إسرائيل في عام 2026: ستكون الانتخابات استفتاءً على إرث السابع من أكتوبر – ومستقبل العقد الاجتماعي

This article is available in English here

سوف تسعى حكومة نتنياهو إلى إظهار قوتها في الضفة الغربية، لكن هناك مشروع قانون يطرح أزمة تلوح في الأفق – شأنه شأن التحقيق في الهجمات التي وقعت عبر الحدود في عام 2023.

مع حلول شهر كانون الثاني/يناير 2026، يحمل هواء الشتاء في القدس ثقلاً يتجاوز المناورات السياسية المعتادة في السياسة الإسرائيلية. فمن المرجح أن يعيد هذا العام رسم الخريطة السياسية لإسرائيل ويحدد مستقبل العقد الاجتماعي.

وبموجب الإعلان الرسمي، من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في الخريف. ولكن إذا فشل الكنيست في إقرار ميزانية الدولة لعام 2026 بحلول 31 آذار/ مارس، فسوف تُحلّ الحكومة تلقائياً. وقد قدَّمت الحكومة الميزانية إلى الكنيست هذا الأسبوع، بعد تأخير دام شهرين، مما يُعدّ انتهاكاً للقانون. وهناك شكوك بشأن احتمالات الموافقة عليها.

وقد انتشرت شائعات كثيرة خلال النصف الثاني من عام 2025 بشأن إجراء انتخابات مبكرة. لكن بنيامين نتنياهو، الذي لطالما كان بارعاً في البقاء السياسي، لم يبدِ اهتماماً بهذه الخطوة.

فقد كانت حسابات نتنياهو وما تزال متجذرة في التناقض الواضح في استطلاعات الرأي: فبينما أظهر حزب الليكود الذي ينتمي إليه انتعاشاً قوياً في استطلاعات الرأي، تُظهر نفس الاستطلاعات أنه غير قادر على تشكيل حكومة مع حلفائه الحاليين في الائتلاف، أي الأحزاب الدينية المتشددة واليمينية المتطرفة. وفي الوضع الحالي، تبدو الأغلبية المنشودة المكوّنة من 61 مقعداً بعيدة المنال، ومحاصرة بجدار من سأم الرأي العام والتحولات الديموغرافية البنيوية.

وسوف تتَّسم الأشهر التي تسبق الانتخابات الخريفية بسلسلة من المناورات عالية المخاطر من جانب المرشحين الذين يتنافسون ضد نتنياهو، أو الذين قد يلعبون دوراً هاماً في الائتلاف المستقبلي.

يجد بيني غانتس – الذي غادر حكومة الحرب التي يقودها نتنياهو في حزيران/ يونيو 2024، وهو ما يزال يُمثّل الأمل الدائم لليبراليين الوسطيين – نفسه في حالة مألوفة من الغموض الإستراتيجي. ورغم تصريحه علناً أنه لن يعترض على تسمية نتنياهو، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان مستعداً ليكون “طوق نجاة” لرئيس الوزراء. فقد انهار مستوى التأييد لحزب “أزرق أبيض” الذي يتزعمه غانتس إلى 0.6 في المئة فقط من الأصوات، وهو ما لا يقترب حتى من النسبة المطلوبة لتأمين مقعد في الكنيست.

في غضون ذلك، يظلّ رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت هو العامل المجهول الأكبر. ومن خلال رفضه استبعاد تشكيل حكومة مع نتنياهو بشكل صريح، يُبقي بينيت على صلة الوصل مع ناخبي اليمين، بينما يطرح نفسه بصفته البديل العملي للفوضى الحالية في السياسة الإسرائيلية، التي شهدت طرح حكومة نتنياهو لمبادرة جديدة لإصلاح القضاء، وموجة من التشريعات المستفزّة والمثيرة للجدل (مثل مشروع قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين) واستمرار عدم اليقين بشأن الميزانية.

البطاقة العربية

وسط هذه المناورات، برزت “البطاقة العربية” من جديدٍ باعتبارها العنصر الأقوى والأكثر إثارة للانقسام في الحملة الانتخابية.

وقد أثبتت “حكومة التغيير” لعام 2022 بقيادة بينيت ويائير لابيد أنّ الائتلاف الحاكم يمكن أن يعتمد على المقاعد الأربعة للقائمة العربية الموحدة، وهي ائتلاف إسلامي بقيادة منصور عباس. وتُظهر الاستطلاعات الحالية أنّ القائمة العربية الموحدة ستحصل على خمسة مقاعد في الكنيست بعد الانتخابات الجديدة، ما يجعلها لاعباً مهماً في تشكيل ائتلاف جديد.

وفي عام 2022، انتقد حزب الليكود حكومة بينيت-لابيد لتعاونها مع عباس. وسيكون دور القائمة العربية الموحدة هذه المرة أكثر إثارة للجدل. وفي الواقع، يقود حزب أزرق أبيض الذي يقوده غانتس الآن حملة ضد الشراكة مع القائمة خوفاً من إثارة نفور تيار يمين الوسط.

ومع ذلك، يبدو من المستحيل عملياً أن تحصل كتلة المعارضة الحالية على أغلبية 61 مقعداً من دون القائمة العربية الموحدة. وعلاوة على ذلك، هناك إجماع هادئ وساخر في القدس على أنه إذا وجد نتنياهو نفسه على بعد بضعة مقاعد من الفوز، فسوف يقفز إلى إبرام شراكة مع عباس في لمح البصر، متخلياً عن خطابه السابق من أجل ولاية رئاسية أخرى.

العلاقات مع الولايات المتحدة

على الصعيدين العسكري والإقليمي، أعيدَ تشكيل المشهد بصورة جذرية بفعل إملاءات خارجية، لا سيما من البيت الأبيض.

وما تزال مسارح الصراع المختلفة التي اندلعت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 متقلبة. لكنها استقرت في حالة دائمة من عدم الاستقرار المُدار.

ففي غزة، لم يعد الواقع يُحدَّد بما يمليه شعار “النصر الكامل” الذي رفعه نتنياهو، بل بخطوة دونالد ترمب الحاسمة نحو المرحلة الثانية من خطته للسلام.

ورغم انتقاداته الصريحة على شاشات التلفزيون، وجد نتنياهو أنه لا يستطيع فعل الكثير لعرقلة خطة تمنح دوراً مركزياً لقطر وتركيا، اللتين تتربعان الآن على مقعدَين في “مجلس السلام” ذي النفوذ.

وفي الشمال، تواصل قوات الدفاع الإسرائيلية شنّ ضرباتها التكتيكية المعتادة على حزب الله. لكن احتمال اندلاع حرب شاملة قد تأجّل، إن لم يكن قد تلاشى تماماً.

في سوريا، تقلّصت بشكل ملحوظ الأعمال العسكرية الإسرائيلية بفضل التفاهمات التي توسطت فيها الولايات المتحدة. أما الحوثيون في اليمن، الذين كانوا في يوم من الأيام مصدر اضطراب رئيسي، فقد جرى ترويضهم إلى حد كبير، وتُركوا ليتعافوا من سلسلة من الحملات الجوية المدمّرة. وربما تثير إيران حالة من الاضطراب في عام 2026، إذا سقط النظام على سبيل المثال.

المسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر – ومسألة التجنيد

أجبرت حالة “التبريد” الإقليمي هذه حكومةَ نتنياهو على البحث في مكان آخر عن رواية قوية لتقدمها لقاعدتها الشعبية. وأصبحت الضفة الغربية وسيلة التنفيس عن الضغط. وقد التزمت إدارة ترمب الصمت بشكل ملحوظ حيال هذه المسألة، حتى مع تصاعد عنف المستوطنين، وتسارع وتيرة إنشاء مستوطنات إسرائيلية جديدة.

ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه القاتم، في ظلّ محاولة العناصر اليمينية المتطرفة في الحكومة تحقيق مكاسب على الأرض للتعويض عن عدم تحقيق نصر حاسم في غزة.

ومع ذلك، ورغم كل العناوين التي تشغلها الضفة الغربية، فمن غير المرجح أن تكون عاملاً حاسماً في انتخابات عام 2026.

وبوجود استثناءاتٍ قليلة، تتشارك قوى المعارضة الرئيسية والائتلاف الحاكم في رأي أساسي، وهو أن قيام دولة فلسطينية أمر غير مسموح به في ظل الظروف الحالية.

وبدلاً من ذلك، ستُحسم الانتخابات لصالح أحد الطرفين أو الآخر بناءً على قضيتين أخريين حاسمتين.

الأولى هي مسألة ما يُسمى بـ “العقد الداخلي” لإسرائيل. حيث يواجه نتنياهو مشكلة متفاقمة، وهي الأزمة الوشيكة المتعلقة بمشروع قانونٍ من شأنه أن يواصل إعفاء بعض الرجال المتشددين من اليهود الحريديم من التجنيد في جيش الدفاع الإسرائيلي.

إذ يشعر الإسرائيليون بالإرهاق من سنوات الخدمة الاحتياطية في الجيش وعبء حربٍ متعدد الجبهات، وقد وصل الكثيرون إلى نهاية صبرهم فيما يتعلق بنحو 80,000 إسرائيلي من المتدينين الحريديم أو المتشددين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً ولا يخدمون في الجيش. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي، الذي ظل يصرخ في الفراغ منذ سنوات بشأن أزمة التجنيد، قد وجد أخيراً آذاناً صاغية لدى الجمهور.

قد تصبح محاولة نتنياهو لتشريع ما هو في الواقع “مشروع قانون لعدم التجنيد” – الذي يعفي مجتمع المتدينين المتشددين من التجنيد الإجباري، بينما يتجنّد باقي الناس، أكبر عبء عليه.

وثانياً، يروّج رئيس الوزراء لتشكيل لجنة تحقيق سياسية للتحقيق في الفشل الاستخباريّ الذي سبق هجمات السابع من أكتوبر 2023، بدلاً من لجنة تحقيق تابعة للدولة، كما ينصّ القانون. ولا ينظر الإسرائيليون إلى ذلك بعين الرضا، حيث يرى الكثيرون منهم أن ذلك محاولة للحدّ من التداعيات السياسيّة بقدر ما هو محاولة لكشف الحقيقة (على رغم أنّ نتنياهو حقّق بعض النجاح المحدود في حملته ضدّ اللجنة التابعة للدولة.)

ويبدو أن الانتخابات التي ستجرى في عام 2026 ستكون في نهاية المطاف استفتاءً على إرث السابع من أكتوبر، وعلى حالة انعدام المساواة البنيوية في المجتمع الإسرائيلي.

وتعتزم المعارضة التركيز بشكل كامل على الإخفاقات الكارثية التي أدت إلى وقوع الفظائع، وكيفية تَعامُل الحكومة مع الصدمة الوطنية التي تلت ذلك، ومحاولات إعفاء المتدينين المتشددين من الخدمة العسكرية.

وفي بلدٍ تكون فيه لكل صوت انتخابي أهميته المصيرية، وتكون فيه الفوارق بين المرشحين ضئيلة للغاية، يمكن أن تتحدد النتيجة بأيّ شيء، من الجهود الموجهة لتقليل نسبة المشاركة في مجتمعات معيّنة، إلى التأثير الخفي للتدخل الأجنبي.

ومع اقتراب إسرائيل من الانتخابات، من الواضح أن هذه ليست مجرد انتخابات لرئيس الوزراء، بل معركة من أجل روح العقد الاجتماعي نفسه. كلُّ شيء متقارب، ولا شيء مؤكد.