ينبغي أن تركّز الجولات المقبلة في مرحلتها الأولى على صياغة بيان مبادئ تفاوضية يحظى باتفاق الطرفين، ويتماشى مع مجمل معايير القرار 2797. على أن يُوقَّع هذا البيان لاحقاً من قِبل الجزائر وموريتانيا، إلى جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بما يتيح للمفاوضات الانتقال تدريجياً إلى مرحلة أكثر تقنيةً.
ولن يقتصر أثر مثل هذا البيان لمبادئ السلام على دفع العملية قدماً، بل سيمثّل أيضاً اختراقاً مهماً، إذ سيكون أول اتفاق مُوقَّع بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ ما يقارب ثلاثة عقود.




