.This article is available in English here
ترى دول الخليج العربية على نحو متزايد أنّ إسرائيل تُشكّل العقبة الرئيسية أمام إحراز تقدّم في تنفيذ خطة السلام، وقد تُعوّل على حدوث انفراجة بعد الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر.
بعد مرور نحو عام على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطته للسلام في غزة، المؤلفة من 20 بنداً، والتي وافقت عليها كل من إسرائيل وحماس، ومهّدت الطريق للإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين، يبدو أن عملية السلام وصلت إلى طريق مسدود.
إذ لا يزال الطرفان على خلاف جوهريّ في شأن ترتيب خطوات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي. فحتى الآن، ترفض حماس التخلي عن أسلحتها الثقيلة ما لم توقف إسرائيل جميع عملياتها العسكرية وتسحب قواتها من المناطق التي تسيطر عليها حالياً في غزة ـ أي نحو 60 في المئة من القطاع؛ فيما تقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل أن تتخلى حماس عن سلاحها.
ورغمَ أنّ الرئيس ترمب لا يزال يؤكد أن الوضع في غزة تحت السيطرة، فإن مبعوثه جاريد كوشنر، الذي زار إسرائيل مؤخراً، و نيكولاي ملادينوف، المدير العام لمجلس السلام الذي أسسه ترمب، لم يتمكنا حتى الآن من إطلاق المرحلة الثانية من العملية.
وفي أيلول/ سبتمبر، أقرّ كوشنر بأنّ مهمة نزع السلاح في غزة تبيّن أنها أصعب بكثير مما كان متوقعاً في البداية، قائلاً: “بدأنا ندرك حجم التسلح في غزة. إنه يفوق ما يمكنكم تصوّره”. وكان قد صرّح لشبكة فوكس نيوز في آب/ أغسطس بأنه يتوقع أن تبدأ حماس تسليم أسلحتها في غضون “30 يوماً فقط.”
وفي غضون ذلك، لا يزال الوضع الإنساني في غزة حرجاً، وفقاً لتقرير صدر في آب/ أغسطس عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فيما لا يلوح أمل كبير في إعادة الإعمار في ظلّ الجمود الراهن. ووفقاً لتقرير المكتب، يعاني 58 في المئة من سكان غزة “أوجه قصور حادة في ظروف المأوى أو في إمكانية الحصول على الخدمات الأساسية والمواد غير الغذائية”، في حين قد يؤدي الضغط الشديد على النظام الصحي ونقص الإمدادات الطبية إلى تعريض الخدمات المنقذة للحياة إلى الخطر.
وتُعد دول الخليج العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة ـ التي هي أيضاً ضمن عضوية مجلس السلام ـ من أبرز مقدمي المساعدات الإنسانية إلى غزة. بل إن المساعدات الإماراتية تمثل 46 في المئة من إجمالي المساعدات المقدمة عالمياً. ولكن ما موقف دول الخليج من الجمود الراهن في غزّة؟ وهل يمكنها المساعدة في إيجاد سبيل للخروج منه؟
وفي آب/ أغسطس، أدانت ثماني دول عربية وإسلامية ـ هي السعودية والإمارات ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر ـ إحجام إسرائيل عن المضي قدماً في تنفيذ خطة ترمب بشأن غزة، وقالت إن موقف إسرائيل يهدد الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب.
وفي بيان مشترك، ندّد وزراء خارجية هذه الدول بمعارضة إسرائيل المعلنة لخريطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة ترمب الأوسع نطاقاً بشأن غزة، التي أقرها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803. كما دعت المجموعة إلى نزع سلاح حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، ونقل السلطة الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وإعادة إعمار القطاع.
وفي أيار/ مايو، أفادت تقارير بأن الإمارات ساهمت بمبلغ 100 مليون دولار لتدريب قوة شرطة جديدة في غزة، وهي خطوة مهمة من شأنها أن تسهم في توفير الأمن في القطاع بعد الحرب. غير أن مسؤولين إسرائيليين منعوا، وفقاً للتقارير، الملتَحِقين الجدد، الذين خضعوا بالفعل للتدقيق الأمني، من مغادرة القطاع لتلقّي التدريب في القاهرة. ولا يزال من غير الواضح حتى الآن متى سيُسمح لهم بالمغادرة والعودة إلى غزة ـ إن سُمح لهم بذلك أصلاً.
ومع أنّ الإمارات وغيرها من الدول العربية الأعضاء في مجلس السلام لم تعلّق على هذه التقارير، فمن الواضح أنّ استياءها من الحكومة الإسرائيلية بشأن غزة والضفة الغربية آخذ في التصاعد. وفي آب/ أغسطس، أُقيمت في دبي للمرة الأولى فعالية تحت عنوان “الإمارات تحب فلسطين“، احتفاءً بالروابط بين الإمارات والشعب الفلسطيني، فيما أُرسِل وفد إلى مصر من المشاركين في برنامج إماراتي لإعداد قادة المستقبل، للتعرف على الجهود الإماراتية لتقديم المساعدات الإنسانية إلى غزة والمشاركة فيها.
وتكتسب الإمارات أهميةً خاصةً في هذا السياق، باعتبارها إحدى الدول الموقعة على اتفاقات أبراهام، وهي من أقرب شركاء إسرائيل في الخليج والعالم العربي. لكن دولاً خليجية أخرى، مثل السعودية، صعّدت أيضاً إدانتها للتصريحات المتطرفة الأخيرة الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن التهجير القسري للفلسطينيين من غزة، فضلاً عن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وفي غضون ذلك، أصرّ ترمب على أنّ الاتفاق النووي المثير للجدل، الذي أُبرم مع السعودية هذا الصيف، مرهون بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. لكن على الرغم من الضغوط الأميركية، يبدو أن السعودية لن تتراجع كثيراً عن مطلبها المتمثل في وضع مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية.
وبسبب الحرب على إيران وتداعياتها، باتت دول الخليج العربية منشغلةً بأمنها الداخلي وتحدياتها الاقتصادية على نحو غير مسبوق منذ سنوات. ومع بقاء أسابيع قليلة فقط على الانتخابات الإسرائيلية المفصلية المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر، لا تزال هذه الدول تأمل، إلى حدٍّ ما، في أن يفتح تغيير الحكومة الباب أمام انخراط أكثر إيجابيةً وبنّاءً.
وانتقد أبرز مرشحي المعارضة في إسرائيل سياسات نتنياهو في كلٍّ من غزة والضفة الغربية. ويرى كثير منهم أنّ إسرائيل بحاجة إلى إشراك الدول العربية، ولا سيّما السعودية، في تعاملها مستقبلاً مع الفلسطينيين. وقد تتخذ حكومةٌ إسرائيلية جديدة أيضاً موقفاً أكثر تشدداً بكثير تجاه عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وتُبدي مرونةً أكبر إزاء ترتيبات بديلة للحكم الفلسطيني في غزّة، يكون من شأنها إزاحة حماس عن السلطة.
غير أنّه إذا بقي الائتلاف الحاكم الحالي في السلطة، فقد يتخذ خطوات أكثر تشدداً وتطرفاً. وقد يشمل ذلك البناء في منطقة E1 الاستراتيجية، بما من شأنه أن يشطر الضفة الغربية ويقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً، فضلاً عن احتمال تصعيد الأوضاع في غزة.
وفي الوقت الراهن، تركز دول الخليج على أداتين دبلوماسيتين رئيسيتين في تعاملها مع الجمود المستمر في غزة: أولاهما تقديم المساعدات الإنسانية، والثانية توجيه إدانات صريحة لإسرائيل، التي بات يُنظر إليها على نحو متزايد في العواصم العربية باعتبارها العقبة الرئيسية أمام تنفيذ خطة ترمب للسلام.
في ظلّ الظروف الحالية، يبدو من غير المرجح أن تغيّر دول الخليج نهجها. والأبعد احتمالاً أن تسحب دعمها لخطة ترمب للسلام ومجلس السلام، أو أن تضغط لاتخاذ تدابير عاجلة واستثنائية، مثل فرض عقوبات على إسرائيل، أو تدخُّل ترمب شخصياً. لكن هذه الحسابات قد تخضع للمراجعة بعد الانتخابات الإسرائيلية، تِبعاً لنتائجها. كما إنها ستظل مرهونةً بالوضع الاستراتيجي الأوسع في الخليج، ولا سيما خطر تجدّد الأعمال القتالية.
وإلى أن يحدث ما يكسر هذا الجمود، سيظل سكان غزة عالقين بين حماس والحكومة الإسرائيلية، فيما ينتظر كل طرف أن يبادر الآخر إلى اتخاذ الخطوة الأولى.
