تركّز جانب كبير من استراتيجية إعادة الإعمار في سوريا حتى الآن على جذب استثمارات واسعة النطاق من السعودية وقطر والإمارات، وغيرها من الشركاء الدوليين، وتوجيهها إلى قطاعات الطاقة والاتصالات والموانئ والمطارات والعقارات . ومع أهمية هذه المشاريع، يظلّ من غير المرجح أن تتمكن وحدها من تحقيق تعافٍ اقتصادي واسع النطاق. فهذا التعافي يتوقف أيضاً على تحسين سبل العيش في مختلف أنحاء البلاد. أي مدى قدرة المزارعين على شراء المعدات، والشركات الصغيرة على الحصول على رأس المال التشغيلي. وبعبارة أخرى، قد يتوقف نجاح إعادة الإعمار على من يستطيع الحصول على قرض.
خرجت المصارف العامة والخاصة في سوريا من حقبة كان فيها الحصول على الائتمان منحازاً بشدة لمصلحة الشركات ورجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد. وقد تساعد الإصلاحات المطروحة للنقاش حالياً في استعادة نشاط الإقراض، لكنها قد تتيح أيضاً لأطراف ذات صلات سياسية استخدام حصص مِلكية جديدة للتأثير في توجيه الائتمان. وتتطلّب الحيلولة دون ذلك وضع قواعد تضمن الشفافية في مِلكية المصارف وفي مسائل الإقراض للأطراف المرتبطة بها وفي ما يتعلق بمنح بعض المقترضين معاملة استثنائية، وتتيح الاعتراض على سياسات المصارف ومساءلتها.
حدود الخصخصة وإصلاح السوق
تؤدي الاستثمارات الأجنبية الكبيرة في رأس المال والائتمان المصرفي أدواراً مختلفة. إذ يميل الاستثمار الأجنبي في البداية إلى التركُّز في المراكز الحضرية الكبرى والقطاعات كثيفة رأس المال، حيث يستطيع المستثمرون تحديد المشاريع وإدارة المخاطر بسهولة أكبر. أمّا الائتمان المصرفي، فيمكن أن يصل إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة على نطاق أوسع من المناطق. ونظراً إلى أن هذه الشركات تشكل الغالبية الساحقة من الشركات السورية، وغالباً ما تمثل صعوبة الحصول على التمويل أحد أبرز القيود التي تواجهها، فإن قدرتها على الحصول على الائتمان ستكون عاملاً أساسياً في تحديد مدى اتساع نطاق التعافي الاقتصادي في سوريا.
وفي الوقت الراهن، تفتقر المصارف السورية إلى المقومات اللازمة للاضطلاع بهذا الدور. فقد أدت سنوات من الصراع، وتراجع قيمة العملة، والقروض المتعثرة، والعزلة الدولية، إلى تركيز المصارف السورية على الحفاظ على رأس المال بدلاً من الإقراض. ونتيجة لذلك، تراجعت الوساطة الائتمانية إلى مستويات متدنية للغاية.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت زخماً كبيراً من التحركات الرامية إلى إعادة ربط سوريا بالأسواق المالية الإقليمية والعالمية، بما في ذلك استئناف التحويلات عبر نظام سويفت، وتكثيف التعاون مع صندوق النقد الدولي، وخطط لإتاحة مشاركة أجنبية أكبر في القطاع المصرفي. كما يُنظر، بحسب تقارير، في خصخصة المصارف العامة السورية ـ وهي أكبر المؤسسات المالية في البلاد ـ أو تحويلها إلى شركات مساهمة، أو إقامة شراكات بينها وبين مؤسسات عربية ودولية.
وتشير هذه المقترحات إلى توجُّهٍ نحو توسيع دور رأس المال الخاص والأجنبي في القطاع المصرفي السوري. وقد تسهم هذه التغييرات في استعادة القدرة على الإقراض، وتوسيع خيارات المقترضين بين الجهات المُقرضة، وتعزيز الحوافز للحفاظ على رأس المال وتسعير المخاطر بدقة. لكن حتى الخصخصة الكاملة لن تقضي على مخاطر الهيمنة على القطاع. فكما يمكن للمسؤولين التأثير في المصارف العامة، قد تخضع المصارف الخاصة لتأثير كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والشركات المرتبطة بها والمقترضين ذوي الصلات السياسية.
وتُظهِر تجربة سوريا نفسها كيف يمكن للخصخصة أن تغيّر قنوات النفوذ من دون أن تفضي إلى سياسة إقراضٍ محايِد. فعندما فتحت سوريا قطاعها المصرفي أمام المؤسسات الخاصة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أسس رجال أعمال ذوو صلات سياسية العديد من المصارف الجديدة. وبعد أن شجّعت الحكومة المصارف على استئناف الإقراض عام 2018، تمكنت هذه الفئات من الحصول على قروض ضخمة على نحو استثنائي.
ويسري الخطر نفسه الآن على المرحلة المقبلة من الإصلاح. فقد أثارت عملية إعادة الإعمار في سوريا بالفعل مخاوف من استحواذ النخب على مسارات استرداد أصول النظام السابق، وصندوق الثروة السيادي، والصفقات الاستثمارية الكبرى، وتخصيص الأراضي العامة والعقود. وبالمِثل، قد تؤدي إعادة هيكلة القطاع المصرفي وخصخصته، ودخول جهات أجنبية إليه، وتخفيف أعباء الديون، إلى إعادة توزيع السيطرة على الائتمان من خلال عمليات لا يزال من الصعب إخضاعها للتدقيق.
نقص المعلومات وأثره في تشويه قرارات الإقراض
تجد المحاباة في الإقراض بيئة مواتية حين تكون المعلومات شحيحة. ذلك أنّ المصارف تحتاج إلى معلومات موثوقة عن المقترضين ـ تشمل هياكل ملكيتهم والتزاماتهم وضماناتهم وسجلّاتهم في سداد الديون ـ حتى تتمكن من تقييم جدارتهم الائتمانية من دون الاعتماد على العلاقات الشخصية. وتحتاج الجهات التنظيمية بدورها إلى معلومات موثوقة عن ملكية المصارف وقرارات الإقراض وحجم انكشافها على الأطراف ذات الصلة، لتحديد ما إذا كانت المعاملة التفضيلية تستند إلى تقييمات مشروعة للمخاطر أم إلى تأثير العلاقات السياسية والتجارية.
وافتقرت المصارف السورية تاريخياً إلى كثير من الأدوات الأساسية اللازمة لاتخاذ قرارات الإقراض. فقد حال غيابُ مكتبٍ للمعلومات الائتمانية دون تمكّن المصارف من التحقق من سجلات المقترضين في سداد ديونهم. كما كانت البيانات المالية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الموثوقية. ففي عام 2005، وهو تاريخ أحدث تقييم متاح، لم يكن لدى سوى نحو ثلث الشركات السورية حسابات خاضعة للتدقيق، فيما أفادت تقارير بأن شركات كثيرة كانت تحتفظ بأكثر من مجموعة من الدفاتر المحاسبية لإخفاء الإيرادات أو كشوف الرواتب عن السلطات. وقد حذّر البنك الدولي من أنّ أوجه القصور هذه دفعت المصارف إلى الاعتماد على “السمعة أو المعرفة الشخصية” عند منح القروض.
وما تزال مشكلة نقص المعلومات قائمة. فقد أدرجت استراتيجية مصرف سوريا المركزي للفترة 2026–2030 إنشاء مكتب وطني للمعلومات الائتمانية، وتوسيع سِجلِّ المستفيدين الحقيقيين، ضمن الإصلاحات التي لم تُستكمل بعد. وإلى أن تدخل هذه الأنظمة حيّز التطبيق وتصبح موثوقة، ستظل المصارف تواجه صعوبة في تقييم المقترضين على أساس المخاطر، بدلاً من السمعة والعلاقات الشخصية.
وستواجه الجهات التنظيمية صعوبات أيضاً، ولأسباب مماثلة إلى حدٍّ كبير. فقد حصلت سوريا على درجة واحدة فقط من أصل سبع درجات في مؤشر الإفصاح للبنك الدولي لعام 2005، ما يعكس محدودية المعلومات المتاحة عن المستفيدين الحقيقيين، والروابط العائلية، وترتيبات التصويت، والمصالح التجارية ذات الصلة. ومن دون هذه المعلومات، يصعب على الجهات التنظيمية تحديد المقترضين المرتبطين بأطراف ذات صلة، أو معرفة من يملك المصرف ويسيطر عليه فعلياً. ولا تزال هذه المشكلات من دون حل. فقد وصف أحد المحللين المصارف السورية بأنها “صناديق سوداء”، فيما أشارت تقييمات حديثة للبنك الدولي بأسف إلى شُحّ المعلومات الموثوقة.
لذلك، يجب أن يسدَّ إصلاح القطاع المصرفي فجوة المعلومات في الاتجاهين. فالمصارف تحتاج إلى معلومات موثوقة عن المقترضين كي لا تحلّ العلاقات محلّ الجدارة الائتمانية، فيما تحتاج الجهات التنظيمية إلى معلومات موثوقة عن المصارف ومالكيها والجهات المرتبطة بها وقرارات الإقراض، حتى يتسنّى رصد المعاملة التفضيلية والاعتراض عليها. ومن دون توافر الأمرين، قد يتدفق جانب كبير من الائتمان الجديد الذي ستولّده عملية إعادة الإعمار إلى شبكات المصالح السياسية والتجارية.
قواعد الشفافية لنظام مصرفي جديد
تتناول استراتيجية مصرف سوريا المركزي للفترة 2026–2030 جانباً كبيراً من المهمة الأولى، المتمثلة في تهيئة البِنية التحتية للمعلومات التي افتقرت إليها المصارف السورية طويلاً. وتتوخى الاستراتيجية إنشاء مكتب وطني للمعلومات الائتمانية، إلى جانب تدريب مسؤولي الامتثال في المصارف. ومن شأن هذه التدابير، إذا نُفّذت، أن تسهم في جعل تقييم مخاطر الإقراض أكثر حياداً.
وينبغي أن تقترن هذه البنية التحتية بالتزامات واضحة تُفرض على المصارف. ففي حين تحدد الاستراتيجية وسائل مفيدة لتوسيع نطاق المعلومات المتاحة للجهات التنظيمية، من خلال اقتراح توسيع سِجِلّ المستفيدين الحقيقيين، فإنها أقل تحديداً بشأن كيفية استخدام هذه الأنظمة لرصد الإقراض المرتبط بجهات ذات نفوذ سياسي ومنعه.
ولذلك، ينبغي لمصرف سوريا المركزي وضع قواعد واضحة للإقراض إلى الأطراف ذات الصلة، بما يشمل المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة وكبار المديرين والشركات المرتبطة والأشخاص النافذين سياسياً. كما ينبغي أن يُلزم المصارف بتحديد حالات الانكشاف على الأطراف ذات الصلة والإبلاغ عنها، ووضع حدود للإقراض لهذه الأطراف، وضمان منح هذه القروض بشروط مماثلة لتلك المتاحة لمقترضين ذوي أوضاع مماثلة. ويمكن إخضاع هذه القروض لرقابة إشرافية معززة.
وبالمثل، ينبغي للمصارف العامة أن تنشر معايير واضحة للإقراض وإعادة هيكلة القروض والإعفاء من الديون. وينبغي ألا يُمنح الائتمان أو الإعفاء من الديون على أساس العلاقات غير الرسمية مع الوزارات أو مديري المصارف. ومع بدء تنفيذ الإصلاحات، ينبغي للمصارف الإفصاح عن قيمة الغرامات التي جرى التنازل عنها، والقروض التي أُعيدت هيكلتها، والديون التي جرى شطبها، موزعةً بحسب القطاع والمحافظة وفئة المقترض وحجم القرض. وفي المرحلة المقبلة، يمكن للمصارف المتخصصة نشر بيانات سنوية عن الإقراض بحسب القطاع والمحافظة وفئة المقترض.
وأخيراً، ينبغي منح مجلس الشعب دوراً رقابياً محدداً. وعلى غرار ما هو معمول به في بلدان أخرى، يمكن للّجان البرلمانية مراجعة هذه التقارير السنوية بشأن أنماط الإقراض، والإعفاء من الديون، وأداء المصارف العامة، من دون التدخل في قرارات الإقراض الفردية.
وقد تؤدي الإصلاحات الجارية في النظام المالي السوري إلى زيادة حجم الائتمان المتاح، لكنها لن تضمن إتاحته على نطاق واسع إذا ظلّت العلاقات السياسية والتجارية هي التي تحدد من يحصل عليه. وستسهم قدرة سوريا على بناء منظومة المعلومات والرقابة اللازمة لضمان عدالة الإقراض في تحديد ما إذا كانت إعادة الإعمار ستوسّع نطاق الفرص الاقتصادية، أم ستحصر منافعها في مجموعة جديدة من الأطراف ذات الصلات والنفوذ.
