العقوبات تعيد تشكيل اقتصاد الجماعات المسلحة في العراق بدلاً من إضعافه

قد لا تؤدي الضغوط الأميركية المتزايدة على قنوات تمويل الجماعات المسلحة في العراق إلى إضعاف نفوذ هذه الجماعات، بقدر ما تدفعها إلى إعادة هيكلة اقتصادها. فمع تشديد العقوبات والقيود الأخرى المفروضة على المصارف والأفراد والشركات المرتبطة بهذه الجماعات، تبدو هذه الأخيرة أكثر ميلاً إلى تعميق اعتمادها على مصادر الدخل المحلية وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة. 

من القوة السياسية إلى السيطرة المؤسسية 

لم تقتصر استجابة الجماعات المسلحة في العراق للضغوط الأميركية المتزايدة على البحث عن مصادر دخل بديلة، بل سعت إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية ذات العائد المرتفعوقد عزَّز انخراطها المتزايد في العملية السياسية – وما تجلّى فيه من زيادة تمثيلها البرلماني وحصتها من المناصب داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في أعقاب انتخابات عام 2025 – قدرتها على التأثير في توزيع المناصب والموارد العامة، وتوجيه النشاط الاقتصادي بما يخدم مصالحها. ويمثل ذلك انتقالاً من الاستفادة غير المباشرة من الاقتصاد المحلي إلى الاضطلاع بدور أكثر مباشرة في إدارة موارده واستغلالها. 

ويمتد النمط نفسه إلى قطاعات أخرى، ولا سيما قطاع النفط، الذي يحتل موقعاً محورياً في الاقتصاد العراقي ويتيح فرصاً مربحة في مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد. وقد اعتمد تهريب النفط – الذي شكّل منذ فترة طويلة مصدراً رئيسياً لإيرادات الجماعات المسلحة – في السابق على واجهات تجارية وشبكات وسيطة، من بينها مصانع الأسفلت التي كان يُسوَّق عبرها النفط الأسود. غير أن التقارير تشير إلى تطور هذه الآليات نحو ترتيبات أكثر مباشرة، مدعومة بتنامي النفوذ داخل مؤسسات الدولة والسيطرة على بعض المصافي والحقول النفطية. 

وتشير اتهاماتٌ وقراراتٌ صادرة عن السلطات العراقية ووزارة الخزانة الأميركية إلى أن بعض الشبكات المرتبطة بالجماعات المسلحة استغلت مواقع داخل مؤسسات الدولة لتسهيل عمليات تهريب النفط أو الاستفادة من عائداتها. وإذا ثبتت صحة هذه الاتهامات، فإنها تعكس نمطاً أوسع يُوظَّف فيه النفوذ المؤسسي لتسهيل الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، بدلاً من الاكتفاء بحمايتها من الخارج. ووفقاً لبعض التقديرات، تُدرّ هذه الأنشطة عائدات تصل إلى نحو مليار دولار سنوياً، وهو ما يؤكد الدور المحوري الذي بات يؤديه قطاع النفط في البنية الاقتصادية للجماعات المسلحة في العراق. 

التربّح من العقود العامة والأعمال التجارية والمنافذ الحدودية 

لقد مكّن النفوذ السياسي والمؤسسي بعض الجماعات المسلحة من توسيع سيطرتها على المشاريع العامة والمشتريات الحكومية والاستثمارات العامة. فبعدما كانت هذه الجماعات تكتفي بـاقتطاع نسب تتراوح بين 5 و30 في المئة من قيمة العقود المحالة إلى الشركات الخاصة، أصبحت في حالات عديدة قادرة على توجيه تلك العقود إلى شركات تملكها أو إلى شركات تعمل بوصفها واجهات تجارية لها. وبذلك، أصبحت العقود الحكومية نفسها مصدراً للتمويل المستدام. 

ويمتد هذا النمط أيضاً إلى الاقتصاد المحلي، من خلال فرض الإتاوات على بعض الأنشطة الهشة في القطاع الخاص، مثل محالّ بيع الخمور والنوادي الليلية التي تفتقر إلى الحماية القانونية الكافية، ولا سيما بعد أن حظرت السلطات العراقية استيراد المشروبات الكحولية إنفاذاً لـلمادة 14 من قانون واردات البلدية رقم (1) لسنة 2023كما تحقق الجماعات المسلحة إيرادات من سيطرتها على بعض المنافذ الحدودية، إذ تُدرّ عليها، وفق تقديرات متداولة، نحو 12  مليار دولار سنوياً من تهريب البضائع وفرض الإتاوات على سائقي الشاحنات. 

ولا تكمن أهمية مصادر الإيرادات هذه في حجمها فحسب، بل أيضاً فيما تكشفه عن اقتصاد الجماعات المسلحة. فكما خلصت إليه دراسات سابقة، تنتقل هذه الجماعات من الاعتماد على شبكات التمويل الخارجية إلى نموذج يقوم على توظيف النفوذ المؤسسي وتوجيه العقود والموارد العامة والسيطرة على قطاعات رئيسية من الاقتصاد المحلي. وهذا ما يجعل الحد من نفوذها أكثر تعقيداً من مجرد استهداف مصادر تمويلها التقليدية. 

من الإكراه إلى النفوذ المؤسسي 

ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى طبيعة النفوذ نفسه. فلم يختفِ استخدام القوة المسلحة لفرض السيطرة وتحقيق المكاسب الاقتصادية تماماً من استراتيجية الجماعات المسلحة، لكنه أصبح إحدى الأدوات المستخدمة لحماية الشبكات المؤسسية التي تستند إليها هذه الجماعات في ترسيخ موقعها السياسي والاقتصادي. ونتيجة لذلك، بات الفصل بين مصالح الجماعات المسلحة ومؤسسات الدولة نفسها أكثر صعوبة. 

ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع احتمالات الصراع المسلح بين هذه الجماعات، أو تخلّيها عن استخدام القوة. بل باتت القوة تُستخدم أساساً لحماية النفوذ السياسي والاقتصادي أو إعادة توزيعه مع تغيّر موازين القوى. ولذلك، لا يمكن استبعاد تكرار مواجهات مشابهة لتلك التي شهدها العراق في آب/أغسطس 2022 أو تموز/يوليو 2025، ولا سيما عندما تتعرض شبكات النفوذ أو ترتيبات تقاسم الموارد للتهديد، وإن كان من المرجح أن تكون مثل هذه المواجهات أكثر محدودية مع انتقال جانب متزايد من المنافسة إلى داخل مؤسسات الدولة. 

ما بعد العقوبات: سياسات للتعامل مع اقتصاد النفوذ 

يستدعي التحول في النموذج الاقتصادي للجماعات المسلحة تحولاً موازياً في السياسات المتَّبعة. فمن غير المرجح أن يكون تشديد العقوبات المالية أو استهداف مصادر التمويل التقليدية وحده كافياً. إذ يكمن التحدي بصورة متزايدة في البنى المؤسسية التي تتيح لهذه الجماعات توظيف موارد الدولة وآلياتها الاقتصادية لخدمة مصالحها. ولذلك، ينبغي أن تركز السياسات على الحد من فرص استغلال مؤسسات الدولة، إلى جانب تقليص الاقتصاد غير المشروع الذي يوفر لهذه الجماعات مصادر دخل بديلة. 

ويقتضي ذلك تعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، ولا سيما من خلال إصلاح آليات المشتريات الحكومية واعتماد منصات إلكترونية تضمن نشر المشاريع وكلفها ومواصفاتها الفنية، مع إلزام الشركات بالإفصاح عن مالكيها الحقيقيين للحد من استخدام الشركات الواجهة. كما يتطلب ذلك الحد من توظيف مؤسسات الدولة لخدمة شبكات النفوذ من خلال إخضاع التعيينات في القطاع العام لمعايير الكفاءة والرقابة المؤسسية، بما يقلّص أثر المحسوبية والولاء السياسي في توزيع المناصب والموارد العامة. 

وفي الوقت نفسه، يتطلب الحد من اقتصاد النفوذ تعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية، وحماية القطاعات الأكثر عرضة للابتزاز، واستعادة احتكار الدولة للوظيفة الأمنية ضمن إطار أوسع للإصلاح المؤسسي. وقد اتخذت الحكومة الجديدة، برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تقليص نفوذ الجماعات المسلحة. وإلى جانب الجهود الرامية إلى المضي في نزع سلاحها، أطلقت الحكومة في 28 حزيران/يونيو 2026 حملة لمكافحة الفساد، ركزت على تفكيك الشبكات المالية التي تدعم هذه الجماعات، واستهدفت قطاعات مرتبطة بالفساد والمحسوبية، من بينها وزارتا النفط والكهرباءكما تحركت السلطات لإغلاق مكاتب يُزعم ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي وتعمل من دون ترخيص رسمي. 

لكن مع ازدياد اندماج الجماعات المسلحة في الاقتصاد السياسي للدولة، بات الحد من نفوذها يتطلب بصورة متزايدة سياسات تستهدف البنى التي تُنتج هذا النفوذ، بدلاً من الاكتفاء باستهداف الموارد التي تموّله. ومن دون معالجة هذا التحول الهيكلي، قد تنجح الضغوط المالية في تغيير شكل اقتصاد الجماعات المسلحة، لكنها لن تنجح بالضرورة في الحد من نفوذها.