حسابات إيران: التفاوض من موقع الردع وامتلاك أوراق الضغط

في مقابلة مع فوكس نيوز في 6 آب/ أغسطس 2026، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن القيادة الإيرانية منقسمة بين من يؤيدون المفاوضات و”متطرفين مجانين” يريدون استمرار الحرب. ويعكس توصيفه سوء فهم أوسع نطاقاً في واشنطن، التي تميل إلى النظر إلى عملية صنع القرار الإيراني باعتبارها خياراً بسيطاً بين الدبلوماسية والمواجهة. غير أن الجدل الدائر في طهران اليوم لا يتعلق بما إذا كان ينبغي التفاوض مع الولايات المتحدة، بقدر ما يتعلق بترتيب الخطوات الدبلوماسية وممارسة الضغط، من ناحية الشروط التي ينبغي أن تسبق المحادثات، وما القدْر الذي ينبغي ترسيخه من الردع أولاً، وما التكاليف التي يمكن تحمّلها.

ويكمن وراء هذا الجدل تحوّل في نهج طهران، إذ يتحول نهج طهران من ضبط النفس القائم في معظمه على رد الفعل، إلى تبنّي قدر محسوب من عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها الاستراتيجي. وتسعى إيران الآن إلى إظهار استعدادها لفرض كلفة على خصومها وخوض مخاطر كانت تتجنبها في السابق، مع ضبط أفعالها بعناية. ويمكن وصف هذا النهج على أفضل وجه بأنه “الردع الهجومي المحسوب، أي ثني الخصوم عن شنّ هجمات من خلال فرض كلفة مدروسة وفعالة في الوقت نفسه، مع تجنّب الانزلاق إلى تصعيد خارج عن السيطرة.

ما الذي كشفته محادثات إسلام آباد عن حسابات إيران؟

يمكن تتبّع تطوّر الجدل في طهران من خلال مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية الموقعة في إسلام آباد في حزيران/ يونيو 2026. فقد وافق عليها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تحت ضغط عسكري. وقال الرئيس مسعود بزشكيان لاحقاً إن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي فوّض القرار إلى المجلس، الذي أقر المذكرة بأغلبية 12 صوتاً مقابل صوت واحد، وكان من بين المؤيدين شخصيات عسكرية بارزة. كما يشير تقرير حديث لموقع أكسيوس عن قناة اتصال خلفية مع الولايات المتحدة شارك فيها قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي إلى أن المذكرة حظيت أيضاً بدعم من المؤسسة العسكرية.

وقد عززت زيارة المشير عاصم منير إلى طهران في أواخر آب/ أغسطس، واجتماعاته مع كبار المسؤولين الأمنيين، والتقييمات الإيرانية الإيجابية لنتائج الزيارة، هذه الصورة؛ فالدبلوماسية في حدّ ذاتها لم تُرفض. وهذا يدحض الافتراض الغربي الشائع بأن الدبلوماسيين الإيرانيين يؤيدون المفاوضات، في حين تعارضها المؤسسة العسكرية. ففي حالة إسلام آباد، كان الخلاف يدور حول التوقيت والشروط التي ينبغي أن تسبق المحادثات.

وقد ظهر هذا التباين في مواقف كبار المسؤولين. فقد ذكَر بيان لخامنئي عقب توقيع مذكرة إسلام آباد، أنَّ تقييم المرشد الأعلى كان مختلفاً عن تقييم المجلس الأعلى للأمن القومي، لكنه وافق على إقرار المذكرة بعدما أكد له الرئيس أن الاتفاق سيحمي مصالح إيران. وبعد يومين، قال القائد السابق في الحرس الثوري محسن رضائي إنه لا يعارض المفاوضات في حد ذاتها، بل يعارض إجراءها في ظلّ وقف لإطلاق النار من شأنه أن يمنح العدو وقتاً لإعادة تنظيم صفوفه والاستعداد لشن هجوم آخر. وربما عكست تصريحاته تحفظات مماثلة داخل أوساط القيادة.

ما الذي تغير بعد حرب الأيام السبعة عشر؟

أدى فشل مذكرة إسلام آباد واستئناف الأعمال القتالية في تموز/ يوليو 2026 إلى تغيير الحسابات. فبعد أن هاجمت إيران سفناً تجارية في الجزء العُماني من مضيق هرمز، اعتقاداً منها أن واشنطن انتهكت الاتفاق، تدخلت الولايات المتحدة، ما وسّع نطاق المواجهة وحوّلها إلى ما أطلقت عليه إيران لاحقاً اسم “حرب الأيام السبعة عشر”. وقال رضائي لاحقاً إن إيران واصلت عملياتها العسكرية لمدة يومين بعد توقف الهجمات الأميركية، بهدف إرساء “مستوى جديد من الردع”. وأضاف أن إيران كثّفت أيضاً هجماتها الدقيقة خلال الأسبوع الأخير في محاولة لرفع الكلفة على الطرف الآخر. وتتعارض تصريحاته هذه مع ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حين كانت مذكرة إسلام آباد لا تزال سارية. فقد قال عراقجي إن التوصل إلى الاتفاق قبل ذلك بعشرة أيام كان من شأنه أن ينقذ مسؤولين كباراً مثل علي لاريجاني، ويحول دون تدمير بنى تحتية اقتصادية حيوية. وأضاف: “لا يمكن المقامرة بأرواح الناس”.

ومن ثمَّ، بدا أن حرب تموز/ يوليو عززت موقف أولئك في طهران الذين رأوا أن مذكرة إسلام آباد وحدها لا تكفي لمنع اندلاع مواجهة أخرى. وكانت الخلاصة أن الدبلوماسية من دون ردع فعال ـ وهجومي أحياناً ـ قد تترك إيران عرضةً لهجوم متجدد. وتكرر هذا النمط في أوائل أيلول/ سبتمبر، عندما دفع استمرار الحصار البحري الأميركي الحرس الثوري إلى اختبار ما وصفته إيران بأنه صاروخ مضاد للسفن، أُطلق فوق سفينة حربية أميركية. وبعد إطلاق الصاروخ، قال رضائي في 6 أيلول/ سبتمبر إن الاختبار كان يهدف إلى “إظهار أننا لم نعد قادرين على التهاون مع الحصار”، وإلى إثبات جِدّية إيران في تنفيذ تهديدها.

الردع قبل الدبلوماسية

ومن هنا تكتسب تسمية رضائي لاحقاً أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي دلالةً خاصة، بالنظر إلى تشديده على مواصلة الضربات وتكثيفها بوصفها أساساً للردع. ومنذ مواجهة تموز/ يوليو 2026، باتت إعادة فتح مضيق هرمز ترتبط بصورة متزايدة بشروط أمنية أوسع، بدلاً من مجرد إنهاء الحصار، كما كان الموقف الإيراني في حزيران/ يونيو. كما بات يُنظر إلى المضيق بصورة متزايدة بوصفه ورقة ضغط فعالة.

وينعكس المنطق نفسه في الشخصيات التي تتولى اليوم شرح إستراتيجية إيران. فخلال مفاوضات إسلام آباد، كان وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الواجهتين العلنيتين للدبلوماسية. أما منذ الحرب، فقد أصبحت الشخصيات العسكرية البارزة أكثر حضوراً في المشهد العام، بما في ذلك في وسائل الإعلام الأجنبية. وفي مقابلة نادرة أجراها في طهران في آب/ أغسطس مع هيئة البث العام الأميركية، قال العميد محمد رضا نقدي، المستشار البارز لقائد الحرس الثوري، إن إيران بحاجة إلى مستوى جديد من الردع “حتى لا يجرؤ العدو على مهاجمتنا أبداً”.

ولا تعني هذه التطورات أن إيران تبنت عقيدةً عسكريةً بالكامل، أو أنّ حكومةً عسكريةً آخذة في التشكل. فلا تزال إدارة بزشكيان تضطلع بدور محوري في إدارة الاقتصاد، وسيكون لها دور في أي مفاوضات مستقبلية. لكن بالنسبة إلى تيار متزايد النفوذ داخل القيادة الإيرانية، يُنتظر من الدبلوماسية أن تُرسّخ الردع العسكري وتحوله إلى مكاسب سياسية، لا أن تكون بديلاً عن بناء هذا الردع.

كما تنطوي هذه الإستراتيجية أيضاً على بُعد داخلي مهم. ففي المقابلة نفسها التي قال فيها إن إيران أرست “مستوى جديداً من الردع”، حذّر رضائي من أنّ خصوم إيران سيسعون إلى إثارة اضطرابات داخلية. وفي هذا السياق، يبدو تعيين حسين طائب على رأس قوات الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تطوعية تابعة للحرس الثوري، ذا دلالة خاصة. فطائب مسؤول مخضرم في أجهزة الاستخبارات والأمن التابعة للحرس الثوري، ويتمتع بخبرة واسعة في التعامل مع فترات الاضطرابات الداخلية، وقد أُسندت إليه مهمة تعزيز شبكات الاستخبارات واستخدام تقنيات جديدة لمواجهة التهديدات الأمنية. ويشير ذلك إلى أن القيادة تتوقع أن يغذّي الضغط الخارجي وعدم الاستقرار الداخلي أحدهما الآخر.

أوجه قصور الإستراتيجية

لا يعكس توصيف فانس للقيادة الإيرانية سوى جانب من نهج طهران. فما دامت واشنطن متمسكة بالنظرة القديمة التي تفترض وجود انقسام جوهري داخل النظام السياسي الإيراني، فإنها تخاطر بإساءة فهم ديناميات صنع القرار، والوقوع في مزيد من الحسابات الخاطئة ـ بما قد يؤدي إلى إخفاقها في احتواء حريق إقليمي يمكن أن ينشب مجدداً في أيّة لحظة. ولا شك في وجود خلافات داخل النظام، لكن تصريحات المسؤولين على مستوى المجلس الأعلى للأمن القومي ينبغي أن تُفهم باعتبارها انعكاساَ للموقف الذي يتبناه النظام ويسعى إلى تنفيذه، لا أن تُستبعد بسبب معارضة أفراد من داخل المؤسسة أو معلّقين من خارجها. وتشير التعيينات الأخيرة والخطاب الرسمي إلى تركيز متزايد على الردع الهجومي المحسوب، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المفاوضات، وإن كان من السابق لأوانه اعتبار ذلك عقيدةً جديدةً. غير أن فهم المنطق الكامن وراء هذا النهج لا يعني أن إستراتيجية إيران متماسكة أو قابلة للاستمرار. فربما خلُصت طهران إلى أن الدبلوماسية من دون ردع فعال تجعلها عرضةً لهجوم آخر. لكن الإجراءات التي تتخذها، ولا سيما في محيط مضيق هرمز، قد تؤدي أيضاً إلى إضعافها وتضييق خياراتها الدبلوماسية تدريجياً.

ولا يعالج هذا النهج أوجه الضعف الإستراتيجية الأوسع التي تعاني منها إيران. إذ لا تزال طهران تفتقر إلى إطار واضح لما تريد تحقيقه في نهاية المطاف بشأن مضيق هرمز، أو الملف النووي، أو العلاقات مع واشنطن، أو النظام الإقليمي. كما يتحول مضيق هرمز من ورقة تهديد تُستخدم في حالات الطوارئ إلى مصدر أكثر استدامةً للضغط. وفي حين أن إبقاءه مغلقاً يمكن أن يفرض كلفةً على خصوم إيران ويعزز موقف طهران التفاوضي، فإنه يرتّب أيضاً تكاليف اقتصادية وسياسية جسيمة على إيران. ولا تبدو روسيا والصين بالضرورة مرتاحتين للوضع الراهن أيضاً. فقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو تعارض فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق، وإن أبقى الباب مفتوحاً أمام مزيد من النقاش بشأن المسألة. كما تشير شائعات غير مؤكدة متداولة في طهران، تفيد بأن الصين اشترطت لإتمام زيارة قاليباف المقررة إعادة فتح المضيق والامتناع عن فرض رسوم على حركة الملاحة، إلى تزايد القلق بشأن مدى استعداد بكين للاستمرار في تقبّل الوضع الراهن.

وفي هذه الأثناء، قد تؤدي إطالة أمد الأزمة إلى تعميق الانقسامات الداخلية بين من يسعون إلى العودة إلى الدبلوماسية ومن يدعون إلى شنّ ضربات استباقية أشدّ لكسر الجمود. كما قد تؤجج الضغوط الاقتصادية الاحتجاجات، التي تخشى طهران أن يجري استغلالها أو دعمها من الخارج. وتُظهر التجارب السابقة أن الاضطرابات الناجمة عن الأوضاع الاقتصادية يمكن أن تفضي أيضاً إلى مخاطر عسكرية.

وفي نهاية المطاف، يتوقف نجاح استراتيجية إيران على قدرتها على فرض كلفة من دون التسبب في تصعيد خارج عن السيطرة، وتحمُّل الضغوط الاقتصادية، واحتواء الاستياء الداخلي، وإقناع واشنطن بأن كلفة أيّ حملة عسكرية أخرى ستفوق ما يمكن أن تحققه من مكاسب. كما يتوقف على قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط من دون أن يتحول إلى ذريعة لشن مزيد من الهجمات الأميركية أو مصدر استياء لروسيا والصين. لكن الأدلة حتى الآن تشير إلى عكس ذلك.