الاستقرار الهش في العراق مهدد في ظل تغيّر النظام الإقليمي في الشرق الأوسط

تتعرض موازين القوى في المنطقة لاضطرابات عنيفة، ويبدو من الصعب على العراق أن يبقى بمنأى عن هذا التحول الجذري.

للمرة الأولى منذ سنوات، يجد العراق نفسه على هامش صراع إقليمي كبير، لا في قلبه. جاء التصعيد المفتوح بين إيران وإسرائيل في لحظة نادرة من الاستقرار النسبي والتقدّم التنموي داخل العراق. لكن هذه الهدنة الهشة ليست مرشحة للاستمرار، إذ يقف العراق على حافة الانجرار إلى اضطراب قد يُعيد تشكيل النظام الإقليمي بالكامل.

لقد شكّل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 نقطة تحوّل في المشهد الجيوسياسي، ومهّد لصعود إيران كلاعب مهيمن في الإقليم. أما اليوم، فإن الأسس التي بُني عليها هذا النظام تتعرض للاهتزاز بفعل هجمات 7 أكتوبر التي شنّتها حماس، والعدوان الإسرائيلي على غزة، وما تبعها من تصعيد إقليمي. لا تزال ملامح المرحلة المقبلة غير واضحة، لكنها على الأرجح ستكون مليئة بالاضطرابات والصراعات.

يأتي هذا التحوّل في وقت بدأ فيه العراق يتلمّس طريقه للخروج من سنوات من الصراع، وهو ما يعزز الشعور بالهشاشة لدى مختلف الأطراف السياسية في البلاد. فرغم اختلاف الانتماءات الأيديولوجية والطائفية، تبدي النخبة السياسية العراقية قلقاً مشتركاً من الانزلاق مجدداً في دوامة الصراعات الإقليمية.

حتى الفصائل المرتبطة تاريخياً بإيران، كالحشد الشعبي، أظهرت قدراً كبيراً من التريّث منذ 7 أكتوبر.

فإن القيادات ضمن الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم في بغداد لا تُعد مجرد جهات مستفيد من الدولة، بل أصبحوا هم القائمون على شؤونها.

الخلفية التاريخية للصراع

هذا الموقف يمثّل تحوّلاً ملحوظاً عن سلوك هذه الجماعات في الماضي. فبعد أن قاتلت إلى جانب القوات الأميركية لهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” بين 2014 و2017، تدهورت العلاقة لاحقاً، لتتحول المواجهة إلى صراع مباشر.

اعتمدت إدارة ترامب الأولى سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران وحلفائها في العراق، وردت بعض الفصائل العراقية بهجمات صاروخية على قواعد أميركية مثل قاعدة عين الأسد. كما استُخدم العراق كنقطة انطلاق لهجمات محور المقاومة ضد إسرائيل والخليج.

في عامي 2021 و2022، أطلقت جماعات مرتبطة بالحشد ومناصرين لهم طائرات مسيّرة من جنوب العراق استهدفت السعودية والإمارات. وفي العام الماضي، نفّذت كتائب حزب الله هجوماً على البرج ٢٢ أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين عند الحدود الأردنية السورية. مثل هذه الحوادث كانت مؤشراً على خطورة تحوّل العراق إلى ساحة لتصعيد أوسع.

بالرغم من ذلك فقد ساد نوع من ضبط النفس منذ ذلك الحين. فقد رسخت جماعات بارزة من الحشد الشعبي مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق نفوذها داخل الدولة العراقية، حيث باتت تشغل مناصب وزارية، وتدير مواقع رفيعة في الجهاز الإداري، ولها نفوذ كبير على شركات مملوكة للدولة تدرّ عائدات ضخمة.

ومع تجاوز موازنات العراق الاتحادية حاجز 100 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بات الحفاظ على هذا المصدر المالي دافعاً أساسياً لاعتماد نهج أكثر براغماتية وأقل تصادمية. فهذه الجماعات ليست مجرد أذرع لإيران؛ بل تدرك أن الفوضى تضر بمصالحها الاقتصادية.

كما أن هذه المقاربة نابعة من تجارب سابقة. ففي 2020، اغتالت الولايات المتحدة الجنرال الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، قائد الحشد الفعلي آنذاك، ما شكّل تذكيراً صادماً بحدود السيادة العراقية والتحكّم في المجال الجوي. ولا يزال أثر هذا الحدث حاضراً في حسابات الفصائل العراقية، بما يعزز تفضيلها للتريث على المواجهة.

تُدرك هذه القوى أن نفوذها في النظام الإقليمي محدود، لذلك تركز على البقاء وتعزيز سلطتها داخل العراق.

الانزلاق مجددًا إلى الصراع

إلا أن الاضطرابات الإقليمية المتواصلة قد تضع قريبًا نهج العراق القائم على التروي الاستراتيجي أمام اختبار حقيقي. فهناك مسارات محتملة عدة قد تُعيد تشكيل الحسابات في بغداد.

أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في اندلاع حرب طويلة بين إيران وإسرائيل، بدعم أميركي. في هذا السياق، قد تمارس طهران ضغوطاً على حلفائها في العراق لتنفيذ هجمات ضد القوات الأميركية أو ضد إسرائيل. وبالنظر إلى هشاشة التهدئة الحالية وحجم التوتر الإقليمي، يبدو هذا السيناريو محتملاً.

تشك طهران منذ وقت طويل بوجود نشاطات للموساد داخل أراضيها انطلاقاً من العراق، ما يثير احتمال وقوع ضربات انتقامية عبر الحدود، خاصة في إقليم كردستان الذي سبق أن استُهدف بذريعة احتضان مراكز استخباراتية إسرائيلية. وحتى من دون تدخل مباشر، تبقى احتمالات التصعيد والتورّط واردة، مما يضع العراق مجدداً في موقع الخطر.

السيناريو الثاني، هو نزع فتيل التصعيد عبر الدبلوماسية الأميركية، وإعادة ضبط الحسابات الإسرائيلية. هذا المسار قد يمنح العراق فرصة لتعزيز التنسيق الإقليمي دون الانجرار لمواجهة مباشرة.

وفي هذه الحالة، يمكن لبغداد أن تتعاون مع دول الخليج لبناء هيكل أمني إقليمي أكثر فاعلية، يحمي من الصدمات المستقبلية. وستكون تسوية النزاع الحدودي البحري مع الكويت جزءاً أساسياً من هذا التوجّه.

السيناريو الثالث، والأكثر زعزعة للاستقرار، يتمثل في حدوث أزمة خلافة في إيران تؤدي إلى تفكك النظام. مثل هذا الانهيار قد يُحدث تصدعاً في شبكة محور المقاومة، ويدفع بموجات من اللاجئين إلى عبور الحدود العراقية، ويخلّف فراغاً أمنياً خطيراً.

بالنسبة للعراق، قد يكون هذا السيناريو محفوفًا بالمخاطر لكنه يحمل في طياته إمكانات تحوّل جذري. فمن جهة، قد تتدخل الفصائل العراقية المرتبطة بإيران داخل إيران أو في الإقليم، سعيًا للحفاظ على النظام القائم.

ومن جهة أخرى، قد تُشكّل هذه اللحظة فرصة نادرة أمام القادة العراقيين لتكريس استقلالية أكبر، وربما يتمكن العراق أخيرًا من التحرر من النفوذ الإيراني الذي هيمن على سياسته لأكثر من عقدين.

وأخيراً، هناك احتمال التصعيد النووي، في حال أعلنت إيران نيتها تطوير سلاح نووي ونجحت في تثبيت حكمها داخلياً.

في حال نجحت طهران في إعادة فرض سيطرتها واستقرار الأوضاع داخليًا، فمن المرجح أن يستمر العراق في المسار الذي يسلكه حاليًا. وهذا يعني إدارة العلاقات بحذر، مع التركيز على التعافي الداخلي، مع الاستمرار في مواجهة صعوبات تتعلق بالحفاظ على السيادة. لكن في هذا السيناريو، سيظل شبح الانتشار النووي الإقليمي ماثلًا بقوة.

قد تميل القيادة العراقية إلى تجنّب المواجهات والتركيز على التنمية الاقتصادية، لكن التطورات الإقليمية تتجاوز قدرتها على التحكّم بها.

فاستمرار عدم الاستقرار قد يعطّل سلاسل إمداد الطاقة والتجارة، ويقوّض التعافي الاقتصادي. كما قد يهدد النفوذ السياسي الذي بدأت النخبة الحاكمة في ترسيخه خلال السنوات الأخيرة.

التطورات الأمنية قد تُشعل صراعات داخلية أو تدفع العراق للمشاركة في صراعات خارجية، بينما قد تؤدي أي هزة سياسية في طهران إلى خلخلة التوازن الهش داخل بغداد.

ما هو مؤكد، سواء تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل أم لا، هو أن النظام الإقليمي يمر بمرحلة تغير عميقة. والتشبث بالوضع القائم لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار. سيتعين على العراق أن يتحلى ببعد النظر، والمرونة، وأن يعيد تعريف دوره الإقليمي إذا أراد تجاوز العواصف القادمة بسلام.