رئيس وزراء جديد في العراق، والمعركة نفسها مع الفساد

 يمثل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، الذي أنشأه رئيس الوزراء علي الزيدي ويترأسه منذ أيار/مايو 2026، حلقة جديدة في سلسلة الهيئات التي أُنشئت لمكافحة الفساد في العراق، فيما تظل المشكلة الجوهرية، المتمثلة في الإفلات من العقاب، من دون معالجة. ومنذ عام 2003، أُنشِئت في العراق العديد من الهيئات واللجان، بما في ذلك هيئات النزاهة، ودواوين الرقابة، واللجان البرلمانية، والاستراتيجيات الوطنية، والمجالس المتخصصة، إلا أن الفساد ما زال يستنزف الموارد العامة ويقوّض ثقة المواطنين بالحكومة.

ويضم المجلس الجديد رؤساء أبرز هيئات المساءلة ومكافحة الفساد، ويهدف إلى تعزيز كفاءة الأداء المؤسسي والحد من التعقيدات البيروقراطية. وشكّل توقيف وكيلٍ لوزارة النفط بتهم فساد إحدى أولى الخطوات ضمن حملة المجلس الجديدة لمكافحة الفساد. وأسفرت المداهمات التي نُفِّذت فجر الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو عن توقيف عدد من كبار السياسيين وأعضاء مجلس النواب بتهم فساد. غير أن هذه الإجراءات لا تمسّ جوهر المشكلة، المتمثل في هيمنة النفوذ السياسي على منظومة المساءلة. ويرى منتقدون أن ما يجري لا يمثل استراتيجية جديدة وجريئة لمكافحة الفساد، بقدر ما هو حملة تستهدف الإدارة السابقة. وإذا تمكن رئيس الوزراء علي الزيدي من إثبات عزمه على كسر هيمنة الأحزاب على مؤسسات الدولة، فقد يتمكن العراق أخيراً من تحقيق تحول حقيقي في معركته ضد الفساد، بعد عقدين من الجمود.

تكاثر الهيئات بلا سلطة 

أنشأ العراق منظومةً معقدة لمكافحة الفساد تضم هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية الاتحادي، واللجان البرلمانية المعنية. ومنذ عام 2006، عمد كل رئيس وزراء إلى استحداث هيئات رقابية جديدة، تُضاف إلى تلك القائمة أصلاً. وقد أعدّت هذه الهيئات قوانين وخططاً، ونفّذت برامج تدريبية، وفتحت تحقيقات، لكنها لم تنجح، بصورة مستمرة، في الحد من الفساد، أو محاسبة كبار المسؤولين، أو استرداد سوى جزء محدود من الأموال المنهوبة. وقد أفضى هذا النهج إلى تنامي حالة من التشكيك، إذ إنّ المشكلة الحقيقية في العراق لا تكمن في نقص المؤسسات، بل في ضعفها، وتسييسها، وعدم اتساق تطبيقها للقانون.

يسعى رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تغيير هذا الواقع. وقد أعلن عزمه على “خنق الفساد “، فيما بدأت حملات توقيف مسؤولين حكوميين بارزين تكسبه تأييد شريحة من الرأي العام. ويؤكد رئيس الوزراء عدم وجود خطوط حمراء، وأنّ أيّ سياسي لن يكون بمنأى عن إجراءات مكافحة الفساد. ونظراً إلى ما يبدو من علاقات قوية للزيدي مع السلطة القضائية، وإلى أن القضاء بات يؤدي دوراً محورياً في النظام السياسي العراقي، فقد تبرز فرصة للتصدي للنفوذ السياسي الذي يقف وراء الفساد.

النهب المنظم والمحاصصة 

تتمثل العقبة الرئيسية أمام مكافحة الفساد في نظام المحاصصة، وهو نظام لتقاسم السلطة أُرسيت دعائمه بعد عام 2003. وغالباً ما تُوزَّع الوزارات، والمناصب العليا، والعقود الحكومية، والشركات المملوكة للدولة بين الأحزاب السياسية بوصفها مكافآت، بما يرسخ نظام المحسوبية داخل مؤسسات الدولة. ويحوّل ذلك الموارد العامة إلى أدوات لتمويل الأحزاب، ومكافأة الموالين، وحماية النخب السياسية.

وفي ظل هذا النظام، لا تؤدي الانتخابات، في كثير من الأحيان، إلى نشوء تمايز واضح بين الحكومة والمعارضة، بقدر ما تحدد الأحزاب التي ستتولى السيطرة على الوزارات المدرّة للإيرادات. ونتيجة لذلك، تجد هيئات مكافحة الفساد التي تحاول وقف هذه التدفقات المالية نفسها في مواجهة الأساس الذي يقوم عليه النظام الحاكم، لا مجرَّد حالات فردية من إساءة استخدام السلطة. ولهذا السبب، كثيراً ما تُقيّد صلاحيات هيئات الرقابة، أو يجري الالتفاف عليها، أو تُعاد هيكلتها مراراً وتكراراً.

مؤسسات “مستقلة” مسيَّسة 

وتُعد مؤسسات مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي مستقلةً رسمياً، إلا أن استقلالها يتآكل بفعل هيمنة السلطة التنفيذية، والصفقات السياسية، واعتمادها مالياً على الحكومة. وعندما تكون الجماعات السياسية الخاضعة للتحقيق هي نفسها التي تختار رؤساء هذه الهيئات، تصبح تلك المؤسسات عرضةً للضغوط الخارجية، ولتطبيق القانون بصورة انتقائية.

وتجسد لجنة مكافحة الفساد التي أنشأها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي هذه الإشكالية بوضوح. فقد لاحقت بعض الشخصيات المعروفة، لكنها تجاهلت “سرقة القرن” التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات، رغم أنها وقعت أثناء فترة عملها. وقد قضت المحكمة الاتحادية العليا بحلّ اللجنة عام 2022 استناداً إلى أسباب دستورية، إلا أن كثيراً من التساؤلات ما زالت تحيط بعملها. ويعكس ذلك مشكلةً أعمق، تتمثل في أن جهود مكافحة الفساد في العراق تعجّ بتداخل الاختصاصات، والهيئات المؤقتة، والإجراءات التي يمكن توظيفها في صراعات النفوذ بين النخب.

ثغرات القضاء وإنفاذ القانون 

تعتمد هيئات مكافحة الفساد في أداء مهامها على النيابة العامة، والقضاء، والشرطة، والوزارات، علماً بأن كثيراً من هذه الجهات يرتبط بشبكات المحسوبية. وحتى عندما ينجح المحققون في بناء ملفات قوية، قد تتعرض الإجراءات للإبطاء، أو الإضعاف، أو التعطيل إذا كان المتهم يتمتع بنفوذ سياسي أو بعلاقات نافذة. وكثيراً ما تبوء التحقيقات المهمة بالفشل بسبب عدم تنفيذ مذكرات القبض، أو اختفاء الوثائق، أو نقل القضاة إلى مواقع أخرى، أو امتناع مؤسسات الدولة عن التعاون.

ويتمتع ديوان الرقابة المالية الاتحادي بكفاءة فنية عالية، لكن أعمال التدقيق لا تكتسب قيمتها إلا إذا أفضت نتائجها إلى مساءلة حقيقية. وتواجه هيئة النزاهة المشكلة نفسها. إذ إن ضعف المتابعة، وغياب الشفافية، وغياب الإرادة السياسية داخل مجلس النواب، كلها عوامل تحدّ من فاعلية الرقابة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تقتصر مخرجات هذه المؤسسات على التقارير وإحالة الملفات، بينما يظل سلوك النخب السياسية على حاله.

الإكراه والمخاطر وضعف الحماية الاجتماعية 

ينطوي التحقيق في قضايا الفساد الكبرى على مخاطر جسيمة. وكثيراً ما تلجأ جماعات مسلحة مرتبطة بأحزاب سياسية وشبكات إجرامية إلى تهديد المحققين والصحفيين والمبلّغين عن الفساد، أو التشهير بهم، أو ملاحقتهم قضائياً، أو الاعتداء عليهم. ورغم أن فضائح كبرى، مثل “سرقة القرن”، أثارت غضباً شعبياً واسعاً، فإن كبار المسؤولين نادراً ما يخضعون للمساءلة.

ومع ذلك، حققت المؤسسات القائمة بعض النجاحات، مثل استرداد أموال منهوبة، وإدانة مسؤولين من المستويين الأدنى والمتوسط. لكن أصحاب النفوذ الحقيقي – من كبار السياسيين والوزراء وممولي الأحزاب وقادة الفصائل المسلحة – يفلتون في الغالب من العقاب. ويعزز ذلك الانطباع بأن جهود مكافحة الفساد لا تستهدف سوى الشخصيات الأضعف أو الخصوم السياسيين، فيما يظل النظام القائم على حاله.

الاستقلال الحقيقي شرطٌ للتغيير الحقيقي 

قد يسهم مجلس الزيدي في تحسين التنسيق وتسريع إحالة الملفات، لكنه يواجه المشكلات الهيكلية نفسها التي واجهتها الهيئات السابقة. كما أن وضع هيئات الرقابة تحت سلطة رئيس الوزراء قد يؤدي إلى مزيد من تركيز السلطة، ويُفضي إلى الإشكاليات الدستورية نفسها التي قوضت الجهود السابقة. ومن دون استقلال حقيقي، وضمانات قوية، وإنفاذٍ ثابت للقانون، فمن غير المرجح أن يغيّر إنشاء مجلسٍ آخر الحوافز الأساسية التي يقوم عليها النظام. فهيئات الرقابة المسيَّسة، وآليات إنفاذ القانون المخترقة، والنفوذ القسري لشبكات الأحزاب والفصائل المسلحة، جميعها ما تزال قائمة. وما لم يَعزل العراق مؤسسات الرقابة عن نفوذ الأحزاب، ويعزز استقلال القضاء، ويوفر الحماية للمحققين والصحفيين، ويضع حداً لاستخدام المناصب العامة في تكريس المحسوبية، فمن المرجح أن يظل مجلس الزيدي، إذا ظلّ قائماً، مجرّد إضافة رمزية أخرى إلى مشهدٍ بات مكتظاً بهيئات مكافحة الفساد.